التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء السادس
وقال أبو أحمد الجلودي : حدثنا محمد بن زكويه قال : روي لنا أن أبا مسلم صاحب الدولة قال : ارتديت الصبر ، وآثرت الكتمان ، وحالفت الأحزان والأشجان ، وسامحت المقادير والأحكام حتى أدركت بغيتي ، ثم أنشد :

قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا     ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا
من رقدة لم ينمها قبلهم أحد     طفقت أسعى عليهم في ديارهم
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا     ومن رعى غنما في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعيها الأسد



ورويت هذه عن الحسن بن عقيل التبعي عن أبيه .

قال محمد بن عبد الوهاب الفراء : سمعت علي بن عثام يقول : قال إبراهيم الصائغ : لما رأيت العرب وصنيعها خفت ألا يكون لله فيهم حاجة ، فلما سلط الله عليهم أبا مسلم ، رجوت أن تكون لله فيهم حاجة .

قلت : كان أبو مسلم بلاء عظيما على عرب خراسان ، فإنه أبادهم بحد السيف .

قال أحمد بن سيار في " تاريخ مرو " : حدثنا الحسن بن رشيد العنبري ، سمعت يزيد النحوي ، يقول : أتاني إبراهيم بن إسماعيل الصائغ ، فقال [ ص: 54 ] لي : ما ترى ما يعمل هذا الطاغية ، إن الناس معه في سعة ، غيرنا أهل العلم . قلت : لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت ، إن أمرت ونهيت يقيل أو يقتل ، ولكني أخاف أن يبسط علينا العذاب ، وأنا شيخ كبير ، لا صبر لي على السياط . فقال الصائغ : لكني لا أنتهي عنه ، فذهب فدخل عليه ، فأمره ونهاه ، فقتله .

وذكر بعضهم أن أبا مسلم كان يجتمع -قبل أن يدعو- بإبراهيم الصائغ ، ويعده بإقامة الحق ، فلما ظهر وبسط يده ، دخل عليه فوعظه .

قال محمد بن سلام الجمحي : دخل أبو مسلم على أبي العباس السفاح ، فسلم عليه ، وعنده أخوه أبو جعفر ، فقال له : يا أبا مسلم ، هذا أبو جعفر . فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا موضع لا يؤدى فيه إلا حقك .

وكانت بخراسان فتن عظيمة ، وحروب متواترة ، فسار الكرماني في جيش ، في سنة تسع وعشرين ومائة ، فالتقاه سلم بن أحوز المازني ، متولي مرو الروذ ، فانهزم أولا الكرماني . ثم كر عليهم بالليل فاقتتلوا ، ثم إنهم تهادنوا ، ثم سار نصر بن سيار ، فحاصر الكرماني ستة أشهر ، وجرت أمور يطول شرحها أوجبت ظهور أبي مسلم ، لخلو الوقت له ، فقتل الكرماني ، ولحق جموعه شيبان بن مسلمة السدوسي الخارجي المتغلب على سرخس ، وطوس ، فحاربهم نصر بن سيار نحوا من سنة ونصف . ثم اصطلح نصر وجديع بن الكرماني ، على أن يحاربوا أبا مسلم . فإذا فرغوا من حربه ، وظهروا عليه ، نظروا في أمرهم . فدس أبو مسلم إلى ابن الكرماني يخدعه ويقول : إني معك . فوافقه ابن الكرماني ، وانضم إليه ، فحاربا نصرا ، وعظم الخطب .

ثم إن نصر بن سيار كتب إلى أبي مسلم : أنا أبايعك ، وأنا أحق بك من ابن الكرماني ، فقوي أمر أبي مسلم ، وكثرت جيوشه . ثم عجز عنه نصر ، وتقهقر [ ص: 55 ] إلى نيسابور ، واستولى أبو مسلم على أسبابه وأهله ، ثم جهز أبو مسلم جيشا إلى سرخس ، فقاتلهم شيبان فقتل ، وقتلت أبطاله . ثم التقى جيش أبي مسلم وجيش نصر -وسعادة أبي مسلم في إقبال- فانهزم أصحاب نصر وتأخر هو إلى قومس ، ثم ظفر أبو مسلم بسلم بن أحوز الأمير ، فقتله واستولى على مدائن خراسان في أواخر سنة ثلاثين ، وظفر بعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الهاشمي فقتله .

ثم جهز أبو مسلم قحطبة بن شبيب ، فالتقى هو ونباتة بن حنظلة الكلابي على جرجان . فقتل الكلابي ، وتمزق جيشه . وتقهقر نصر بن سيار إلى وراء . وكتب إلى متولي العراق ، يزيد بن عمر بن هبيرة ، وإلى الخليفة مروان يستصرخ به ولات حين مناص ، وكثرت البثوق على مروان ، من خوارج المغرب ، ومن القائمين باليمن ، وبمكة ، وبالجزيرة ، وولت دولته . فجهز ابن هبيرة جيشا عظيما ، فنزل بعضهم همدان ، وبعضهم بماه ، فالتقاهم قحطبة بن شبيب بنواحي أصبهان ، في رجب سنة إحدى وثلاثين . فانكسر جيش ابن هبيرة . ثم نازل قحطبة نهاوند يحاصرها وتقهقر نصر بن سيار إلى الري .

ذكر ابن جرير أن جيش ابن هبيرة كانوا مائة ألف ، عليهم عامر بن ضبارة .

وكان قحطبة في عشرين ألفا . فنصب قحطبة رمحا ، عليه مصحف ، ونادوا : يا أهل الشام ، ندعوكم إلى ما في هذا المصحف فشتموهم ، فحمل قحطبة ، فلم يطل القتال حتى انهزم جند مروان ، ومات نصر بن سيار بالري ، وقيل بساوة وأمر أولاده أن يلحقوا بالشام ، وكان ينشد لما أبطأ عنه المدد : [ ص: 56 ]

أرى خلل الرماد وميض نار     خليق أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين تورى     وإن الفعل يقدمه الكلام
وإن لم يطفها عقلاء قوم     يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب : ليت شعري     أيقظان أمية ، أم نيام ؟
!



وكتب ابن هبيرة إلى مروان الخليفة يخبره بقتل ابن ضبارة . فوجه لنجدته حوثرة بن سهيل الباهلي في عشرة آلاف من القيسية ، فتجمعت عساكر مروان بنهاوند ، وعليهم مالك بن أدهم ، فحاصرهم قحطبة أربعة أشهر ، وضايقهم حتى أكلوا دوابهم من الجوع ، ثم خرجوا بالأمان في شوال ، وقتل قحطبة وجوه أمراء نصر بن سيار وأولاده ، وأقبل يريد العراق ، فبرز له ابن هبيرة ونزل بقرب حلوان ، فكان في ثلاثة وخمسين ألف فارس ، وتقارب الجمعان .

ففي هذه السنة ، سنة إحدى وثلاثين تحول أبو مسلم من مرو ، فنزل بنيسابور ، ودان له الإقليم جميعه ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين . فبلغ ابن هبيرة ، أن قحطبة توجه نحو الموصل ، فقال لأصحابه : ما بالهم تنكبونا ؟ قيل : يريدون الكوفة . فرحل ابن هبيرة راجعا نحو الكوفة . وكذلك فعل قحطبة ، ثم جاز قحطبة الفرات في سبعمائة فارس . وتتام إلى ابن هبيرة نحو ذلك ، واقتتلوا فطعن قحطبة بن شبيب ثم وقع في الماء فهلك ، ولم يدر به قومه ، ولكن انهزم أيضا أصحاب ابن هبيرة ، وغرق بعضهم ، وراحت أثقالهم .

قال بيهس بن حبيب : أجمع الناس بعد أن عدينا ، فنادى مناد : من أراد الشام فهلم! فذهب معه عنق من الناس ، ونادى آخر : من أراد الجزيرة . . ونادى آخر : من أراد الكوفة . . . وتفرق الجيش إلى هذه النواحي ، فقلت : من أراد واسط فهلم ، فأصبحنا بقناطر المسيب مع الأمير ابن هبيرة . فدخلناها [ ص: 57 ] يوم عاشوراء ، وأصبح المسودة قد فقدوا أميرهم قحطبة ، ثم أخرجوه من الماء ودفنوه ، وأمروا مكانه ولده الحسن بن قحطبة ، فسار بهم إلى الكوفة ، فدخلوها يوم عاشوراء أيضا ، فهرب متوليها زياد بن صالح إلى واسط .

وترتب في إمرة الكوفة للمسودة ، أبو سلمة الخلال . ثم سار ابن قحطبة ، وحازم بن خزيمة ، فنازلوا واسط ، وعملوا على أنفسهم خندقا ، فعبأ ابن هبيرة جيوشه ، والتقاهم ، فانكسر جمعه ، ونجوا إلى واسط .

وقتل في المصاف يزيد أخو الحسن بن قحطبة ، وحكيم بن المسيب الجدلي . وفي المحرم قتل أبو مسلم جماعة ، منهم ابن الكرماني ، وجلس على تخت الملك ، بايعوه ، وخطب ، ودعا للسفاح .

السابق

|

| من 5

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة