الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نصائح لمن عاد إلى المعاصي بعد الاستقامة

السؤال

إني أبث لكم ما أجد لعل الله أن يجعل من هذه الرسالة فرجا لي، فأنا شخص قد من الله عليه بالهداية منذ أكثر من سنتين، بداية التزامي كانت قوية، ولله الحمد، وكنت حافظا لحدود الله، وأحاول قدر الإمكان أن لا أعصي الله سبحانه، وكنت أنصح أهلي وإخوتي بالابتعاد عن المعاصي، ومنها ما يشاهدونه على التلفاز من قنوات ماجنة ومشاهد مخلة وإلخ، وأن يحافظوا على صلاتهم وما إلى هذا القبيل، فكان يحزنني أن أراهم والذنوب أحاطت بهم من كل حدب وصوب، ولكن للأسف لم يستمر ذلك طويلاً، فبدأت أتأثر بهم ويقل الإيمان في صدري ويهون علي رؤية المنكر، فلقد أصبح المنكر يحيط بي من كل جانب, فوالله إني أجلس في غرفة في معزل عنهم عندما يشاهدون ما يشاهدون فأسمع أصوات الموسيقى والنساء فيكاد عقلي أن ينفجر من هذه الأصوات، وكذلك عندما أقضي أموري الشخصية في البيت تجد التلفاز تجاهي في كل مكان، فأحاول قدر الإمكان التحرز من سماعه ومشاهدته، لكنهم هداهم الله حتى عندما أنعزل عنهم أسمع صوته، ولا يخفضون الصوت حتى لو طلبت ذلك منهم، ولا يمكن لي أن أتحرز منه إلا بالخروج من المنزل، ولا يمكن لي أن أكون طوال وقتي خارج المنزل كما تعلمون، وتجد منهم من يدخن، ومنهم من يغتاب، ومنهم من يسب ويشتم، وكل ذلك يحصل في المنزل أمامي، فقل إيماني، وأصبحت أشاركهم مجالس المنكر ولا أنهاهم عنه - والعياذ بالله - بل تخبطت بالذنوب وأصبحت أتهاون بالصلاة تهاوناً شديداً، وقد لاحظ من حولي ذلك، بل وأصبحت أشاهد المقاطع المخلة، وعدت أمارس العادة السرية بشراهة بعد أن كنت أقلعت عنها، وأصبح لساني يتكلم البذيء من القول، وزد على ذلك نسياني للقرآن وضيق صدري منه، وقلة بري بوالدي ـ نسأل الله الهداية ـ فأصبحت للمنكر أسيراً وللهم رفيقاً وللمعروف ناكراً.
وكل ذلك وأنا أعلم بخطئي وقدر مصيبتي، لكن كنت أمني نفسي بالتوبة لعل أن يبدل الله حالي إلى طريقه المستقيم.
فبالله عليكم بماذا تنصحونني وتوجهونني لكي أرجع إلى الله، فلقد اشتقت إليه وإلى البكاء بين يديه والشعور برحماته وهي تغمرني.
فوالله إني أريد التوبة ـ وسأتوب بإذن الله ـ لكن أخشى أن أتأثر بمن حولي مرةً أخرى، وأنحرف عن جادة الطريق المستقيم.
فوالله إني أكتب رسالتي هذه والشيشة وأصوات الموسيقى من التلفاز تدك مسامعي وأنا في غرفة أخرى، ولا أطيق أني كلما رأيت أو سمعت منكراً خرجت من المنزل، وإذا فعلت ذلك فعلي أن أبقى خارج البيت طوال عمري.
أشيروا علي أثابكم الله ماذا أفعل؟ إذا تبت إلى الله تعالى ورأيت منكرا لم أستطع تغييره وخفت على نفسي أن تهون المنكرات علي فأنتكس مرةً أخرى.
وجزاكم الله خير الجزاء.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله أن يردنا وإياك إليه ردا جميلا، وأن يعيننا وإياك على توبة صادقة.

فالتوجه لمن هو أرحم الراحمين، وخير الراحمين، ومن هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها، ومن يفرح بقبول توبة عبده حين يتوب إليه، ومن يقلب قلوب العباد، ومن لا ينفع ولا يضر إلا هو؛ هو العلاج والدواء فلُذ بجنابه، وافتقر إليه، وانكسر له، وبادر بطاعته وابك بين يديه، وأعلن التوبة ولا تتأخر، فلا تدري متى ينتهي الأجل تجد ربا كريما قابلا للمعذرة؛ قال ابن القيم في مدارج السالكين واصفا هذه الحال: ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضا: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء، ولا تكون لغير المذنب، لا تحصل بجوع، ولا رياضة، ولا حب مجرد، وإنما هي أمر وراء هذا كله، تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا، كحال عبد جان آبق من سيده، فأخذ فأحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء، ولا منه مهربا، وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده، وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده، وذله وعز سيده.
فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع، ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه! وما أعظم جبره بها، وما أقربه بها من سيده! فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة، والخضوع والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له، فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره. انتهى.

فإذا وقعت لك التوبة، فتعلق بجنابه، واستعن به أن يثبتك ويعينك، ويهدي قلوب أهلك، فلربما سبقت لهم من الله رحمة وهداية، واعلم أن طاعتك في وسط مكان المنكرات مما يعظم به الأجر؛ وانظر في ذلك الفتوى رقم: 76273.

وراجع فضل العبادة في حال غفلة الناس بالرابط التالي:

https://www.islamweb.net/ar/article/197245

وراجع للفائدة الفتوى رقم: 17666، وما عجزت عن إنكاره من المنكرات فاستحضر كراهته بقلبك حتى لا تحن إليه، وادع لأصحابه بالهداية.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني