الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله : ( حي لا يموت قيوم لا ينام ) .

ش : قال تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ( البقرة : 255 ) ، فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته . وقال تعالى : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق ( آل عمران : 1 - 3 ) . وقال تعالى : وعنت الوجوه للحي القيوم ( طه : 111 ) . وقال تعالى : وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ( الفرقان : 58 ) . وقال تعالى : هو الحي لا إله إلا هو . وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، الحديث .

لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه ، أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه ، بما يتصف به تعالى دون خلقه : فمن ذلك : أنه حي لا يموت ، لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى ، دون خلقه ، فإنهم يموتون . [ ص: 90 ] ومنه : أنه قيوم لا ينام ، إذ هو مختص بعدم النوم والسنة ، دون خلقه ، فإنهم ينامون . وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات ، بل هو سبحانه موصوف ، بصفات الكمال ، لكمال ذاته .

فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة ، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعا ولهوا ولعبا وأن الدار الآخرة لهي الحيوان ، فالحياة الدنيا كالمنام ، والحياة الآخرة كاليقظة ، ولا يقال : فهذه الحياة الآخرة كاملة ، وهي للمخلوق : لأنا نقول : الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها ، هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة ، فهي دائمة بإدامة الله لها ، لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها ، بخلاف حياة الرب تعالى . وكذلك سائر صفاته ، فصفات الخالق كما يليق به ، وصفات المخلوق كما يليق به .

واعلم أن هذين الاسمين ، أعني : الحي القيوم مذكوران في القرآن معا في ثلاث سور كما تقدم ، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى ، حتى قيل : إنهما الاسم الأعظم ، فإنهما يتضمنان إثبات [ ص: 91 ] صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه ، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم . ويدل أيضا على كونه موجودا بنفسه ، وهو معنى كونه واجب الوجود . والقيوم أبلغ من القيام لأن الواو أقوى من الألف ، ويفيد قيامه بنفسه ، باتفاق المفسرين وأهل اللغة ، وهو معلوم بالضرورة . وهل يفيد إقامته لغيره وقيامه عليه ؟ فيه قولان ، أصحهما : أنه يفيد ذلك . وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه ، لما فيه من المبالغة ، فهو سبحانه لا يزول لا يأفل ، فإن الآفل قد زال قطعا ، أي : لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم ، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال ، موصوفا بصفات الكمال . واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال ، ويدل على بقائها ودوامها ، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا وأبدا . ولهذا كان قوله : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( البقرة : 255 ) . أعظم آية في القرآن ، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية