الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ القول في تأويل قوله تعالى : ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون ( 19 ) ) [ ص: 1 ]

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وجاءت مارة الطريق من المسافرين ( فأرسلوا واردهم ) وهو الذي يرد المنهل والمنزل ، و"وروده إياه" ، مصيره إليه ودخوله . ( فأدلى دلوه ) يقول : أرسل دلوه في البئر .

يقال : "أدليت الدلو في البئر" إذا أرسلتها فيه ، فإذا استقيت فيها قلت : "دلوت أدلو دلوا" .

وفي الكلام محذوف ، استغني بدلالة ما ذكر عليه ، فترك ، وذلك : ( فأدلى دلوه ) فتعلق به يوسف ، فخرج ، فقال المدلي : ( يا بشرى هذا غلام ) .

وبالذي قلنا في ذلك ، جاءت الأخبار عن أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

18880 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي : ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ) فتعلق يوسف بالحبل ، [ ص: 2 ] فخرج ، فلما رآه صاحب الحبل نادى رجلا من أصحابه يقال له" بشرى " : ( يا بشرى هذا غلام ) .

18881 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ) فتشبث الغلام بالدلو ، فلما خرج قال : ( يا بشرى هذا غلام ) .

18882 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( فأرسلوا واردهم ) يقول : أرسلوا رسولهم ، فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام ( قال يا بشرى هذا غلام ) .

واختلفوا في معنى قوله : ( يا بشرى هذا غلام ) .

فقال بعضهم : ذلك تبشير من المدلي دلوه أصحابه ، في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدا .

ذكر من قال ذلك :

18883 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( قال يا بشرى هذا غلام ) تباشروا به حين أخرجوه . وهي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها

18884 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( يا بشرى هذا غلام ) قال : بشرهم واردهم حين وجد يوسف .

وقال آخرون : بل ذلك اسم رجل من السيارة بعينه ، ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلقا بالحبل .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 3 ]

18885 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو بن محمد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( يا بشرى هذا غلام ) قال : نادى رجلا من أصحابه يقال له" بشرى " ، فقال : ( يا بشرى هذا غلام ) .

18886 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا خلف بن هشام ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، عن قيس بن الربيع ، عن السدي ، في قوله : ( يا بشرى هذا غلام ) قال : كان اسم صاحبه" بشرى " .

18887 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، قال : حدثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي ، في قوله : ( يا بشرى هذا غلام ) قال : اسم الغلام" بشرى " ; قال : "يا بشرى " ، كما تقول : " يا زيد" .

واختلفت القراء في قراءة ذلك :

فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة : " يا بشري" بإثبات ياء الإضافة ، غير أنه أدغم الألف في الياء طلبا للكسرة التي تلزم ما قبل ياء الإضافة من المتكلم ، في قولهم : " غلامي" و"جاريتي" ، في كل حال ، وذلك من لغة طيئ ، كما قال أبو ذؤيب :


سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع



[ ص: 4 ] وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : ( يا بشرى ) بإرسال الياء وترك الإضافة .

وإذا قرئ ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل :

أحدهما ما قاله السدي ، وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقي باسمه ، كما يقال : "يا زيد " ، و "يا عمرو " ، فيكون "بشرى " في موضع رفع بالنداء .

والآخر : أن يكون أراد إضافة البشرى إلى نفسه ، فحذف الياء وهو يريدها ، فيكون مفردا وفيه نية الإضافة ، كما تفعل العرب في النداء فتقول : "يا نفس اصبري " ، و "يا نفسي اصبري " ، و "يا بني لا تفعل " ، و "يا بني لا تفعل " ، فتفرد وترفع ، وفيه نية الإضافة . وتضيف أحيانا فتكسر ، كما تقول : "يا غلام أقبل " ، و "يا غلامي أقبل " .

قال أبو جعفر : وأعجب القراءة في ذلك إلي قراءة من قرأه بإرسال الياء وتسكينها ; لأنه إن كان اسم رجل بعينه كان معروفا فيهم كما قال السدي ، فتلك هي القراءة الصحيحة لا شك فيها . وإن كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرئ كذلك على ما بينت .

وأما التشديد والإضافة في الياء ، فقراءة شاذة ، لا أرى القراءة بها ، وإن كانت لغة معروفة ; لإجماع الحجة من القرأة على خلافها .

وأما قوله : ( وأسروه بضاعة ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله .

فقال بعضهم : وأسره الوارد المستقي وأصحابه من التجار الذين كانوا معهم ، وقالوا لهم : " هو بضاعة استبضعناها بعض أهل مصر " ; لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة .

ذكر من قال ذلك :

[ ص: 5 ] 18888 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وأسروه بضاعة ) قال : صاحب الدلو ومن معه ، قالوا لأصحابهم : "إنما استبضعناه " ، خيفة أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه . وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه : استوثق منه لا يأبق ! حتى وقفوه بمصر ، فقال : من يبتاعني ويبشر؟ فاشتراه الملك ، والملك مسلم .

18889 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه غير أنه قال : خيفة أن يستشركوهم إن علموا به ، واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه : استوثقوا منه لا يأبق ! حتى واقفوه بمصر . وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو .

18890 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد

18891 - . . . . قال : وحدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه غير أنه قال : خيفة أن يشاركوهم فيه ، إن علموا بثمنه .

18892 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه إلا أنه قال : خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا ثمنه . وقال أيضا : حتى أوقفوه بمصر .

18893 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو بن محمد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وأسروه بضاعة ) قال : لما اشتراه الرجلان فرقا من الرفقة أن يقولوا : " اشتريناه " فيسألونهم الشركة ، فقالا إن سألونا ما هذا؟ قلنا بضاعة استبضعناه أهل الماء . فذلك قوله : ( وأسروه بضاعة ) بينهم

[ ص: 6 ] وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأسره التجار بعضهم من بعض .

ذكر من قال ذلك :

18894 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : ( وأسروه بضاعة ) قال : أسره التجار بعضهم من بعض .

18895 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجاهد : ( وأسروه بضاعة ) قال : أسره التجار بعضهم من بعض .

وقال آخرون : معنى ذلك : أسروا بيعه .

ذكر من قال ذلك :

18896 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : ( وأسروه بضاعة ) قال : أسروا بيعه .

18897 - حدثني الحارث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، قال : حدثنا قيس ، عن جابر ، عن مجاهد : ( وأسروه بضاعة ) قال : قالوا لأهل الماء : إنما هو بضاعة .

وقال آخرون : إنما عني بقوله : ( وأسروه بضاعة ) إخوة يوسف ، أنهم أسروا شأن يوسف أن يكون أخاهم ، قالوا : هو عبد لنا .

ذكر من قال ذلك :

18898 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( وأسروه بضاعة ) يعني : إخوة يوسف أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم ، فكتم يوسف شأنه مخافة أن تقتله إخوته ، واختار البيع . فذكره إخوته لوارد القوم ، فنادى أصحابه قال : يا بشرى! هذا غلام يباع . فباعه إخوته .

[ ص: 7 ] قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب : قول من قال : "وأسر وارد القوم المدلي دلوه ومن معه من أصحابه ، من رفقته السيارة ، أمر يوسف أنهم اشتروه ، خيفة منهم أن يستشركوهم ، وقالوا لهم : هو بضاعة أبضعها معنا أهل الماء وذلك أنه عقيب الخبر عنه ، فلأن يكون ما وليه من الخبر خبرا عنه ، أشبه من أن يكون خبرا عمن هو بالخبر عنه غير متصل .

وقوله : ( والله عليم بما يعملون ) يقول تعالى ذكره : والله ذو علم بما يعمله باعة يوسف ومشتروه في أمره ، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضي فيه وفيهم حكمه السابق في علمه ، وليري إخوة يوسف ويوسف وأباه قدرته فيه .

وهذا ، وإن كان خبرا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإنه تذكير من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه ، يقول : فاصبر ، يا محمد ، على ما نالك في الله ، فإني قادر على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون ، كما كنت قادرا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا ، ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف علي ، ولكن لماضي علمي فيه وفي إخوته ، فكذلك تركي تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك علي ، ولكن لسابق علمي فيك وفيهم ، ثم يصير أمرك وأمرهم إلى علوك عليهم ، وإذعانهم لك ، كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسف بالسؤدد عليهم ، وعلو يوسف عليهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية