ظاهرة العبث في الشعر العربي المعاصر

29/01/2002| إسلام ويب


تنتشر في الشعر العربي الآن موجة بالغة الضرر والخطورة، وينبغي تحذير الشعراء المعاصرين ـ خاصة أبناء الجيل الجديد ـ حتى لا يقعوا في مصيدة هذه الموجة الخاطئة المليئة بالفوضى والعبث، والتي يتبناها البعض بحسن نية، ظناً منهم أنها تمثل الفن العصري الصحيح ، ـ ويتبناها البعض الآخر بسوء نية من أجل تضليل الإنسان العربي وإضعافه أمام مشاكله الحقيقية وهمومه الجارفة.
أما لماذا يفعل أصحاب النية السيئة هذا كله؟ فذلك يعود ـ في أغلب الظن ـ إلى المنافع الكثيرة التي تهبط عليهم من بعض المؤسسات العلمية الغربية، التي تريد أن تخلق الاضطراب في صفوف الأمة العربية، وتشوه أمامها حقيقة ما تسعى إليه من أهداف صحيحة نحو النهوض والتقدم وحل المشكلات العسيرة التي تواجه هذه الأمة في السياسة والاقتصاد وسائر جوانب الحياة.
ولا جدال في أنه إذا أراد أحد أن يفسد حياة أمة ، وينشر الضعف والارتباك بين أفرادها، فإن أفضل وسيلة إلى ذلك هي إفساد ذوق هذه الأمة، وتشويه إحساسها بالجمال ، ونشر التفكك في ألفاظها ولغتها ، فكل ذلك يؤدي في نهاية الأمر إلى تحويل أفراد الأمة إلى نباتات مخلوعة من الأرض غير قادرة على النمو والازدهار .
وهذه الحركة الجديدة في الشعر العربي تتخذ من كلمة " الحداثة " راية مرفوعة لها .
و" الحداثة " معناها التجديد ومعرفة روح العصر ، حتى لا يكون الفنان متخلفا عما يجري في الدنيا ويظل أسيراً للأفكار القديمة والأشكال الفنية التي تعودت عليها أجيال سبقتنا إلى الحياة بمئات السنين .
والفكرة في ذاتها سليمة، فلا يجوز للفنان أن يتخلف عن عصره وأن يخلق بينه وبين الواقع الجديد حجابا كثيفا، ويكتفي بالحياة في عصور سابقة كانت لها ظروف مختلفة كل الاختلاف عن ظروفنا الراهنة ، ولا يمكن للشاعر المعاصر أن يعيش بالمشاعر والأفكار نفسها التي كانت تسيطر على الشاعر الجاهلي، أو الشاعر الأموي أو العباسي ، فمثل هذا الموقف من جانب أي شاعر معاصر ، يعني جموده وانعدام قدرته على التأثير .
ولكن المشكلة أن "الحداثة " عند أصحاب الموجه الجديدة الزائفة في الشعر العربي قد تحولت إلى حق يراد به باطل، فقد أصبحت هذه "الحداثة" مبررا للخروج إلى عالم من العبث والفوضى لا حدود له .
ويحاول أحد زعماء هذه الموجة هو الأديب الصحفي اللبناني المعروف "أنسي الحاج" أن يقدم لنا تعريفا لنظرية الحداثة هذه كما يفهمها فيكتب لنا هذا الكلام السخيف تحت عنوان " شهادات عن الحداثة "، و أنا أنقل هذا النص من بحث للناقد السعودي محمد رضا نصر الله، يقول "أنسي الحاج"، أحد زعماء مدرسة " الحداثة " هذه ما نصه :
" الحداثة هي أن أخطئ حقي عندما أكون على حق ، وأن آخذ حقي عندما أكون مخطئا . الحداثة هي أنني أفضل شاعرا عربيا مغمورا مسكونا بهواجس الجنون والرغبة والإباحية، ويعيش في مواخير باريس الفكرية والشعرية اسمه عبد القادر الجنابي على الشعر العربي كله ـ والحداثة هي ألا أكتب شعراً وألا أكتب شيئا!!، والحداثة هي أن أخرج من اللغة وهي نحت العالم في ماء الرغبة ".
ويواصل "أنسي الحاج"، الكتابة بهذه الطريقة العبثية وينشرها على الناس ، ثم ينشر نماذج من شعره على هذا الأساس، ويقدم إلينا قصائد مليئة بالاضطراب وخالية من الفكر والوجدان، وخالية من الموسيقى والإيحاء بأي شيء جميل أو مثير .
وليس أنسي الحاج وحده هو زعيم هذه المدرسة فهناك زعيم آخر هو الشاعر السوري أدونيس ، ومشكلة أدونيس أعقد من مشكلة أنسي الحاج ، فأنسي الحاج في تقديري ضعيف الموهبة، أما أدونيس فقد استطاع في الستينيات أن يكتب شعراً رائعا، وأن يكون ملتزما إلى حد بعيد بقضايا الوطن العربي ومشاكله الكثيرة والمعقدة، وقد أثبت أدونيس في تلك الفترة خاصة في ديوانه " أغاني مهيار الدمشقي " ، أنه صاحب موهبة فذة ، وأنه قادر على أن يعطي للأدب شعراً بالغ الجمال والروعة، ولكن هذا الشاعر انحرف منذ السبعينيات وإلى الآن، وإذا به يكتب هذا الهذيان، ويمارس العبث الأدبي على نطاق واسع، بل لقد أنشأ مجلة يدعو فيها إلى هذا المذهب العبثي الجديد هي مجلة " مواقف " التي تصدر في بيروت، ويصدر كل عدد منها وهو ممتلئ بهذا السخف، وبالدعوة إليه والدفاع عنه، واعتباره نموذجا للشعر العصري الأصيل الذي ليس بعده ولا قبله شعر آخر .
ومن نماذج شعر أدونيس هذه القصيدة التي نشرها في ديوانه " مفرد بصيغة الجمع " وفيها يقول أويقول ويرسم في الوقت نفسه، لأنه يستخدم في قصيدته الأرقام والأشكال الهندسية، كما نرى في هذا النص لقصيدته العجيبة:
مكان ولادتي ...
1930 الشمس قدم طفل
عرفت أقل من امرأة
لأنني تزوجت بأكثر من امرأة
عرفت أقل من رجل
لأنني تزوجت بأكثر من رجل
أعلنا ..
الزواج غبار ..
لكن ..
مثل يرقة تتحول إلى فراشة ..
هكذا يتحول غبار الزواج .
إلى زهرة من العشق.
1933 نبتة تشعل قنديلا ..
1940 طفل يعد الغيم ينتظره الحريق.
1950 تمطر في أنحاء أخرى .
ستحظى بينابيع يأخذها غيرك .
الجسد أطول طريق إلى الجسد .
هل اللمس للجسد وحده حقا ؟

هذا نموذج من شعر أدونيس الذي يدعو إليه، والذي يبدد فيه موهبته العالية التي كان من الممكن له أن يبني عن طريقها فنا رفيعا مليئا بالصور الرائعة والفكر العميق والوجدان المشتعل .
وسوف نلاحظ في النموذج السابق أن أدونيس يستخدم الأرقام والمثلثات والمربعات ، وفي قصائد أخرى يستخدم أشكالا أكثر غرابة وإثارة للدهشة والنفور .
وهذه الطريقة في استخدام الأرقام والأشكال الهندسية هي طريقة اشتهر بها الشاعر الفرنسي " جيوم أبولينير 1880ـ1918 " فقد كان هذا الشاعر يكتب بعض قصائد . كما يقول " الدكتور عبد الحميد جيدة " في كتابه " عن الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي": " .. على شكل دخان سيجار أو ربطة عنق أو ساعة أو نافورة ماء أو مطر ".
ويقول الشاعر "أبولينير" نفسه في تفسير ذلك: "إنه كتب هذه القصائد خلال الحرب العالمية الأولى على البطاقات البريدية التي كان يرسلها من الجبهة ، وذلك بغية تسلية أصدقائه وإضحاكهم ، وقد احتفظ بها على هذا الشكل حين طبعها بعد ذلك لإحساسه بأن هذه الأشكال تتمتع بجاذبية وأناقة، كما أنها تعيد للذاكرة الظروف التي كتبت فيها " .
هذا هو كلام الشاعر الفرنسي "أبولينير"، أي أنه كان يلهو ويتسلى بمثل هذه القصائد، بالإضافة إلى أن "أبولينير" نفسه كان رساما فكان يجد المتعة في الجمع بين الرسم والشعر في عمل واحد ، على أن أبولينير كان له خارج هذه التجارب الترفيهية كثير من الشعر الرائع الصافي .
ويمكن قراءة نماذج من شعره في الترجمة الممتازة التي قدمها الدكتور " عبد الغفار مكاوي " لبعض قصائده في كتابه الهام " ثورة الشعر الحديث " .
هذه حقيقة " أبولينير " وقصائده الترفيهية ، التي أخذ منها أصحاب الموجة الشعرية العربية العابثة الجديدة بعض أفكارهم، فخلطوا بين الرسم والشعر ، وتوسعوا في استخدام الأشكال الهندسية، وما إلى ذلك مما هو خارج تماما على نطاق الشعر .
ومع الأسف فقد وجدت هذه الدعوة العبثية صدى واسعا عند عدد كبير من الشعراء الشبان ، في لبنان والمغرب ومصر .
وهذا ما نحذر منه الشعراء الذين يريدون أن يقدموا شيئا له قيمة للأدب العربي ولأنفسهم وللناس . فليست هذه الدعوة الأدبية التي يتبناها "أنسي الحاج" و"وأدونيس" وغيرهما سوى وباء أدبي يمكن أن يقضي على كل شيء لو أتيح له الازدهار والانتشار الواسع ، وهذا هو ما يسعى إليه أصحاب هذا الاتجاه .
إنني أسأل أصحاب هذا الاتجاه والتابعين لهم: "من أين جاءوا بهذه التعقيدات الأدبية"؟ ولمن يتوجهون بهذا السخف وهذا العبث ؟
إن العرب في هذا العصر يحاولون النهوض والتغلب على المصاعب العديدة التي تواجه حياتهم، فهم يحاولون التخلص من التخلف ومن كل ما يصحبه من مظاهر وأزمات ...  
لقد نام العرب " على آذانهم " خمسمائة عام أو يزيد ثم استيقظوا فوجدوا الدنيا تتحرك وتسبقهم بمئات السنين. والعرب يحاولون الآن التخلص من هذه الفجوة الخطيرة بينهم وبين الحضارة الحديثة، ويبحثون عن الكرامة والأمان والاستقرار وحل المشاكل المادية والروحية . وهذه أمور كلها تمثل قضية كبرى لا ينفع فيها العبث واللهو والبحث عن "الموضة" الأدبية والفكرية والفلسفية لمجرد التقليد والتظاهر بمعرفة أحدث المدارس الجديدة في الفن والفكر ، بل إن الذي ينفعنا الآن هو القول الشجاع،والوجدان المشتعل والرؤية الصادقة العميقة ، والتحريض المستمر على التحضر والنهوض ورفض الحلافات الصغيرة والانقسامات العابرة والإصرار على الحوار بالعقل لا بالعنف والرصاص .
وهذا كله يحتاج إلى أدب نابض بالحياة والعمق والبعد عن التهريج والفوضى .
إننا لم نسمع عن شيوع مثل هذه الموجه الأدبية المنحرفة المريضة في الهند أو في تركيا أو في أمريكا اللاتينية أو في اليابان أو في اليونان أو في يوغوسلافيا، أو عند الملايين من أبناء هذا العصر في إفريقيا وآسيا وأوروبا الفقيرة ، فمن أين جاءوا بهذه التقاليع العجيبة ما دامت معظم المجتمعات الإنسانية في هذا العصر ترفضها وتنكرها ؟!
إن هذه التقاليع الأدبية هي وليدة بعض بيئات الترف والفراغ في أمريكا ومجتمعات أوروبا الغربية المتقدمة التي لم تعد تجد أمامها ما تهتم به أو تسعى إليه في مجال القيم الإنسانية والحضارية ، والتي لم تعد تفكر إلا في الرخاء الذي تخشى من زواله، وفي الراحة التي أصبح من " المتعب " الحرص عليها والرغبة في منعها من الانهيار ، بل إن هناك مجتمعات غربية متقدمة لم تعرف هذا النزق الأدبي والعبث الفني على الإطلاق، مثل إنجلترا التي لم نسمع ـ على حد علمي ـ بشاعر فيها يكتب قصائده بالمثلثات أو المربعات والمستطيلات، ولم نسمع بفنان يسمح لنفسه بالهلوسة ويجد حوله نقادا يصفقون له ويرفعون رايته ويقولون للعالم إن هذا هو الفن الصحيح .
ومن العجيب أن أصحاب هذه الدعوة الجديدة يقولون إنهم يكتبون قصيدة النثر الخالية من كل قيود القصيدة القديمة، مثل الوزن أو الموسيقى وغير ذلك من العناصر الفنية الأساسية في الشعر ، فهل هذا الادعاء هو ادعاء صحيح ؟ الحقيقة أنه في جوهره ادعاء كاذب ؛ لأن الأدب العربي قد عرف منذ عصوره القديمة ذلك النثر المليء بندى الشعر وعذوبته، ومنذ كتابات أبي العلاء في " الفصول والغابات " وكتابات المتصوفين من أمثال " ابن عربي " و " النفري " وكتابات " أبي حيان التوحيدي " وقد عرفنا هذا اللون من النثر المليء بروح الشعر في كثير من كتابات المعاصرين مثل طه حسين ، والرافعي ، والعقاد ، وحسين عفيف ، وزكي مبارك ، ومي زيادة، وجبران ، وأمين الريحاني ، ومحمد الماغوط ، فما أكثر ما كتب هؤلاء نثراً مليئا بروح الشعر ومليئا بالوجدان والعاطفة، ولكننا أبدا ما كنا تخرج من كتابات هؤلاء ونحن أشبه المجانين الذين فقدوا عقولهم وفقدوا قدرتهم على التمييز بين الأشياء ، بل كنا نخرج من كتابات هؤلاء الموهوبين ـ ونحن على العكس ـ في منتهى اليقظة والنشوة العقلية .
فليحذر أبناء الجيل الجديد من شعراء هذه الموجة الجديدة من العبث الفني ، والتي لا تريد أن تبني الوجدان العربي ، بل تريد أن تدمره وأن تدمر معه أدبنا وإحساسنا بالجمال وتطلعنا إلى النهوض والتقدم والتجديد الصحيح ، فما هذه الموجة الأدبية الجديدة في جوهرها إلا جزء من الحرب على شخصيتنا العربية الأصيلة ، ومحاولة لاقتلاعها من جذورها ، لتسليمنا إلى عدونا، جثة هامدة .

مجلة "الأدب الإسلامي"

www.islamweb.net