الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      استشهاده

                                                                                      وقال سعيد بن المسيب : إن عمر لما نفر من منى أناخ بالأبطح ، ثم كوم كومة من بطحاء ، واستلقى ورفع يديه إلى السماء ، ثم قال : [ ص: 89 ] " اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط " فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن فمات .

                                                                                      وقال أبو صالح السمان : قال كعب لعمر : أجدك في التوراة تقتل شهيدا ، قال : وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ؟

                                                                                      وقال أسلم ، عن عمر أنه قال : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك . أخرجه البخاري .

                                                                                      وقال معدان بن أبي طلحة اليعمري : خطب عمر يوم جمعة وذكر نبي الله وأبا بكر ، ثم قال : رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين ، وإني لا أراه إلا لحضور أجلي ، وإن قوما يأمروني أن أستخلف ، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض .

                                                                                      وقال الزهري : كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا ويستأذنه أن يدخل المدينة ، ويقول : إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس : إنه حداد نقاش نجار ، فأذن له أن يرسل به ، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر ، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج ، قال : ما خراجك بكثير ، فانصرف ساخطا يتذمر ، فلبث عمر ليالي ، ثم دعاه فقال : ألم أخبر أنك تقول : لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح ؟ فالتفت إلى عمر عابسا ، وقال : لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها ، فلما ولى قال عمر لأصحابه : أوعدني العبد آنفا . ثم اشتمل أبو لؤلؤة [ ص: 90 ] على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه ، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس .

                                                                                      وقال عمرو بن ميمون الأودي : إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان ، وطعن معه اثنا عشر رجلا ، مات منهم ستة ، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا ، فلما اغتم فيه قتل نفسه .

                                                                                      وقال عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه قال : جئت من السوق وعمر يتوكأ علي ، فمر بنا أبو لؤلؤة ، فنظر إلى عمر نظرة ظننت أنه لولا مكاني بطش به ، فجئت بعد ذلك إلى المسجد الفجر فإني لبين النائم واليقظان ، إذ سمعت عمر يقول : قتلني الكلب ، فماج الناس ساعة ، ثم إذا قراءة عبد الرحمن بن عوف . وقال ثابت البناني ، عن أبي رافع : كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة يصنع الأرحاء ، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم ، فلقي عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه ، فقال : أحسن إلى مولاك ، ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه ، فغضب وقال : يسع الناس كلهم عدله غيري ، وأضمر قتله ، واتخذ خنجرا وشحذه وسمه ، وكان عمر يقول : " أقيموا صفوفكم " قبل أن يكبر ، فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته ، فسقط عمر ، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه ، فمات منهم ستة ، وحمل عمر إلى أهله وكادت الشمس أن تطلع ، فصلى ابن عوف بالناس بأقصر سورتين ، وأتي عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين ، فسقوه لبنا فخرج من جرحه ، فقالوا : لا بأس عليك ، فقال : إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت ، فجعل الناس يثنون عليه ويقولون : كنت وكنت ، فقال : أما والله وددت أني خرجت منها كفافا لا علي ولا لي وأن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت لي .

                                                                                      [ ص: 91 ] وأثنى عليه ابن عباس ، فقال : لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع ، وقد جعلتها شورى في عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد . وأمر صهيبا أن يصلي بالناس ، وأجل الستة ثلاثا .

                                                                                      وعن عمرو بن ميمون أن عمر قال : " الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام " ثم قال لابن عباس : كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة . وكان العباس أكثرهم رقيقا .

                                                                                      ثم قال : يا عبد الله ، انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجوده ستة وثمانين ألفا أو نحوها ، فقال : إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم ، وإلا فاسأل في بني عدي ، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش . اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل : يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه ، فذهب إليها فقالت : كنت أريده - تعني المكان - لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي . قال : فأتى عبد الله ، فقال : قد أذنت لك ، فحمد الله .

                                                                                      ثم جاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها ، فلما رأيناها قمنا ، فمكثت عنده ساعة ، ثم استأذن الرجال فولجت داخلا ثم سمعنا بكاءها ، وقيل له : أوص يا أمير المؤمنين واستخلف . قال : ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، فسمى الستة ، وقال : يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر ، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة ، ثم قال : أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله ، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار ، وأوصيه بأهل [ ص: 92 ] الأمصار خيرا ، في مثل ذلك من الوصية .

                                                                                      فلما توفي خرجنا به نمشي ، فسلم عبد الله بن عمر ، وقال : عمر يستأذن ، فقالت عائشة : أدخلوه ، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه .

                                                                                      فلما فرغ من دفنه ورجعوا ، اجتمع هؤلاء الرهط ، فقال عبد الرحمن بن عوف : اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم . فقال الزبير : قد جعلت أمري إلى علي ، وقال سعد : قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن ، وقال طلحة : قد جعلت أمري إلى عثمان ، قال : فخلا هؤلاء الثلاثة ، فقال عبد الرحمن : أنا لا أريدها فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه ، والله عليه والإسلام ، لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرصن على صلاح الأمة ، فقال : فسكت الشيخان علي وعثمان ، فقال عبد الرحمن : اجعلوه إلي ، والله علي لا آلو عن أفضلكم ، قالا : نعم . فخلا بعلي وقال : لك من القدم في الإسلام والقرابة ما قد علمت ، الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ، ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن ، قال : ثم خلا بالآخر فقال له كذلك ، فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه علي .

                                                                                      وقال المسور بن مخرمة : لما أصبح عمر بالصلاة من الغد ، وهو مطعون ، فزعوه فقالوا : الصلاة ، ففزع وقال : نعم ؛ ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . فصلى وجرحه يثعب دما .

                                                                                      وقال النضر بن شميل : حدثنا أبو عامر الخزاز ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، قال : لما طعن عمر جاء كعب فقال : والله لئن دعا أمير المؤمنين ليبعثنه الله وليرفعنه لهذه الأمة حتى يفعل كذا وكذا ، حتى ذكر المنافقين فيمن ذكر ، قال : قلت : أبلغه ما تقول ؟ قال : ما قلت إلا وأنا [ ص: 93 ] أريد أن تبلغه ، فقمت وتخطيت الناس حتى جلست عند رأسه فقلت : يا أمير المؤمنين ، فرفع رأسه فقلت : إن كعبا يحلف بالله لئن دعا أمير المؤمنين ليبقينه الله وليرفعنه لهذه الأمة ، قال : ادعوا كعبا فدعوه ، فقال : ما تقول ؟ قال : أقول كذا وكذا ، فقال : لا والله لا أدعو الله ، ولكن شقي عمر إن لم يغفر الله له . قال : وجاء صهيب ، فقال : واصفياه ، واخليلاه ، واعمراه ، فقال : مهلا يا صهيب ، أو ما بلغك أن المعول عليه يعذب ببعض بكاء أهله عليه .

                                                                                      وعن ابن عباس قال : كان أبو لؤلؤة مجوسيا .

                                                                                      وعن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : قال ابن عمر : يا أمير المؤمنين ما عليك لو أجهدت نفسك ، ثم أمرت عليهم رجلا ؟ فقال عمر : أقعدوني ، قال عبد الله : فتمنيت أن بيني وبينه عرض المدينة فرقا منه حين قال : أقعدوني ، ثم قال : من أمرتم بأفواهكم ؟ قلت : فلانا ، قال : إن تؤمروه فإنه ذو شيبتكم ، ثم أقبل على عبد الله ، فقال : ثكلتك أمك أرأيت الوليد ينشأ مع الوليد وليدا وينشأ معه كهلا ، أتراه يعرف من خلقه ؟ فقال : نعم ؛ يا أمير المؤمنين ، قال : فما أنا قائل لله إذا سألني عمن أمرت عليهم فقلت : فلانا ، وأنا أعلم منه ما أعلم ، فلا والذي نفسي بيده لأرددنها إلى الذي دفعها إلي أول مرة ، ولوددت أن عليها من هو خير مني لا ينقصني ذلك مما أعطاني الله شيئا .

                                                                                      [ ص: 94 ] وقال سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : دخل على عمر عثمان ، وعلي ، والزبير ، وابن عوف ، وسعد وكان طلحة غائبا فنظر إليهم ثم قال : إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا إلا أن يكون فيكم ، ثم قال : إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة ، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عثمان فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا علي فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس ، قوموا فتشاوروا وأمروا أحدكم ، فقاموا يتشاورون .

                                                                                      قال ابن عمر : فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولم يسمني عمر ، ولا والله ما أحب أني كنت معهم علما منه بأنه سيكون من أمرهم ما قال أبي ، والله لقل ما سمعته حول شفتيه بشيء قط إلا كان حقا ، فلما أكثر عثمان دعائي قلت : ألا تعقلون ؟ تؤمرون وأمير المؤمنين حي ؟ فوالله لكأنما أيقظتهم ، فقال عمر : أمهلوا ، فإن حدث بي حدث فليصل للناس صهيب ثلاثا ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد فأمروا أحدكم ، فمن تأمر عن غير مشورة فاضربوا عنقه .

                                                                                      وقال ابن عمر : كان رأس عمر في حجري ، فقال : ضع خدي على الأرض ، فوضعته ، فقال : ويل لي وويل أمي إن لم يرحمني ربي .

                                                                                      وعن أبي الحويرث ، قال : لما مات عمر ووضع ليصلى عليه أقبل علي وعثمان أيهما يصلي عليه ، فقال عبد الرحمن : إن هذا لهو [ ص: 95 ] الحرص على الإمارة ، لقد علمتما ما هذا إليكما ولقد أمر به غيركما ، تقدم يا صهيب فصل عليه . فصلى عليه .

                                                                                      وقال أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : وضع عمر بين القبر والمنبر ، فجاء علي حتى قام بين الصفوف ، فقال : رحمة الله عليك ما من خلق أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته بعد صحيفة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسجى عليه ثوبه . وقد روي نحوه من عدة وجوه عن علي .

                                                                                      وقال معدان بن أبي طلحة : أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة . وكذا قال زيد بن أسلم وغير واحد .

                                                                                      وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص : إنه دفن يوم الأحد مستهل المحرم .

                                                                                      وقال سعيد بن المسيب : توفي عمر وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة . كذا رواه الزهري عنه .

                                                                                      وقال أيوب ، وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : مات عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة . وكذا قال سالم بن عبد الله ، وأبو الأسود يتيم عروة ، وابن شهاب .

                                                                                      وروى أبو عاصم ، عن حنظلة ، عن سالم ، عن أبيه : سمعت عمر قبل أن يموت بعامين أو نحوهما يقول : أنا ابن سبع أو ثمان وخمسين . تفرد به أبو عاصم .

                                                                                      وقال الواقدي : أخبرنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه : توفي عمر وله ستون سنة . قال الواقدي : هذا أثبت الأقاويل ، وكذا [ ص: 96 ] قال مالك .

                                                                                      وقال قتادة : قتل عمر وهو ابن إحدى وستين سنة .

                                                                                      وقال عامر بن سعد البجلي ، عن جرير بن عبد الله أنه سمع معاوية يخطب يقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين ، وأبو بكر وعمر وهما ابنا ثلاث وستين .

                                                                                      وقال يحيى بن سعيد : سمعت سعيد بن المسيب ، قال : قبض عمر وقد استكمل ثلاثا وستين . قد تقدم لابن المسيب قول آخر .

                                                                                      وقال الشعبي مثل قول معاوية .

                                                                                      وأكثر ما قيل قول ابن جريج ، عن أبي الحويرث ، عن ابن عباس : قبض عمر وهو ابن ست وستين سنة ، والله أعلم .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية