من جماليات البيان النبوي

13/08/2001| إسلام ويب

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ودعوة المظلوم، يرفعهاالله فوق الغمام ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول الرب : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين )).
من الأحوال التي تتأكد فيها العبودية الخالصة لله (الدعاء) الذي يصدر عن إحساس الداعي بعجزه وحاجته إلى العطاء والنصرة ، ويصدر كذلك عن يقينه بقدرة خالقه المطلقة ، وعطائه الذي لا يحد ، والداعي حين يرفع يدي الضراعة إلى خالقه الكريم لا يرغب بشيء في ذلك الوقت رغبته في إجابة دعائه لينال ما يريد .
وفي هذا الحديث يكشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أحوال تتأكد فيها إجابة الدعاء، والكشف عن هذه الأحوال ليس هدفا مقصوداً لذاته ، بل يأتي حفزاً للنفوس كي تستبق الخيرات ، وتبصرةً للعباد كي يؤدوا الأمانة التي استرعاهم الله إياها، وصيانةً للسلوك من الزيغ والظلم ، ودفعاً للسلوى في نفس المرء حين يقع تحت وطأة الظالمين .
فدعوة الصائم الذي أمسك عن الطعام والشهوة ، ابتغاء مرضاة ربه ، ودعوة الإمام العادل الذي يراقب الله في جميع أمره ، ودعوة المظلوم الذي أقدم الظالمون على ظلمه ، كلها من الدعاء الذي لا يرده الله .
والحق أن بناء الحديث يتسم بالترابط والإحكام ، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: " ثلاثة لا ترد دعوتهم " اجتذاب لأذهان السامعين، ودفع لهم إلى متابعة مكونات الحديث التي تكشف عن هؤلاء الثلاثة ، خاصة حين يرتبط ذكرهم بأمر تهفو إليه كل نفس وهو (إجابة الدعاء) ..
وفي بناء الفعل (تُرد) للمجهول تعظيم من شأن السميع المجيب سبحانه .
وتفصّل وحدات الحديث القول في أمر هؤلاء الثلاثة وهم : الصائم حال إمساكه عن الطعام والشهوة ، مما يبلور اطمئنان قلبه بالإيمان ، والإمام العادل الذي يجتهد في تحري العدل والقيام بحقوق العباد الذين أصبحوا أمانة في عنقه ، ودعوة المظلوم .
ومما يجذب الأنظار أن دعوة المظلوم مثار عناية خاصة في هذا الهدي النبوي : لذا استأثرت بصورة ممتدة تأخذ بالألباب ، إذ يتابع السامعون هذه الدعوة وهي تعلو صوب السماء، مرتفعة فوق السحاب ، وقد فتحت لها أبواب السماء، ليقسم خالق الكون سبحانه بعزته وجلاله لينصرن هذا المظلوم ولو بعد حين .
ومما يلحظ في هذه الصورة ـ كذلك ـ أنها تتكون من وحدات متصلة، تؤدي كل واحدة منها إلى تاليتها ، في أداء مناسب يطلعك على روعة البيان النبوي ، ومرد هذا الأداء المنساب أن عناصر الصورة كلها مستقاة من عالم السماء العلوي، مما يكشف عن هذه المنزلة الخاصة التي تستأثر بها دعوة المظلوم .
وإن القلوب لتخفق ، والنفوس لتوجل ، وهي تتابع أطراف هذه الصورة الممتدة التي بلغت ذروتها في هذا القسم الإلهي المهيب : "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" ، ومما يجذب الانتباه في هذا القسم: التأكيد الذي ظفر به فعل النصرة " لأنصرنك " وتنبهنا حتمية الإجابة على نحو ما يدلنا " ولو بعد حين"، فالنصرة واقعة حتما ، فإن لم يظهر ما يشير إلى حدوثها على الفور ، فالأمر ليس إلا وقتا يمر ، ثم يمنّ الله بنصر المظلوم .
والثمرة المرتجاة من هذه الصورة ـ بما يحيط بها من ظلال وجدانية ـ تتمثل في تخويف الظالمين من الاجتراء على ظلم العباد، فإن آنس المرء من نفسه قدره على ظلم الناس ، ثم جأر المظلوم بالدعاء ، فإن دعوته مستجابة حتماً .
يضاف إلى ذلك فائدة أخرى هي تخفيف المرارة التي تمتلئ بها نفوس المظلومين ، وتوجيههم إلى السلوك الرشيد الذي ينبغي عليهم اتخاذه ، وهو التوجه إلى الله بالدعاء الضارع .
  نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا أجر الصائمين القائمين ، وأن يعيننا على أداء ما استرعانا عليه من أمانات وحقوق، وأن يقينا الظلم ، وأن يصرف عنا الظالمين.

www.islamweb.net