لغتنا الجميلة (2)

27/11/2001| إسلام ويب


هذه هي المقالة الثانية التي نتناول فيها بعضًا من الأقوال العربية الفصيحة، التي جادت بها علينا لغتنا الجميلة، والتي نأمل من خلالها أن يجد القارئ الكريم الفائدة والمتعة معاً، من ذلك قولهم :

1 ـ ذهب من فلانٍ الأطيبان
وهما الأكل والنكاح . والأطيبان من الأشياء التي جاءت مُثنَّاة لا يُفرد واحده، ومنه قولهم: ما عندنا إلاّ الأسودان: أي التمر والماء. والمَلَوان : الليل والنهار.

2 ـ وقولهم : لن تَعْدم الحسناء ذامًا
أي : ذمًّا. قال الفراء : الذَّامُ : الذَّمُّ ، ذأمْتُ الرجل ذأمًا وذممتُهُ أذُمُّهُ ذَمَّاً.

ورجل مذموم ومذؤوم ومذيم، قال تعالى : (قال اخرج منها مذؤومًا مدحوراً ) (الأعراف :18).

قال أصحاب الأخبار: أول من تكلم بهذا حُبَّى ابنة مالك بن عمرو العدوانية، وكانت من أجمل النساء، فسمع بجمالها مالك بن غسان، فخطبها إلى أبيها، وحكَّمه في مهرها، وسأله تعجيلها، فلما عَزَم قالت أمها لتُبَّاعها: إنَّ لنا عند المُلامسة رَشْحَة فيها هنة، فإذا أردتم إدخالها على زوجها فطيِّبنها بما في أصدافها. فلما كان الوقت أعجلهُنَّ زوجها، فأغفلن تطيبها، فلما أصبح قيل له: كيف رأيت طروقتك البارحة ؟ فقال: ما رأيت كالليلة قط، لولا رُويحةٌ أنكرتها، فسمعت كلامه، فقالت: لن تَعْدمَ الحسناء ذامَّاً، فأرْسَلَتْها مثلاً.

3 ـ وقولهم : لئيم راضع
فيه أربعة أقوال :
الأول : الرّاضع الذي يرضع اللُّؤم من ثدي أمه، أي وُلِد في اللؤم ونشأ فيه.

الثاني : الذي يرضعُ الشاة والناقة قبل أن يحلبها من شدة جشعه، والجَشَعُ: الشرهُ.

الثالث : الراضع هو الراعي الذي لا يُمسك معه محلباً، فإذا جاء إنسان وسأله أن يسقيه احتج عليه بأنه لا مَحْلب معه، وإذا أراد هو الشراب رضع.

الرابع : نُعت به لأنه يَرْضَع لبن ناقته من لؤمِهِ، ولا يحلبها فيسمع الضيف.

تقول : رضُعَ يَرْضع الرجل رضاعة فهو رضيع، وراضعٌ : لئيم ، والجمع الرَّاضعُون .

4 ـ وقولهم : فلان ركيك
أي ضعيف العقل . ويُقال : رجلٌ ركيك ورُكاكة : إذا كان لا يَغَارُ على أهله ولا يهابُهُ أهله . وجاء في الحديث: "لَعَنَ النبي صلى الله عليه وسلم الرُّكاكة". والأصل في هذا من الرِّكِّ وهو المطر الضعيف.

وفي الحديث: "أصاب المسلمين يوم حُنينٍ رِكٌ من مطر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا صلُّوا في الرحال ".

والعربُ تقول : أقطعها من حيث ركَّتْ. والرَّكُّ : إلزامُك الشيء إنساناً. تقول: رككتُ هذا الحق في عُنُقهِ، ورككتُ الأغلال في أعناقهم.

5 ـ وقولهم : فلان جالس على رَكْوةٍ ورُبْوةٍ
أي مكان مرتفع . وفيه أوجه : ضم الراء ، وهو مذهب العامة . وكسرها، وهو مذهب ابن عباس ، وقرأ {بِرِبوةٍ} وفتحها، وهو مذهب عاصم واليحصبي. ورباوة ، يقال : جلس فلان على رُباوةٍ ورِباءٍ من الأرض.

ورُبوة بلا همز، طائفة من الليل. قال ابن الأنباري :"رُبوة يُهمزُ ولا يُهمز، فمن همزه أخذهُ من رأبْتُ الشيء : ضممتُ بعضهُ إلى بعض. ومن لم يهمز أخذه من راب اللبنُ يروب إذا أدرك. ويجوز أن يكون مأخوذًا من قولهم : الرجال روبى : إذا استرخوا من الكسل والنعاس.

وربا المال يربو : أي يزداد، وصاحبه مُرْبٍ. وأرْبأتُ فلانًا : حارسْتُهُ وحارسني.
قال ابن هِرمة :
باتت سُليمى فبتُّ أرْمُقُها  كصاحب الحرب بات يُرْبؤُها

والرِّبِّيةُ: ما عُمِل في الجاهلية من الربا وغيره. وفي الحديث "تُرْفع عنهم الرِّبِّيةُ". وربا الجرحُ والأرض وكل شيء : أي يزداد، يربو رَبْوًا. وربا فلان : أصابَهُ نَفَسٌ في جوفه. والرابية : ما ارتفع من الأرض. وَرَبَا الإنسانُ يربا : أي أشرف على الشيء.


6 ـ وقولهم : ليس في هذا الأمر ريبٌ
أي : شكٌ، يُقال : رابني الأمر وأرابني إذا شككتُ فيه. وقال الهذلي :
لقد رابني من جعفرٍ أن جعفرًا بخيلٌ على قرضٍ ويبكي على جُمْل

قال الخليل : أرابني لغةٌ رديئة.

والرَّيبُ والرِّيبة : التهمة. قال جميل :
بُثينةُ قالت: ياجميلُ أربْتنا فقلت : كلانا يا بُثينَ مَريبُ
أي : عرَّضتنا للتهمة.
والرَّيبُ : صَرْفُ الدهر وَحَدثُهُ. قال أبو ذؤيب:
أمِن المنُونِ وريبه تتوجع
والدهر ليس بمُعتبٍ من يَجْزَعُ

والرَّيْبُ : ما رابك من أمرٍ تتخوَّف عاقبته. قال أبو ذؤيب أيضًا :
فَشَرِبنَ ثم سَمِعيْنَ حسًا دونه
شَرَفُ الحجاب وريْبَ قَرْع يُقرَعُ
أي قرع سهم بقوسٍ سمعه فرابه.

وأرابَ الأمرُ : صار ذا ريب.

والإرب : العضو. يقال : عُضوٌ مُؤَرَّبٌ، أي : مُوفَّرٌ.

وقطَّعت اللحم إرْباً، الواحدة إرْبٌ. وفي الحديث "أرِبتَ من يَدِكَ" أي قطعها الله. والإرب : الحاجة المهمة. تقول : ما إربُك إلى هذا الأمر، أي : حاجتُك إليه. والمأربِة : بضم الراء وكسرها، الحاجة، والجمع المآرب، ومنه قوله تعالى : " أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال"(النور:31).

والتأريبُ : التحريش. وتأرَّب علينا فلان: أي تعسَّر وخالف والتوى. والأريبُ : العاقل. والإرب مصدرُ الأريب، وأجوده الإرْبَةُ، أرُبَ يأْرُبُ إرْبةً.

والمؤارَبَةُ : مُداهاة الرجل ومخاتَلَتُهُ. وفي الحديث : "مؤاربة الأريب جَهْدٌ وعناء، لأنه لا يُخْدعُ عن عقله ".

7 ـ وقولهم : قد رَبَعْتُ الحَجَر
أي : قد أشَلْتهُ لأعرف بذلك شدتي. ومنه الحديث "إن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على قومٍ يرْبعون حجرًا".

ويقال أيضًا : ارتبعت الحجر : إذا أشلتُهُ .
ومر صلى الله عليه وسلم بقوم يتجازون مَهْراسًا، فقال :"أتحسبون الشدة في حمل الحجارة، إنما الشدة أن يمتلئ أحدكم غيظًا ثم يغلبُه". والتجازي : الإشالة.
وقال عليه السلام لآخر :"الشديد من غَلَب نفسه" .

والمِربَعَةُ : خشبةٌ مُربَّعةٌ تُحمل بها الأحمال فتوضع على ظهر الدواب.
والمِرْباع : كانت العرب إذا غَزَتْ أخذ الرئيس رُبُعَ الغنيمة، وقسم ما بقي بينهم.

ويُقال : أربع على ظَلْعِك وعلى نفسك : أي انتظر.

والذي يبدو أن هذه المادة هي الأصل في تسمية من يمارس رياضة رفع الأثقال اليوم ربَّاعاً.

8 ـ وقولهم : قد راعني كذا
أي : وقع في رُوعي الخوف. والرُّوع، بالضم: النَّفسُ، وبالفتح : الخوف. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : "إن روح القُدس نَفَث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجْمِلُوا في الطلب". وقال عنترة :
ما راعني إلا حُمولةُ أهلِها وسْطَ الديار تَسَفُّ حبَّ الخِمخمِ

ورُوع القلب: ذهنه وخَلَدُه. تقول : وقع في رُوعي وفي خَلَدي. ويقال : رُوعُه ورَواعه.
والرَّوْع : الفزع في الحرب وغيره. قال عمرو بن كلثوم :
وتحمِلُنا غداة الرَّوْعِ جُرْدٌ عُرِفن لنا نقائذ وافتُلينا

الأجرد من الخيل: القصير الشعر الكريم. ونقائذ: استُنْقِذت من قوم آخرين، واحدها نقيذة. وافْتُلينَ : فُطمن من أمهاتهن. تقول : افْتَلَيتُ المُهر عن أمه إذا فَطَمْتُهُ، وقد ربَّيتُهُ وهو فِلو.

والرَّيْعُ : الرجوع إلى الشيء، يُقال : راع عليه القيء إذا رجع.
والرَّيعُ : فضل كل شيءٍ على أصله، نحو البذور والدقيق وغيره.

وكل ما يَروعُ من جمال أو كثرة فهو رائع. وفرس كريم يروعُكَ حُسْنُه. ورجل رائع وامرأة رائعة.

والأرْوع من الرجال : من له اسم وخفارة وفضل وسؤدد، وهو بيِّنُ الرَّوَع. وتقول : راعني سَمْعكَ، وأرعني : أي استمِعْ.
وأرعى فلان إلى فلان : أي استمع إليه.

وكان المسلمون يقولون : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم راعنا، أي استمع منا، فَحرَّفت اليهود فقالت : راعنا يا محمد، ويُلحدون إلى الرعونة يريدون النقيصة والوقيعة فيه، فلما عُوتبوا قالوا : نقول كقول المسلمين، فنهى الله عن ذلك فقال: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).

قال الزجاج: قد قيل في {راعنا} بلا تنوين ثلاثة أقوال:
الأول : أرْعِنا سَمْعَكَ، وكانت اليهود تتسابَّ بينها بهذه الكلمة، وكانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهم، فلما سمعوا هذه الكلمة اغتنموا أن يُظهروا سَبَّهُ بلفظ يسمعُهُ ولا يلحقهم في ظاهره شيء، فأظهر الله النبي والمسلمين على ذلك، ونهى عن الكلمة.

الثاني : من المراعاة والمكافأة، فأُمروا أن يخاطبوه بالتعزير والتوقير، فقيل لهم : لا تقولوا {راعنا} أي كافئنا في المقال، كما يقول بعضكم لبعض، بل قولوا {انظرنا} أي أمهلنا.

الثالث : أن الكلمة {راعنا} كانت تجري مجْرى الهُزْء والسخرية، فنُهوا أن يلفِظوا بها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقول اليهود اشتقوه من (ارعن) والأرعن : الأحمق.

وتقول : رَعُنَ الرجُلُ يَرْعُنُ رَعَنًا وهو أرْعَن : أهوج. والمرأة رعناء.
والرَّعْنُ من الجبال ليس بطويل، وجمعه رُعُون ، وقيل هو الطويل.

وللحديث صلة.
…………
المرجع : كتاب "الإبانة في اللغة العربية"

www.islamweb.net