شهرزاد العربي في السنوات الأخيرة من القرن الماضي , وبداية القرن - الذي يوشك على الانتهاء - ظهرت إرهاصات أولية في دول مختلفة من العالم الإسلامي , على مستوى النخبة أولاً - كما هو بالنسبة للجزائر ومصر وتونس - ثم على مستوى الأجهزة الرسمية للدولة ثانياً - كما هو بالنسبة لإيران - ترى أن تطوير العالم الإسلامي وتحديثه يمر عبر "المرأة" , فالنهضة والتقدم ومحاربة الاستعمار , والقضاء على التخلف , كل هذه الظواهر جميعها , تبدأ بالمرأة وتنتهي عندها , ولا شك أن ذلك ارتبط مدنياً وسياسياً - بل وحضارياً - بحالة العجز , وبالتأثر بالآخر ؛ ولذلك لا غرو حين تكون قضية المرأة مسألة "رجالية" بالدرجة الأولى , على الرغم من أنها تطورت بعد ذلك لتشمل المرأة . وعلى طول قرن - ها هو يمضي دون رجعة - شغل موضوع المرأة - مكانتها وأدوارها وحرياتها وحقوقها - كثيراً من الكُّتاب العرب والمسلمين , وتتخذ النقاشات بشأنها طابعاً حاداً يضعها ضمن الموضوعات الأكثر إثارة للجدل والخلاف في العالمين العربي والإسلامي"(1) , لكن ذلك الانشغال البحثي - وأحياناً الاستهلاكي - وتلك النقاشات الحادة بين تيارات مختلفة أكثرها وضوحاً دعاة الفكر اليساري , وأصحاب المشروع الحضاري الإسلامي , لم تؤتِ أُكُلها , وبقيت قاصرة على ما يمكن أن نطلق عليه "حديث الرفاهية" ؛ باعتبارها مجالاً للتنافس والصدام , وليس من الضروري أن يكون هذا العمل واعياً , هذا بالنسبة للطرف الأولي , أما فيما يتعلق بالفريق الإسلامي - وإن اختلفت جماعاته وفرقه وتنظيماته - فقد تمكن من إيقاف الزحف نحو معاني القداسة والقيم , وبذلك منع - في حدود ما أتيحت له من قوة وظروف - الذوبان الكلي في ثقافة الآخر . يلاحظ أن الهجمة - في بدايتها - على التخلف من خلال دفع المرأة إلى التمرد على التقاليد ؛ كانت براقة وجذابة , كأي دعوة جديدة للتغيير , هذا إلى جانب أسباب أخرى ارتبطت بالأفكار الجديدة نفسها , منها أنها دعوة لحقوق المرأة في ضوء الشريعة الإسلامية كما هو في كتاب "الاكتراث في حقوق الإناث" للكاتب والشاعر الجزائري (محمد بن مصطفى بن الخوجة)(2) , وإن كانت قراءته تُبرِز حقوق الرجل أكثر من حقوق المرأة , ومنها أيضاً أن الدعوات المختلفة للتحرر لم تبتعد كثيراً عن روح الإسلام - كما في الكتاب الأول (لقاسم أمين)(3) , ومنها محاولة ربط تطوير المرأة بضرورة تقتضيها الشريعة , كما هو في كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للكاتب التونسي "الطاهر حداد"(4) . ومن غير الواضح إن كانت الأفكار المطروحة قد بدأت انطلاقتها من أرضية الإسلام بهدف التطوير الحقيقي للمجتمعات الإسلامية أم أنها لخوف من الرفض والإبعاد , وربما التكفير -أحياناً - قد لجأت إلى ذلك الأسلوب , أم لسبب ثالث يتمثل في طبيعة التفكير السائدة آنذاك , وعلى العموم فإنه من الصعب الحكم على أفكار ظهرت منذ قرن , إلا إذا كان هدفنا التأكيد على أن الدعوات القائمة من تيارات محددة لا صلة لها بالإرث الحضاري , حتى لو كان ذاك "الإرث" دعوة جديدة لتحرير المرأة . والواقع أن الأمر كله أكبر من النظر إليه من خلال تعدد النقاشات وتنوُّعها , وإنما يجب علينا متابعته من خلال مشاركة المرأة - إيجابياً - في توظيف الأفكار الجديدة لصالحها , ما دامت هي المعنية بالموضوع , وبالطبع فإننا سنجد صعوبة في فصل هذا كله عن نوعية السلطة القائمة , والمناخ الاجتماعي العام , وقوة الطبقات , وهو ما نجده جلياً في التجربة المصرية ممثَّلة في السيدة (هدى شعراوي)(5) , التي تذكر بعض المراجع أنها تقدمت المظاهرات أثناء ثورة 1919 ضد الإنكليز سافرة , فكانت - حسب تلك المراجع - أول مسلمة رفعت الحجاب , وبعدها أنشأت جمعية "الاتحاد النسائي - بمصر" , وعقدت عدة مؤتمرات . ولم يبقَ الأمر مقصوراً على حالات فردية , كما في مصر أولاً , ثم تونس بعد ذلك , وإنما ظهر باعتباره "سياسة دولة" , كما هو في إيران , فقد أصدر الشاه "رضا بهلوي" عام 1936 أمراً بمنع الحجاب , بل إنه حرم النساء (غير السافرات) من وظائفهن في أجهزة الدولة , ومنع المنتقبات من استعمال وسائل النقل العام , كما دأب على تنظيم حفلات ساهرة ومناسبات كان يدعو إليها كبار الموظفين وعلماء الدين , وكان على هؤلاء أن يظهروا مع نسائهم السافرات , مما اضطر المواطنين إلى أنواع من التحايل على هذا القانون الجائر . ولم يكن ما يحدث في بلاد إسلامية بعيداً عما حدث في إيران , وما كادت عدة دول تنال استقلالها حتى اهتمت بمسألة تحرير المرأة , وبأسلوب هو أقرب إلى الغرب منه إلى الإسلام , لا لأن الدين ضد التطور , وكيف يكون كذلك , وهو ما جاء إلا بهدف تحرير الإنسان ؟! , ولكن لأن الاهتمام قد تركز على "الثورة" - إن جاز التعبير - على عالم القيم وجمالياتها , ومعانيها السامية .. وهكذا وجدنا أنفسنا - بعد عقود - في حال من الصراع الرجالي / النسائي - على الرغم من مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة - أدى إلى تفتت شبكة العلاقات الاجتماعية أولاً , وإلى تضليل لوعي المرأة , وإلى استعبادها , وهذه الحالة تبين الجراحات المتتالية والعميقة في الذات الاجتماعية للأمة إلى درجة جعلت من العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة سيد وجارية(6) , ومع ذلك كله فهناك من رفضت أن تكون على النحو السابق , وتمسكت بالدين الإسلامي , ومنه انطلقت , وبه حققت ذاتها , وأصبحت نموذجاً يُقتدى به , ولا شك أن هناك العديد من النساء - في عدة دولة إسلامية - لم تتوفر لدينا المعلومات الكافية عنهن , وهناك نموذجان شاع ذكرهما , واقتضى الحال سرد تجربتيهما بشكل مقتضب في هذا البحث القصير . تمثل كل من الداعية (زينب الغزالي) , والمفكرة والباحثة الراحلة (عائشة عبد الرحمن) نموذجين في مشاركة المرأة المسلمة في الحقل العالمي للثقافة على المستوى الميداني العملي بالنسبة للأولى , وعلى المستوى البحت النظري بالنسبة للثانية , ونحن لا نسعى للمقارنة بينهما , ولكن نذكرهما باعتبارهما "رداً مفحماً" على كل التيارات الأخرى التي حاولت ربط تخلف المرأة بالإسلام , ناهيك عن أنهما نتاج المرحلة التي اعتقد البعض أن الدور الرسالي للمرأة المسلمة قد تراجع , إضافة إلى هذا كله فقد أثرتا - بشكل ملحوظ - في الأجيال , ومع ذلك فقد ظل لكل واحدة منهما حضورها المميز في نشاطها , وقد تفرغتا للعمل الإسلامي على حساب الحياة الخاصة . وبحكم المعايشة عن قرب , والجلسات واللقاءات , فإنني أقرب إلى معرفة الداعية "زينب الغزالي" على المستوى الإنساني الشخصي , غير أن هذا لا يعني أنني بعيدة كل البعد عن كتابات الدكتورة عائشة عبد الرحمن . وباختصار فإن علاقتي - كباحثة - بالأولى "زينب" علاقة مباشرة , طبقاً لعملها- الذي تراجع لكبر سنها , وابتعادها عن النشاط - بشكل مباشر - بعد خروجها من السجن , في عهد الرئيس السادات , أما الثانية "عائشة" فعلاقتي بها - أيضاً - مباشرة , لكن على مستوى النصوص , خصوصاً كتابها "التفسير البياني للقرآن الكريم"(7). تفاعلت (زينب الغزالي) مع القرآن , مثلما كانت (عائشة عبد الرحمن) , وإن اختلفت الطرق بينهما من ناحية العمل , وليست من ناحية النتيجة , فالأولى طبَّقته في العمل الدعوي - بشكل مباشر - مع العامة من النساء والرجال , والثانية اهتمت به دراسة ؛ فجاءت نتائجه إلى "النخبة" أقرب منه إلى العامة , وكأنهما تتمان بعضهما , حسب المستويات الثلاثة التي يخاطبها القرآن , كما جاء في كتابة بعض المفسرين وهم : العامة , والخاصة , وخاصة الخاصة , لكنهما التقتا حول "حب القرآن" , حتى أن "زينب الغزالي" تقول - بعد صدور كتابها "نظرات في كتاب الله" -(8) : "أنا أحببت القرآن حتى عشته , فلما عشته أحببت أن أدندن به لمَن أحب , فدندنت بعض دندنة المفسرين , ولا أقول إني مفسرة , ولكني أقول : إنني محبة للقرآن , عاشقة له , والعاشق يدندن لمن يحب , والعاشق يحكي لمن يحب , ويجالس من يحب , ويعانق من يحب , فعانقت القرآن , وتحدثت به وله في جميع الملايين من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات , وعشت أدندن به في المساجد لأكثر من ستين عاماً , أي عمر الدعوة التي أسستها في المساجد منذ 1937"(9) . هكذا إذن .. تختصر عملها الدعوي في تلك العلاقة القائمة بينها وبين القرآن , وكأنها تؤكد أن كل ما قامت به , وسُجنت من أجله , ووهبته حياتها .. هو القرآن , أسمع بها , ثم تبصّر , وهي تقول : "ما عشقت غير الدعوة - بعد القرآن طبعاً - وما قبلت بغيرها , حتى "رباط الزوجية" كان تابعاً لها , وكان توثيقي له ؛ ببقائي في الدعوة وهو المهر الذي طلبته"(10) . لقد مثلت "زينب الغزالي" إجابة مبكرة لدعوات تحرير المرأة , حين اختارت طريقاً غير الذي رسمت - أو بالأحرى - تمنت لها السيدة "هدى شعراوي" , ولطالما وقفت وجادلت "علماء الأزهر" من أجلها , لكنها بعد أن تعرضت لحادثة الحرق دعت الله لكي يشفيها , وعاهدته على ارتداء الحجاب ؛ فلما استجاب الله - تعالى - لدعائها , تخلت عن الاتحاد النسائي بقيادة "هدى شعراوي" , لكن هذه "الأخيرة" لم تتركها , وإنما طلبت منها مقابلتها ؛ ففعلت , وحين قابلتها أخذتها بين ذراعيها وضمتها إلى صدرها , وقبَّلتها , ثم بكت , وقالت لها : "يا زينب كنت أريدك أن تكوني خليفتي من بعدي للاتحاد النسائي" ؛ فردت زينب الغزالي : "لقد اخترت , واختار الله , فأنا مع اختيار الله , وإن شاء الله سأظل ابنتك الوفية , وسأتحدث عنك بالخير ما حييت , وأتكلم عن فضلك وأخلاقك ومكارمك العالية , وهذا عهد بيني وبينك"(11) . ولم تنقطع الصلة - على المستوى الإنساني - بين "هدى شعراوي" و"زينب الغزالي" بعد خروج "هذه الأخيرة" من الاتحاد النسائي , وتأسيسها لجماعة أخرى منافسة هي (السيدات المسلمات) , ذلك التنظيم النسوي الإسلامي الذي حُلّ بعد دخولها السجن , وقد كان يقدم خدمات جليلة لآلاف العائلات المسلمة في مصر(12) , وقد كان الخلاف بينهما حول "علمانية" الحركة , ومسألة "السفور" , وهذه الأخيرة كما نلاحظ - كانت وما تزال وأعتقد أنها ستبقى - المجال الأوسع للنقاش حول "طُهر" المرأة من عدمه , وعلاقتها بالمجتمع , وبالرجل خاصة , ومع مرور الوقت تحول إلى عمل سياسي للأنظمة , كما هو في تركيا الآن(13) , وكذلك تونس وبلاد إسلامية أخرى , مع أن الجانب السياسي - في حقيقته - لا يمثل إلا بُعداً واحداً من عدة أبعاد أخرى , خاصة بالمرأة في الأساس(14) . والواقع أن مسألة الحجاب - التي هي خاصة بالمرأة - قد تناولها بالنقاش الرجال أيضاً , وأصبحت ملمحاً لجماعات وفرق داخل المجتمع الإسلامي , بل تطورت بعد ذلك لتجعل الغربيين - الأوربيين خاصة - يولون هذا الموضوع اهتماماً خاصاً , وينتقلون من الممارسة والمظهر إلى القيمة الدينية للموضوع , من ذلك ما ذهب إليه الباحث الألماني المسلم (مراد هوفمان) بقوله : "لنقُل إن الإسلام في تمسُّكه بالفضيلة عتيق , ولنا أن نعتز بذلك , فنؤكد أن الإسلام فخور بهذا .." , وفي هذا المجال يحرص الإسلام على التنبيه إلى دور "الملابس" أو "الزي" في الحياة , سواء بالنسبة للذكر أو الأنثى , خاصة مسألة الحجاب أو النقاب , فالإسلام يرى أن من المنطقي عدم إثارة الأشياء إذا كانت غير مرغوبة"(15) . وهكذا إذن .. ظهرت في المجتمعات الإسلامية حالة من الدفاع الذاتي نابعة من قوة الدين , ولم تكن العلاقات الإنسانية لتنتهي عند تغيُّر المواقف , وإنما لكلٍّ عمله ؛ ولهذا لم تشكك "زينب الغزالي" في إيمان "هدى شعراوي" - على الرغم من مواقفها التحررية - وذكرت أنها كانت تبرّ الفقراء , وتساهم في أعمال الخير , وتحج لبيت الله , وإنما الخلاف حول الأفكار المطروحة , التي توجه المجتمع سلباً أو إيجاباً , وربما لا يعلم الكثيرون أن "هدى شعراوي" حين اشتد عليها المرض طلبت رؤية "زينب الغزالي" , فذهبت إليها , ووافتها المنية , وهي بجانبها ؛ فحضرت بذلك آخر سكناتها من الدنيا , وشاركت في جنازتها ؛ لأنها كانت امرأة فاضلة متدينة , وإن اختلف مظهر "جمعيتها النسوية" عن ذلك , على حد ما ذكرت زينب الغزالي(16) . منذ البداية كان واضحاً أن الهدف من إنشاء "جمعية السيدات المسلمات" هو الدفاع عن الدين أمام الهجمة الجديدة , صحيح أن ذلك قد أُتبع - بعد ذلك بسنوات - بالعمل السياسي أولاً ؛ لأنه لا يمكن فصله عن العمل الاجتماعي , وثانياً لأن ظروف المرحلة اقتضت ذلك , وثالثاً - وككل عصر - تداخل العمل السياسي بالعمل الثقافي والاجتماعي والخيري , وآنذاك حين حصلت "زينب الغزالي" على التصريح - وعمرها لم يتجاوز الثماني عشرة سنة - من وزارة الأوقاف , كان معها موافقة على إنشاء خمسة عشر مسجداً , إذ جعلت منها امتداداً داخل المجتمع , واستطاعت - في وقت قصير - أن تخرِّج الواعظات , وتقيم مساجد أهلية , وتعقد (119) اجتماعاً في السنة , وخلال عِقدين من الزمن جذبت إليها خلقاً كثيراً , بما في ذلك بعض قيادات الثورة(17) . يلاحظ أن أعمال "جماعة السيدات المسلمات" بقيادة زينب الغزالي لم تظل محصورة في مجالات الخير , مثل رعاية الأيتام , وإقامة المساجد , وتخريج الواعظات , بل ساهمت - أيضاً - في حل المشكلات الأسرية مثل : الطلاق , والزواج , والعزوبية .. الخ , كما اهتمت بالجانب الإعلامي , وأصدرت مجلة ؛ لقيت ترحيباً واسعاً , ودعماً بالاشتراكات والإعلانات .. وعلى العموم فإن نشاط زينب الغزالي وجمعيتها حالا دون تطور نشاط "الاتحاد النسائي" على المستوى الاجتماعي , لكن بالطبع لم يحُل دون التأييد "الرسمي" للفكر الجديد , على اعتبار أنه منافس ومُلْغٍ لما سمي بالأفكار "القديمة" , وربما بهذا السبب انتهى "دور المرأة المسلمة" على صعيد الممارسة , بينما تواصل دور المرأة التقدمية - إن جاز التعبير - بدعم ملحوظ من الأنظمة , ومختلف مؤسسات الدولة . وتجربة زينب الغزالي على صعيد الممارسة تزامنت مع تجربة الباحثة والعالمة الجليلة (عائشة عبد الرحمن) , التي اهتمت بالدراسات القرآنية , من ذلك مؤلَّفها الشهير "التفسير البياني للقرآن" (جزءان) , حيث تناولت في "الجزء الأول" تفسير كل من : (الضحى) , (الشرح) , (الزلزلة) , (العاديات) , (النازعات) , (البلد) , (التكاثر) , وخصص الثاني لسور (العلق) , (القلم) , (العصر) , (الليل) , (الفجر) , (الهمزة) , (الماعون) .. والكتاب - بجزئيه - يعد عملاً بديعاً على مستوى التفاسير , التي تراكمت وتنوعت عبر قرون من الزمن , ولا شك أنه مشروع حضاري ؛ خصوصاً على صعيد المنهج الذي بدأه أستاذها وزوجها " أمين الخولي" . إن اهتمام "عائشة عبد الرحمن" بالدراسات القرآنية , وبعلوم اللغة - هو دعوة علنية للوحدة , ولجوء لكتاب الله ليس بهدف المعرفة , ولكن - كما أرى - بهدف المواجهة ؛ إذ نلاحظ انشغال الباحثين - رجالاً ونساءً - كما ذكرت بقضايا التراث , الشعر خصوصاً - لا يتعدى ذِكر التجارب البشرية المقصورة عن الفخر , أو المدح , أو الخمريات , ما يعني محاولتها تصويب الاهتمام البحثي على مستويين , الأول : يتعلق بالمنهج , والثاني : بطبيعة الموضوعات , وأعتقد أن تلك المحاولة البحثية التي جاءت بنتائج معلومة - قد أفقدت التيارات الأخرى أهدافها , من حيث جعل القرآن كتاباً تراثياً له حضوره في حياتنا المعاصرة. وعلى الرغم من أن ناشرات النصوص والمحققات منهن (الجامعيات) - أي اللاتي قمن بتحضير رسالة - ومنهن غير ذلك - أي اللاتي حققن النصوص خارج دائرة الدراسة الجامعية , إلا أنه يمكن القول بالنسبة لعائشة عبد الرحمن إنها قد جمعت بين الاثنين , حيث "تمكنت - على حد قول الأستاذ الراحل محمود الطناحي - بجرأة عالية وهمة صبورة , من البحث لها عن مكان بين الرجال الأفذاذ في ذلك الزمان(18) , وعاشت مع كتابات التراث , وعرفت رجالها , وعاشت معها ؛ مما ساعد بعد ذلك على أن تعيش مع القرآن وتتفاعل معه , وقد خاضت لُجة البحر وهي مؤمنة بقضية كبرى هي قضية ذلك التراث العربي , وواجبنا نحو إبرازه وكشفه وإضاءته ؛ لتقوم عليه الدراسات الصحيحة , فلا دراسة صحيحة مع غياب النص الصحيح المحرر(19) , وأهم نص صحيح كان أمامها هو القرآن الكريم . لا أود الدخول - بحثاً - في كتابات "عائشة عبد الرحمن" , فهذا ليس موضوعنا الآن , ولكن ذكرت ذلك بما يقتضيه السياق المتعلق بمسألة "تحرير المرأة" , أي حين حاول دعاة التحرير تضليل المرأة , بإشغالها بجسدها ومتطلباته وصراعه مع الرجل - حباً وكرهاً واستهلاكاً وجذباً - جاء الجواب من عائشة عبد الرحمن في عمل استحضاري للقرآن في حياتنا , مثلما كان العمل الدعوي "لزينب الغزالي" , إنهما حقاً نموذجان , تجاوزا مسألة "السطحية والوهمية" إلى تحرير "الأنثى" , إلى مسألة أعمق هي تحرير "الإنسان" , انطلاقاً من المجتمع الذي عاشتا فيه , وبما أن عملهما خالص وصادق فقد وصل إلى بقاع عديدة من العالم الإسلامي . الهوامش : (1) انظر مقالاً للمستشرقة الألمانية "دوروتيا كرافوليسكي" بعنوان : (الشيطان والمرأة): الغزالي وقراءة ذرادشتية للقرآن .. مجلة الاجتهاد , العدد الخامس والعشرون , خريف العام 1415 , 1994 , دار الاجتهاد - بيروت , لبنان , ص63 . (2) محمد بن مصطفى بن الخوجة - الجزائري : الاكتراث في حقوق الإناث , طبع بمطبعة فونتانة وشركائه , الجزائر عام 1895م , 1313 هـ , ترجمه إلى الفرنسية R.Arnumain آر. أرنو ما بين 1895 و 1898 ويعد هذا أول كتاب عن تحرير المرأة , وهو أسبق من كتاب قاسم أمين . (3) قاسم أمين : تحرير المرأة , مصر , 1899 . (4) الطاهر حداد : امرأتنا في الشريعة والمجتمع , تونس ,1929 . (5) هدى شعراوي (1879-1947) هي هدى بنت محمد سلطان باشا , رئيس أول مجلس نيابي مصري , ولدت في المنيا بمصر , كانت وجيهة وثرية , ترأست الحركة النسائية في عصرها , وقرأت القرآن , وانتقل أبوها إلى القاهرة , فنشأت بها , وجاءت بمعلمات نقلت عنهن مبادئ العلوم , واللغتين التركية والفرنسية والموسيقى , وتزوجت "علي باشا شعراوي" , وتوفي زوجها سنة 1922 , وترك لها ثروة ضخمة , وفي سنة 1923 ألفت جمعية "الاتحاد النسائي - بمصر" , وشاركت في كثير من أعمال البر , وعقدت المؤتمر النسائي الشرقي سنة 1938 , والمؤتمر النسائي العربي في عام 1944 , وحضرت عدة مؤتمرات نسائية عالمية , وأصدرت مجلة (المصرية) , وتوفيت بالقاهرة عام 1947 . (6) شهر زاد العربي : الأَمَة والسَّيد , الزهراء للإعلام العربي , القاهرة , 1995 , ص21 بتصرف . (7) د.عائشة عبد الرحمن : التفسير البياني للقرآن الكريم , الجزء الأول , الطبعة السابعة , دار المعارف , عام 1990 , والجزء الثاني , ط5 , دار المعارف , عام 1990 . (8) زينب الغزالي : نظرات في كتاب الله , المجلد الأول , دار الشروق , القاهرة , 1994. (9) شهر زاد العربي : زينب الغزالي من البرنيطة إلى الحجاب , بيت الحكمة , منشية الصدر , القاهرة , مصر , عام 1996 , ص189 . (10) شهر زاد العربي : زينب الغزالي من البرنيطة إلى الحجاب , المرجع السابق , ص189. (11) المرجع السابق , ص95-96 بتصرف . (12) انظر بتفصيل أوسع : زينب الغزالي : أيام من حياتي , الطبعة رقم 14 , دار الشروق , القاهرة , عام 1995 , والكتاب تُرجم لعشرات اللغات , آخرها اللغة الصينية . (13) نقصد القضية التي أثارت ردود فعل واسعة النطاق داخل المجتمع التركي الخاصة بالنائبة "مروة قاوقجي" , والمطالبة بخلغها الحجاب , وإلا سقطت حقوقها السياسية والمدنية , وآخر تطورات القضية هي مطالبة "النائب العام التركي" بإسقاط الجنسية عنها. (14) تفاصيل هذا الموضوع تجدها في : شهر زاد العربي : البعد السياسي للحجاب , الزهراء للإعلام العربي , القاهرة , مصر , عام 1989 . (15) د.مراد هوفمان : الإسلام كبديل , ترجمة د.غريب محمد غريب , نشر مجلة "النور" الكويتية , ومؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات , عام 1993 , ص215 بتصرف. (16) زينب الغزالي من البرنيطة إلى الحجاب , مرجع سابق , ص104 . (17) يتضح في تقرير مجلس إدارة جماعة السيدات المسلمات عن أعمالها في سنة 1381 هـ الموافق 1961 , وفيه نجد ما يلي : "يقدم المركز العام لجماعة السيدات المسلمات شكره وتقديره لسيادة المشير عبد الحكيم عامر - نائب رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة على ما قدمه - مشكوراً - من عطف ورعاية إلى دار "كفالة اليتيمات" ؛ مما كان له الأثر الملموس في تحسين حالة اليتيمات , ولم يكن المشير عبد الحكيم عامر هو المساهم الوحيد , بل ذكر التقرير أسماءً أخرى , عسكرية ومدنية . (18) انظر : الدكتور محمود الطناحي : بنت الشاطئ وتحقيق التراث , مقال منشور بمجلة العربي الكويتية , العدد رقم 488 , يوليو عام 1999 , ص39 . (19) المرجع السابق , ص39 بتصرف عن مجلة المنار الجديد |
|