احذروا الفِتن

17/05/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

نعيش اليوم في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج الفتن، وتشابكت فيه خيوط الحق بالباطل، حتى اختلط الحابل بالنابل، وأصبح بعض الناس لا يكاد يميز الهدى والضلال، والحق والباطل، وهذا من أعظم البلاء أن يلتبس الحق بالباطل، ويصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ، قيلَ: وما الرُّوَيْبضةُ؟ قالَ: الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ) رواه ابن ماجه.

والفتنُ امتحانٌ من الله لعباده، ليظهر الصادق من الكاذب، كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}(العنكبوت:2).
وقد صور لنا النبي صلى الله عليه وسلم دقة تسلل الفتن إلى القلوب تصويراً بليغاً يبعث على الخوف واليقظة، فقال: (تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قَلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قَلبٍ أنكَرَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ بَيضاءُ، حتَّى تَصيرَ على قَلبَينِ: على أبيَضَ مِثلِ الصَّفا، فلا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودُ مُربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا إلَّا ما أُشرِبَ مِن هَواه) رواه مسلم.

فتأملوا: كيف أن الفتن لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسلل خفيةً "عوداً عوداً"، عبر الشاشات، ومن خلال الكلمات، وفي ثنايا الأفكار، حتى تطمس نور البصيرة والإيمان، وتترك القلب أسيراً للهوى والضلال، ويصير كالكوز مقلوبا، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم..

أيها المؤمنون: الفتن في عصرنا كثيرة وألوانٌ شتى، فمنها فتنة الشبهات التي تضرب العقائد وتشكك في الثوابت، وتبث الآراء الهدامة، ومنها فتنة الشهوات التي تستعر في النفوس وتفسد القلوب، ومنها ما يتسلل إلى النوايا فيفسد الإخلاص، ومن أشدها خفاءً ما يكون في أقرب الأشياء إلينا، في أموالنا التي نجمع، وأولادنا الذين نحب، وفي ذلك يقول ربنا عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ}(الأنفال:28)..

والفتن بنوعيها ـ شبهات وشهوات ـ لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير، ولا ينجو منها إلا مَن عصمه الله بالعلم النافع، والإيمان الراسخ، والتمسك بالكتاب والسنة، قال صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) رواه أبو داود.

فلا تفتننكم أضواء الدنيا الزائفة عن جوهر دينكم، واحذروا فتنة القول التي تزين الباطل بلسان ظاهره حلو، وتلبس الحق ثوب الزيف، واحذروا فتنة العمل، التي تجر الخطى نحو المعاصي بتبريرات واهية، واحذروا أشد الحذر فتنة مواقع التواصل، وما فيها من أفكار منحرفة، ومشاهد ومقاطع، تفسد القلوب، وتُميت الضمائر، والتي قع فيها الصغير والكبير إلا من رحم الله..

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الفتن أيا كان نوعها، لأن الوقوع في الفتن ربما يصل بالإنسان إلى الكفر، فقال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم، وذلك يوجب علينا الصبر والثبات والتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فالمتمسك بدينه اليوم كالقابض على الجمر، وأجره عند الله عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْر، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم) رواه أبو داود.

عباد الله: الفتن كثيرة ومتنوعة، منها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع في آخر الزمان، كظهور الشح والطمع وإضاعة الأمانة، والحرص على اكتساب المال من حلال أو حرام، حتى يصبح المال هو الغاية عند الكثير من الناس، يُطلب من أي طريق، حلالاً كان أو حراماً، ويُصرف في الهوى والشهوات، لا في الطاعات والواجبات، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن الحلال أمْ من الحرام) رواه البخاري. يُفتن المرء في رزقه ومعاشه، فيبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، ويغفل عن قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}(البقرة:188).

لقد أُلقى الشح والطمع في قلوب الناس حتى منعوا الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة، وطمعوا فيما ليس لهم به حق، فكثر الغش والخداع، وانتشرت الرشوة والربا، وضاعت الأمانة، حتى صار الأمناء يعدّون بالأصابع، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة، قالوا: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) رواه البخاري.

وانظروا إلى المعاملات في حياتنا، كيف غابت عنها الأمانة إلا من رحم الله، ترى الرجل يعجبك في عقله وقوله ومظهره، لكن ليس في قلبه إيمان، لأن الأمانة نزعت منه، فيبيع ويشتري بالكذب والغش، ويهضم ويأكل حقوق الناس وتعبهم، ويدّعي ما ليس له، ويجحد ما عليه، وكل ذلك من صور الفتن التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن فتنة المال من أعظم الفتن، قلَّ من يسلم منها، وهي تجرّ إلى الحرام وتُنسي الآخرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأيما جسد نبت من السُحت فالنار أولى به) رواه الترمذي. فليحذر المسلم أن يكون المال سبباً لهلاكه، وليتذكر أن المال وسيلة لا غاية، وأنه إنما خُلق ليكون عوناً على الطاعة، لا سبيلاً إلى المعصية.

عباد الله: وكما حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من فتن الشهوات والشبهات، فقد حذرنا أيضاً من فتن الطمع والشح وضياع الأمانة، وكلها حلقات في سلسلة واحدة، تُضعف الدين وتجر الإنسان إلى الهلاك والخسران، ولا نجاة منها إلا بالاعتصام بالله، والتمسك بالكتاب والسنة، والصدق في المعاملة، وأداء الحقوق، والبعد عن الحرام، والصبر على البلاء، حتى نلقى الله وهو عنا راضٍ.. وإذا كان الداء والابتلاء هو الفتنة، فإن الدواء هو تقوى الله، فهي الحصن الحصين، والملاذ الأمين، فبالتقوى تُبصرون الحق، وبها تجدون المخرج حين تضيق المسالك، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}(الطلاق:2)..

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

كونوا حريصين على الحلال الطيب، مبتعدين عن الحرام والشبهات، فإن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وبينَهما مشتبهات لا يَعلَمُها كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فمَنِ اتَّقى الشُبهات فقد استَبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحَرامِ) رواه مسلم.

وللأسف، فإن بعض الناس استسلموا لشهواتهم، فقادتهم إلى مسالك خطرة، وطرق مظلمة، وأوقعهم حب الدنيا في أبواب المال الحرام، من ربا ورشوة، وغش وخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل، فأهلكوا بذلك أنفسهم وأهليهم، فكلُّ جَسَدٍ نبتَ مِنْ حرام فالنارُ أولَى بِهِ، وغفلوا عن أن المال وسيلة لا غاية، وليكون عوناً لنا على الطاعة والخير، لا سبيلاً إلى المعصية والشر.

فاحذروا من الفتن كلها، واسألوا الله تعالى أن يحفظكم وينجيكم منها، وقد أمرنا وعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من الفتن، فقال: (إذا تَشَهَّدَ أحَدُكُم فليَستَعِذْ باللهِ مِن أربَعٍ، يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عَذابِ القَبرِ، ومِن فِتنةِ المَحيا والمَماتِ، ومِن شَرِّ فِتنةِ المَسيحِ الدَّجَّالِ) رواه مسلم.

وختاما، عباد الله: إن الفتن أيا كان نوعها ليست بعيدة عنا، بل تعرض في حياتنا، تقتحم القلوب علينا، وتسرق الدين من بين أيدينا. فلنحذر كل الحذر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا) رواه مسلم، ولنحرص على التوبة الصادقة والرجوع إلى الله قبل أن يباغتنا الموت، ولنجعل الصلاة عماد حياتنا، فهي صلة العبد بربه، ولنتمسك بالصحبة الصالحة التي تعين على الطاعة، ونكثر من الدعاء والذِكر، ونعتصم بالكتاب والسنة، ففي ذلك النجاة والثبات في زمن الفتن.

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net