إذا وهب الله تعالى الفقيه الملكة الفقهية وجب عليه أن يحافظ عليها، ويوفر سبل الوقاية لها; وذلك بإبعاد الآفات والمعوقات عنها. ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
1- الآفات الخلقية والنفسية للملكة الفقهية.
2- المعوقات المنهجية للملكة الفقهية.
المطلب الأول: الآفات الخلقية والنفسية للملكة الفقهية:
من الآفات الخلقية والنفسية التي تتعلق بأخلاق العلماء والمتعلمين غير العاملين، والتي لها الأثر الكبير في شل الملكة الفقهية لدى الفقهاء: الكبر والعجب والغرور والحسد.
وفيما يلي بيان لهذه الآفات. وآثارها السلبية على الملكة الفقهية.
أولاً: الكِبْر:
الكبر من أعظم الآفات التي ندد بها القرآن الكريم والسنة النبوية، وخاصة إذا كان من يتصف بها من أهل العلم، حيث يعتبر ذلك من أكبر الفتن، لأن العالم يضل بضلاله خلق كثير. كما قال حذيفة: (اتقوا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل)(1).
وحقيقة الكبر: جهل الإنسان بنفسه، وإنزالها فوق منزلتها(2)، فيراها أرفع من نفس غيره وأعظم شأنًا. فالفقيه المتكبر هو الذي يرى فقهه وملكته الفقهية أعظم شأنًا مما هو عند غيره. ويترتب على ذلك تحقير غيره وازدرائه وإقصائه وإبعاده وانتهاره وإذلاله، والامتنان على من علمه، والتعاظم على عامة الخلق، والسخرية منهم، والغضب عليهم إن قصروا بحقه ولم يقضوا له حاجة من حوائجه; وإن ناظر أحدًا من العلماء رد الحق على علم(3). قال سعيد بن جبير: (لا يزال الرجل عالمًا ما تعلم، فإن ترك العلم وأمن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون)(4).

ومن مظاهر الكبر عند المتكبر في العلم أن يجتهد في المناظرة أن يَغلب ولا يُغلب، ويسهر طوال الليل والنهار في تحصيل علوم يتجمل بها في المحافل; كالمناظرة والجدل وتحسين العبارة وتسجيع الألفاظ وحفظ العلوم الغريبة ليغرب بها على الأقران ويتعظم عليهم. ويحفـــظ الأحاديث بألفــاظها وأسانيــدها، حتى يرد على من أخطأ فيها; فيظهر فضـــله ونقصــان أقـــرانه، ويفرح كلما أخطأ واحد منهم، ويسوء إذا أصاب وأحسن; خيفة من أن يـــرى أنه أعظم منه(5).

وللكبر آثار سلبية على الملكة العلمية منها:

1- إضاعة العلم واندثاره، وبالتالي تأثيره على الملكة الفقهية.

2- انتشار الكره بين العالم والمتعلم، لأن المتعلم يشعر بتعالي المعلم وعجرفته، وهذا يؤدي إلى عدم استثمار ملكته ونقصانها.

3- إثارة الجدل والخلاف في الأوساط العلمية; لأن المتكبر لا يحترم الرأي الآخر، فيشغل وقته فيما لا ينفعه.

فليحذر الفقيه كل الحذر من الكبر، ويتحلى بالتواضع.

ثانيًا: العُجْبُ:

العجب هو تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًا لها(6). فهو يعظم نفسه ويعتبرها سبب العلم الذي وصل إليه، دون أن يسند الفضل في ذلك العلم إلى الله تعالى الذي وهبه العقل والذاكرة والعلم. قال صلى الله عليه و سلم: (ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجــاب المــرء بنــفسه )(7). فإعجـاب المـــرء بنـــفســــه: هــو ملاحظة لها بعين الكمال مع النسيان لنعمة الله(8). وقال علي ابن عيسى: (العجب: عقد النفس على فضيلة لها ينبغي أن يتعجب منها، وليست هي لها)(9).

والعجب بكل أحد قبيح وبالعلماء أقبح; لأن الناس بهم يقتدون. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم، تواضعوا لمن تتعلمون منه ليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم)(10).

ومن الآثار السلبية للعجب على الملكة العلمية(11):

- الاستبداد بالرأي وعدم مشاورة غيره.

- الاستنكاف عن طلب العلم وقلة الإصغاء إلى العلماء بحجة الاكتفاء بالعقل والرأي عند من اتصف بالعجب.

- استجهال الناس المخالفين له.

- التعامي عن الأخطاء الصادرة منه.

فليحذر الفقيه كل الحذر من العجب ويتحلى بالحلم والتواضع.

ثالثًا: الغُرور:

الغُرور: هو سكون النفــس إلى ما يوافـــق الهوى ويميــل إليه الطبع عن شبهة وخدعة شيطانية(12)، فالمغرور هو الذي يرى أنه مصيب في كل ما يصدر عنه من أحكام وآراء. وقد حذر الله تعالى من هذه الآفة في قوله تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغَرور )(لقمان:33).

ومن أصناف المغترين، العلماء الذين أحكموا العلوم الشرعية والعقلية، وتعمقوا فيها واشتغلوا بها، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات، واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان، وأنهم بلغوا من العلم مبلغًا لا يعذب الله مثلهم(13). وترى المغرور دائمًا يحدث عن شخصيته. ولا يقف غرور العالم عند نفسه، بل يتعداها إلى الغير بإظهار عيوب أقرانه; لرؤيته نفسه أعلم منهم وأفضل وأعلى مقامًا عند الله، ولعل الحقيقة بخلاف ذلك.

وللغرور آثار تربوية سلبية على الملكة العلمية:

1- الغرور يحجب طالب العلم عن الزيادة في العلم; لأنه يظن أنه قد وصل إلى منتهى العلم.

2- الغرور يمنع صاحبه من الاستماع إلى أهل العلم والإصغاء إليهم.

3- المعاصي التي تتولد عن الغرور تؤثر تأثيرًا سلبيًا في الملكة الفقهية.

4- الغرور يولد العداوة بين العلماء، لأن المغرور يكثر الاتهام لأقرانه، وخاصة من كانوا في تخصصه وأعلى منه علمًا.

رابعًا: الحَسَد:

الحسد: تمني زوال النعمة عن الغير، ممن هو مستحق لها. وعرفه الجرجاني بأنه: (تمنى زوال نعمة المحسود إلى الحاسد)(14). وهو خلق ذميم مع إضراره بالبدن وإفساده للدين، حتى لقد أمر الله بالاستعاذة من شره فقال تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد )(الفلق:5). وهو داء قديم في الناس; كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين )(15).

والحسد يدب بين الأقران من علماء الدنيا الذي يتشوقون إلى الرياسة، ويحبون جمع المال والثناء، ويحبون ذواتهم مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى، الأمر الذي يفضي إلى الاعتراض عــلى اللـــه تعــالى في حكمتــه التي وزع على مقتضاها عــطـــاءه بــين خلقه. أما علماء الآخــرة فهم بمعزل عن ذلك، لا يتحاسدون ولا يتباغضون، بل يتوادون ويدعون لبعضهم بعضًا، ويستفيدون من بعضهم بعضًا. فقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقــول لولد الإمــام الشافــعي: (أبــوك من الستـــة الذي أدعــو لــهم كل ليلة وقــت السحر)(16).

ومن الآثار السلبية للحسد على الملكة العلمية(17):

1- انخفاض مرتبة الحاسد العلمية، لانحراف الناس عنه، ونفورهم منه، وقد قيل: (الحسود لا يسود).

2- انشغال الحاسد عن العلم بحسرات الحسد وسقام الجسد، حتى لا يجد لحسراته انتهاءً ولا لسقامه شفاءً.

3- إسخاط الله تعالى في الاعتراض عليه، وارتكاب المعاصي في مخالفته مما يؤثر على ملكته العلمية.

4- معاداة الناس له ومقتهم له، حتى لا يرى وليًا محبًا، فيعيش في عزلة عن الناس، فلا يفيد ولا يستفيد.

المطلب الثاني: المعوقات المنهجية للملكة الفقهية:

من المعوقات المنهجية التي تؤثر في الملكة الفقهية، فتعطل حركتها وتوقف نموها: إخلال الفقيه بالنصوص الثابتة، والتقليد الذي ينطوي على الجمود والتعصب، والتمسك بحرفية النصوص، والتشدد والتضييق، والغــلو في اعتبار المصلحة، وتبرير الواقع. وفيما يلي بيان لتلك المعوقات.

أولاً: الإخلال بالنصوص الثابتة:

الفقه الإسلامي يتميز عن غيره من القوانين بأنه ملتزم بمصادره الأساسية من القرآن والسنة والإجماع اليقيني، فلا يجوز للفقيه صاحب الملكة الفقهية تجاوز تلك النصوص أو التنكر لها، وإلا كان ما يصدر عن ذلك الفقيه من آراء فقهية بعيدًا عن الفقه الإسلامي. ويتمثل ذلك في الأمور التالية:

1- الغفلة عن النصوص الشرعية عند الاجتهاد:

لا يجوز للفقيه تجاوز النصوص الثابتة في القرآن والسنة إلى الاجتهاد; عملاً بالقاعدة الفقهية: (لا اجتهاد في مورد النص). ومن الأمثلة على ذلك: أن محكمة شرعية عليا في بعض بلاد المسلمين، أجازت لكل أحد أن يستلحق اللقيط ويضمه إلى نسبه، ويصبح بذلك ابنًا له، وعليه كل حقوق البنوة وواجباتها. فمقتضى هذه الفتوى أن: (التبني -مباح وإن سمي: الاستلحاق- فمدار الحكم على المسميات لا على الأسماء)(18).

ومن الواضح أن هــذا الحكم مخـــالف للنصـوص الشرعيــة الثابتة التي حرمت التبنّي وأبطلته، وأجمــع على ذلك العلمـــاء. ومن النصــوص التي تحـــرم ذلك قــوله تعـالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم )(الأحزاب:4-5).

2- التفسير السيئ للنصوص الشرعية:

لا يجوز للفقيه تفسير النصوص الشرعية بعيدًا عن القواعد المقررة في أصول الفقه، الأمر الذي يؤدي إلى حرف النصوص عن مضمونــها، كأن يخصصــها وهي عــامة، أو يقيــدها وهي مطلــقــة أو العكس. ومن القواعد المقررة في توضيح دلالة النص(19):

أ- الالتزام بالمعنى اللغوي الذي قرره علماء اللغة العربية، مع مراعاة المصطلحات الشرعية التي أخرجها المشرع من معناها اللغوي إلى معنى خاص دل عليه النص عن طريق أدلة قطعية.

ب- مراعاة قواعد الدلالات الأصولية في تحديد علاقة اللفظ بالمعنى المستفاد منه; بحيث يكون استعمال اللفظ معبرًا عن معنى إرادة الشرع. وكلما كانت العلاقة واضحة وظاهرة بين اللفظ والمعنى كانت مهمة الفقيه أيسر.

ومن الأمثلة على سوء فهم النصوص الشرعية ما أورده بعض المعاصرين حول آيات تحريم الخمر: (هل الخمر محرمة أم مأمور باجتنابها ؟ والفرق بين التحريم والاجتناب. ومجال نصوص تحريم الخمر مع مجال الآية: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس )(الأنعام:145). وهي من أواخر الآيات نزولاً في القرآن. كل هذا مما يحتاج الرأي فيه إلى مجال آخر يرجأ إليه)(20).

فهــــو يشكك في قطعـــية تحريم الخمر التي وردت في آيات الخمر ومنها: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه )(المــــائدة:90). وهذا التشكيك مبني على عدم معرفته بالمعنى الدقيق لكل من (التحريم) و(الاجتناب)، وهو يتوهم أن الأمر بالاجتناب أخف من التحريم، ولو تتبع موارد الكلمة في القرآن لعلم أنها لا تقترن إلا بالشرك وكبائر الإثم والفواحش، كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان )(الحج:30)، فهل الأمر باجتناب الرجس من الأوثان أقل من تحريمه ؟ وآية: (قل لا أجد في ما أوحي إليّ )، التي حاول أن يتوكأ عليها في المطعومات لا في المشروبات، وهي تحمل الرد عليه; لأنها عللت تحريم الخمر بقوله: (فإنه رجس )، كما عللت آية تحريم الخمر بأنها: (رجس من عمل الشيطن )، فكيف يحــرم الله الرجــس المجــرد في المطعـوم، ولا يحرمه في المشروب مع وصفه بأنه: (من عمل الشيطان) ؟ فهو رجس وزيادة(21).

2- الغفلة عن الإجماع اليقيني عند الاجتهاد:

لا يجـــوز للفقــيه تجــــاوز الإجماع اليقــيني إلى الاجتــهاد. ومــن الأمثلة على ذلك ما قيل من جواز زواج المسلمة بالكتابي، كما جاز زواج المسلم بالكتابية. هذا مع أن الفرق واضح .فالمسلم يعترف بأصل دين الكتابية، فهو يحترمها ويرعى حقها ولا يصادر عقيـــدتها. أما الكتابي فــلا يعتـــرف بديــــن المسلمة ولا بكتـــابها ولا برسولها; فكيف تعيش في ظل رجل لا يرى لها أي حق باعتبارها مسلمة(22)؟

ثانياً: التقليد الذي ينطوي على الجمود والتعصب:

التقليد هو اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقدًا للحقيقة فيه، من غير نظر وتأمل في الدليل. وبعبارة أخرى هو: اتباع قول الغير بلا حجة ولا دليل(23).

يرى ابن حزم أن التقليد حرام في سائر أنواع العلم. وعموم الناس، كالعبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدرة، والراعي في شعب الجبال، والعالم المتبحر في العلم; يجب عليهم الاجتهاد في طلب الحكم الشرعي في كل ما يخصهم من الدين(24).

في حين يرى البعض الآخر أن التقليد واجب بعد عصور الاجتهاد الأولى المفضلة، حتى ليصبح اتباع إمام بمنزلة اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم، فيقول أحد المقلدين: (الحمد لله الذي جبلني على التعصب لمجتهد كان من قرون شهد النبي صلى الله عليه و سلم بخيرها وعدالتها)(25). ويصل الحال ببعض المقلدين أن يزعم بأن كل نص من النصوص الشرعية خالف المذهب فهو إما منسوخ أو مؤول(26).

ومما لا شك فيه أن القولين فيهما مغالاة. فالقول الأول يؤدي إلى الفوضى التي لا تقف عند حد; لأن هذا القول لا يشترط حدًا أدنى من المعرفة لمن أراد الاجتهاد، وإنما يلزم كل واحد من عامة الناس بمن فيهم العالم والمتعلم وراعي الغنم وغيرهم بالاجتهاد. كما أن هذا القول يؤدي إلى زوال هيبة العالم وكرامته وفضله، فهو يستوي مع العبد المجلوب، والراعي في شعب الجبال. وأما القول الآخر فيؤدي إلى التعصب والجمود كما يؤدي إلى عدم احترام النصوص الشرعية، وفتح الباب على مصراعيه للطعن فيها.

والقول الوسط: أن التقليد للمبتدئين ضــروري للتــأسيس -كما بينا سابقًا- فيحفظ المبتدئ متنًا في مذهب من المذاهب الفقهية. ثم ينتقل بعد ذلك إلى معرفة الدليل من القرآن والسنة، ولا يجوز أن يستمر في حفظ الآراء الفقهية بدون دليل; لأن الملكة الفقهية لا تنمو بالآراء المجردة عن أدلتها الشرعية وعللها ومآخذها; ولأن هذا يؤدي إلى التعصب الذميم. يقول ابن تيمية: (إذا تفقه الرجل وتأدب بطريق قوم من المؤمنين، مثل أتباع الأئمة والمشايخ; فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم المعيار، فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم. فينبغي للإنسان أن يعوّد نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به، فهذا زاجر، وكمائن القلوب تظهر عند المحن، وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها تحول أصحابه، ولا يناجز عليها، بل لأجل أنها مما أمر الله به رسوله أو أخبر الله به ورسوله، لكون ذلك طاعة الله ورسوله)(27).

ثالثًا: الالتزام بحرفية النصوص وعدم تعليل الأحكام:

يوجد في هذا العصر بعض المنتسبين للعلم ممن يحيـيون ذكر ابن حزم الظاهري في الالتزام بحرفية النص وعدم تعليل الأحكام. وهم ممن لم يتمرسوا بالفقه وأصوله، ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يهتمون بمقاصد الشريعة الإسلامية، ولا يقرون بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

فنجد منهم من يقول: إن السفر الشرعي هو ما كان على بعد ثلاثة فراسخ عملاً بحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين )(28).

فمن سافر ثلاثة فراسخ وهي تعادل (16) كيلو مترًا تقريبًا يعتبر مسافرًا، يفطر في رمضان، ويقصر الصلاة، وهذا غير معقول، فالعـــرف لا يعتـــبر تلك المســافة مسافة سفر. ومنهم من يقول: بعدم وجوب الزكاة في عروض التجارة، مع أن أغلب ثروة الأمــة اليوم في عروض التجارة. ومنــهم من يقـــول: إن النـــقود الشرعيـــة ما كان من قبيـــل الذهــب والفضـــة التي وردت فيها الأحـــاديث. أما النقود الورقية فلا تعتبر نقودًا شرعية. وعلى هذا لا يجري فيها الربا ولا تجب فيها الزكاة(29).

والأصل الذي ينبغي أن يستقر في أذهان الفقهاء أن غالبية العبادات تعبدية غير معقولة المعنى، أو غير معللة بعلة معينة، وإنما يطلب من المكلف الالتزام بها ولو لم يدرك لها علة كتقبيل الحجر الأسود. وأما المعاملات فإن غالبيتها غير تعبدية، أو معقولة المعنى، أو معللة بعلة معينة يدركها المجتهد. يقول الشاطبي: (الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات (المعاملات) الالتفات إلى المعاني)(30).

ويستدل لهذا الأصل باستقراء نصوص الشــريعة الإسلامية، فقـــد جــاءت لمراعــــاة العلل والمصالـــح، ومن ذلك قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )(النساء:29)، وقوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر )(المائدة:91). قال الشاطبي: (فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز، كالدراهم بالدراهم إلى أجل يمنع في المبايعة ويجوز في القرض)(31).

والمصالح التي قصدها الشارع في تشريع المعاملات هي مراعاة الضروريات والحاجيات والتحسينيات.

رابعًا: التشديد والتضييق:

هناك من العلماء من يرى أن المسائل المستجدة ينبغي أن ينظر فيها من خلال النصوص السابقة، سواء في القرآن أو السنة أو أقوال الفقهاء، فإذا لم يجدوا نصًا خاصًا بتلك المسألة المستجدة أفتوا بالمنع وعدم الجواز، سواء أكانت المسألة تتعلق بالمعاملات أم بالعبادات، وكأن الأصل في الأحكام العملية الحظر إلا ما أفتى السابقون بإباحته. وقد وجدنا من الفقهاء من أفتى بعدم جواز خلو الأوقاف الذي يدفع للناظر على الوقف مقابل تأبيد الإجارة، حيث ادعى المانعون عدم وجود نص في المسألة، ولا يوجد قول لإمام تخرج عليه. حيث قال الشيخ ميارة: (فلم أقف على نص فيها ولا أظنه يوجد; لأنها محض اصطلاح من المتأخرين)(32).

والحقيقة أن المعاملات تختلف عن العبادات، فإذا كان الأصل في العبــادات الحظر، فإن الأصــل في المعــاملات الإبــاحــة، بحيـــث لا تخالف المعاملة نصًا أو قاعدة كلية. قال ابن تيمية: (الأصل في هذا أنـــه لا يحـــرم على النـــاس من المعامــــلات التي يحـــتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه. كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه. إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله، حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن الله(33).

خامسًا: الغلو في اعتبار المصلحة:

يوجد في هذا العصر بعض المنتسبين للعلم ممن يحييون ذكر نجم الدين الطوفي الذي بالغ في تقدير المصالح، حتى قدمها على النصوص الشرعية والإجماع اليقيني، وخالف بهذا كل من أخذ بالمصلحة قبله ممن اعتبرها أصلاً ودليلاً من المالكية ومن وافقهم. فهم لم يعتبروها إلا بشرط عدم معارضتها للنصوص الشرعية والقواعد الكلية. وهذا الذي يُعرف في أصول الفقه بالمصلحة المرسلة. أما المصلحة المعارضة للنصوص الشرعية فهي غير معتبرة، وهي ليست مصلحة حقيقية، وإنما هي موهومة، زينها لصاحبها الهوى والغفلة. ولذلك لا تؤخذ عبارة: (حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) على إطلاقها، وإنما تقيد بعدم معارضتها للنصوص الشرعية والقواعد الكلية.

ومن الأمثلة على الغلو في المصلحة، إباحة الربا بحجة أن الاقتصاد عصب الحياة، والبنوك عصب الاقتصاد، والفوائد الربوية عصب البنوك. ومن الأمثــلة أيضًا تحــريم الــزواج بأكثر من واحــدة; لما يترتب على التعدد من مفاسد أسرية ومضار اجتماعية; واحتج المحرم بأن من حق ولي الأمر أن يمنع بعــض المباحــات جلــبًا لمصــلحة أو درءًا لمفسدة(34).

فعلى الفقيه المعاصر عند بحث القضايا الفقهية، والنظر في النصوص الشرعية، الوقوف عند النصوص القطعية وعدم تجاوزها بحجة تغير المصلحة; لأن تلك النصوص ليست محلاً للاجــتهاد، ولا يجوز له أن ينساق وراء المتلاعبين بالدين باسم المصلحة، فيحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله. يقول الشاطبي في بيان المصلحة التي بنى الشارع عليها الحكم: (إن كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم، والمفسدة مفسدة كذلك مما يختص بالشارع، لا مجال للعقل فيه بناء على قاعدة التحسين والتقبيح، فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما فهو الواضــع لها مصـلحة، وإلا يمكن عقــلاً ألا تكون كذلك، إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية، لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح. فإذا كون المصلحة هو من قبل الشارع بحيث يصدقه العقل، وتطمئن إليه النفس. فالمصالح من حيث هي مصالح قد آل النظر فيها إلى أنها تعبديات)(35).

هذا المفهوم للمصلحة يضع حدًا للعقل عند النظر في النصوص الشرعية، وهو أن العقل تابع للشرع، ومقيد به، وليس العكس. فيجوز للعقل أن ينظر في النصوص الظنية والأحكام المبنية على المصالح المرسلة، ولا يجوز له أن ينظر في النصوص القطعية.

سادسًا: تبرير الواقع:

المراد بتبرير الواقع، إضفاء الشرعية على الواقع السيئ الذي صنعه غير المسلمين، بقصد إرضاء عامة الناس أو السلطان، أو لوقوع الفقيه تحت ما يسمى بالهزيمة النفسية أو انبهاره بالحضارة الغربية.

وينبغي أن نفرق بين تبرير الواقع، والتيسير على الناس في أمر دينهم القائم على الاجتهاد العلمي المنضبط بقواعد سليمة واستنباط صحيح، لأن التيسير على الناس مقصد شرعي دلت عليه الآيات والأحاديث بخلاف تبرير الواقع، فإنه تأويل لنصوص الشريعة تأويلاً يتلائم مع أهواء العامة أو السلطان أو القائمين على الحضارة الغربية، وهذا ما يخدش الملكة الفقهية عند الفقيه.. والأمثلة على ذلك كثيرة

فلا بد للفقيه المعاصر عند بحث القضايا الفقهية أن يكون موضوعيًا في بحثه، غايته الوصول إلى الحكم الشرعي الذي تؤيده النصوص الشرعية، ويدخل لبحث المسألة الفقهية بذهنية فارغة من كل المسبقات والفروض والضغوط السياسية، وإلا أصبح الفقه تبعًا للسياسة، وكانت مهمة الفقيه هي تبرير المواقف والآراء السياسية.

لهذا يجب استبعاد هذا النوع من الفتـــاوى وعدم الاعتـــداد بها في الفقه المعاصر، لأن الغاية منها تبرير الواقع السيء الذي صـنـــعه غير المسلمين وإضفـــاء الشرعية عليه، ولأنها صــادرة ممن مــورست عليهم الضغوط السياسية، ولم يستطيعوا التحرر من الخوف وضغوط الواقع السيئ.

1998-2020 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة