انتفاضة الأقصى وأعوام البطالة الأربعة

28/09/2004| إسلام ويب

من الصعب على المراقب أن يتصور عمق التغيير والإنجاز الذي حققته انتفاضة الأقصى خلال أعوامها الأربعة من دون أن يعود إلى الوراء ويعايش أجواء القضية الفلسطينية عند اندلاعها في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات. كان مشروع أوسلو قد أتم عامه السابع، فيما كانت القضية الفلسطينية قد تحولت إلى لون من المماحكات بين جارين يختلفان حول قضايا الحدود والثروات والعلاقات الثنائية، وبات العالم على ما يشبه اليقين بأن زمن الصراع الشرق أوسطي قد انتهى، فيما بات الإسرائيليون يسنون أسنانهم لاختراق المنطقة والهيمنة عليها بعد أن لم يعد ثمة ما يبرر القطيعة بينهم وبين العالم العربي والإسلامي، بل إن الدولة العبرية قد حصدت من الاعتراف والعلاقات الثنائية مع دول العالم ما عجزت عن إنجازه خلال أربعة عقود.

بالنسبة للفلسطينيين كان المشهد مؤلما إلى حد كبير؛ فالمستوطنات كانت تتوسع على نحو مجنون، فيما لم يكن ما قدموه من تنازلات ضخمة للإسرائيليين وعلى رأسها الاعتراف لهم بما نسبته 78% من أرض فلسطين التاريخية كافياً، وها هو العدو يطالبهم بالتنازل عن أجزاء أخرى مما تبقى، بل إن ما يطالب به عمليا هو أهم الأراضي التي تحوي مصادر المياه، فضلا عن كونها تفتت الكيان الصهيوني الى كانتونات في شبه عزلة عن بعضها البعض.

حصل ذلك على رغم كل ما قدموه على الصعيد الأمني حيث تمكنوا من تحقيق الأمن للإسرائيليين حين عجزوا هم عن تحقيقه، ووضع أروع مجاهدي الشعب الفلسطيني في السجون كرمي لعيون الالتزامات السياسية، لكن ذلك لم يكن كافيا كي يحصلوا على دولتهم ذات السيادة على 22% من أرضهم المحتلة عام 67 بما في ذلك القدس الشرقية، فضلا عن عودة اللاجئين كما تنص القرارات الدولية.
كان الفلسطينيون كشعب يتعايشون مع سلطة عشش فيها الفساد برعاية الإسرائيليين أنفسهم، ومن ثم كانت معاناتهم تكبر، لكن الأكثر إثارة للقهر بالنسبة لهم هو العرض الذي قدم لهم في ختام السنوات السبع العجاف، والذي كان عبارة عن كيان مجزأ الأوصال بلا سيادة، يسمى دولة على أقل من ثلثي مساحة الأراضي عام 67 مع تقسيم للقدس الشرقية وتقسيم للمسجد الأقصى ومن دون عودة اللاجئين.

كان من الطبيعي والحالة هذه أن يقولوا: لا، لاسيما عندما رأوا بأم أعينهم كيف تحقق المقاومة انتصارها التاريخي في جنوب لبنان. وهنا كان لابد من الانتفاضة التي لا تبدو لحظة اندلاعها سوى مسألة هامشية باستثناء ما تعنيه عملياً من سخط فيما يتعلق بمطالب الإسرائيليين للمرة الأولى بالسيطرة على المسجد الأقصى، سيما وهي تأتي في ظل صحوة إسلامية واسعة في المجتمع الفلسطيني، هي جزء من صحوة مماثلة في العالم العربي والإسلامي.

اندلعت الانتفاضة وكان الإجماع غير المسبوق في الشارع الفلسطيني على الوقوف في خندق المقاومة ، وكانت أعوام من البطولة غير مسبوقة أيضا في التاريخ الفلسطيني، كما هي غير مسبوقة من ناحية المعاناة والخوف والتهديد الوجودي في تاريخ الدولة العبرية.

أربعة أعوام خسرت فيها الدولة العبرية الكثير، سياسيا واقتصاديا وبشريا، فيما ربح الفلسطينيون أنفسهم رغم المعاناة والتضحيات وأكدوا للعالم أجمع أنهم شعب حي لا يقبل الذل ولا الهوان، وأن لا شارون ولا بوش ولا أي طاغية سيكون قادرا على فرض الذل والاستسلام عليهم.
أربعة أعوام خسر فيها الإسرائيليون من القتلى والجرحى أكثر من ضعفى ما خسروه خلال عمر الدولة منذ تأسيسها كما اعترف رئيس المخابرات آفي ديختر قبل أسابيع.

ما يقرب من اثني عشر ألف قتيل وجريح مقابل أقل من خمسة آلاف في العقود السابقة جميعا، أما الخسائر الاقتصادية فهي كبيرة وان تكن هامشية بالنسبة لدولة مدعومة بالكامل من الولايات المتحدة، لكن هواجس التهديد الوجودي التي ضربت مسيرة الهجرة وأفرزت ما عرف بظاهرة الهجرة المعاكسة هي الأهم، ويكفي أن يقول 70% من الإسرائيليين ألا مستقبل لأبنائهم في هذه الدولة كي ندرك حجم ما فعلته الانتفاضة بمسيرة الاحتلال.

ولم تتوقف الخسائر الإسرائيلية عند هذا الحد فقد عاد الاحتلال في وجهه القديم، اقله في الأوساط الشعبية الدولية، وقد جاء استطلاع الاتحاد الأوروبي والموقف المعروف من دولة الاحتلال ليكشف ذلك بوضوح، بل إن قرار محكمة لاهاي بشأن الجدار الأمني الذي يبنيه شارون قد أكد إمكانية الحصول على مواقف دولية رسمية قوية ضد الاحتلال وممارساته. وإذا أضفنا إلى ذلك فضحها للمواقف الأمريكية العنصرية بشأن القضية الفلسطينية والتسوية المطروحة فإن الاحتلال ومرجعيته يكونان قد خسرا الجولة بالفعل. بالمقابل ربح الفلسطينيون المعركة بتأكيدهم على عدالة قضيتهم وقدرتهم على الصبر والصمود، فيما ربح الفلسطينيون تعاطف أمتهم وانحيازها لقضيتهم والتفافهم حولها، فضلا عما أفضت إليه من وعي جماعي بقضية فلسطين وحيويتها لمستقبل الأمة، ومعه إيمان بثقافة المقاومة بدليل استلهام التجربة العراقية لثقافة المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي أفشل مخطط الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المنطقة، وهي كلمة السر للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية عليها.

لم يخسر الفلسطينيون المعركة كما يروج دعاة الهزيمة، لأن الهزيمة، في حق شعب يقاوم احتلالا مدججا بأدوات القوة لا يمكن أن تقع إلا في حال استسلام ذلك الشعب، وهو ما لم يحدث، إذ أثبت الفلسطينيون قدرتهم على صناعة الانتصار لو توفرت القيادة الجيدة والظرف العربي والدولي المعقول.

أربعة أعوام كانت حافلة بالبطولة وفيها الكثير من التضحيات والمعاناة لكن البطولة كانت سيدة الموقف، حيث تسيد الفلسطينيون المشهد برمته وجاءت المقاومة العراقية السائرة على دربهم لتمنحهم أفقاً جديداً بهزيمة الدولة التي توفر أدوات القوة لعدوهم، ومن ضمنها الغطاء، السياسي والدعم الاقتصادي.

الفلسطينيون لم يشعروا طوال السنوات الأربع الماضية انهم مهزومون، على العكس من ذلك فقد شعروا بالفعل انهم المنتصرون لان فارق القوة الرهيب بينهم وبين عدوهم لا يوصف، لكن بطولتهم وصبرهم وصموهم كانت اكبر من قدرة عدوهم على هزيمتهم، فكانت له الخيبة ولهم نياشين الانتصار، حتى لو لم يكن بمعناه الحرفي على الأرض، لأنّ الصمود في معركة كهذه لا يمكن إلا أن يكون انتصارا وأي انتصار.

www.islamweb.net