إذا كان سريان المعلومات بين الناس، وطرق التأثير عليهم قد شغلت الفلاسفة منذ أقدم العصور، فإن علم الاتصال الحديث لم يتطور وتتسع آفاته إلا في عصر ما بعد التصنيع، عصر ثورة المعلومات.

ولا غرابة في ذلك . فإن واحداً من أهم الأسس النظرية التي يقوم عليها علم الاتصال المعاصر هو النظرية الرياضية للمعلومات: Mathematical Threory of Information والمنبثقة عن علم (السبرناطيقا ) (أوالسيبرنية ). وهي في الوقت نفسه الأساس الذي قامت عليه التكنولوجيا الحديثة التي تسبح في الفضاء الكوني، وتنتقل بين الأجرام السماوية، وببدائلها الآلية للعمالة الإنسانية، والمسماة بـ (الروبوت ) أو ( الإنسان للآلي ) أو الآلات الذكية .

والاتصال -طبقاً لهذه النظرية- معلومات (أو أوامر ) نبثها إلى البيئة بهدف التأثير فيها، والسيطرة عليها. وأهم عناصر بيئة الإنسان هو الإنسان نفسه، فكراً وسلوكاً.. لذلك حظي هذا العلم بالاهتمام بشكل متزايد؛ وتضافرت جهود العلماء من مختلف الفروع والتخصصات للإضاعة إليه وإثرائه. وهكذا اتسع هذا العلم ليضم - إلى الاتصال الجماهيري والاتصال الجمعي والفردي- عمليات الاتصال داخل الكائن ذاته! وكان من الطبيعي أيضاً في ظل هذا التطور والتشعب أن تتسع آفاق البحث، فلا يقتصر على اللغة باعتبارها القناة الرئيسية للاتصال الإنساني .

وهكذا، بدا مع خمسينيات هذا القرن، الاهتمام بفرع جديد من فروع الاتصال الإنساني، هو الاتصال غير اللفظي، ويعود الفضل في لإثرائه خاصة إلى علماء الأجناس (الأنثروبواوجيا ) والباحثين في علم النفس وعلم النفس العلاجي .

وإذا كان الاتصال اللفظي يؤدي دوراً هاماً في مواقف اجتماعية متعددة، فإن نمط الاتصال غير اللفظي يؤدي هو الآخر دوراً هاماً، سواء أكان مصباحاً ومكملاً للنمط الأول، أو مستقلاً.

ويقسم ( دنكان ) (1) أنماط هذا الاتصال إلى:

1- حركة الجسم .

2- ما وراء اللغة.

3- البعد والقرب ( المسافة الفيزيقية ) .

4- الإفرازات ( وبالذات الروائح ) .

5- حساسية الجسم للمس .

6- الأدوات ( الإكسسوارات ) مثل الملابس والأصباغ ومساحيق التجميل الخ..

ويشرح ( تراجر ) (2) خصائص الصوت بأنها: التلاعب باللغة والأصوات الأخرى، ويدخل ضمنها طبقة الصوت، والسيطرة على المخارج، والسيطرة على الشفتين .

ولا يتسع المجال هنا لشرح الجهود التي بذلها العلماء من أجل تنميط أشكال الاتصال غير اللفظي وتعميمها وتحقيقها تجريبياً، وما توصلوا إليه من اختلاف أكثر هذه الأنماط طبقات لاختلاف المجتمعات .

وهو يناقض كلية ما تضمنه كتاب ( داروين ) : (التعبير عن العواطف في الإنسان والحيوان ) الصادر عام 1872م، والذي أسسه على أن التعبيرات البدنية كلها متماثلة وعالمية، لأنها تنتقل عبر ( الجينات ) الوراثية (3) .ما يهمنا هو استخلاص ظاهرتين أساسيتين:

الأولى: أنه إذا تناقض مضمون الرسالة اللفظية مع مضمون الرسالة غير اللفظية المصاحبة، فإن المستقبل يميل إلى تصديق الرسالة غير اللفظية (1) .

وأقول مخلصاً: إن هذه الدراسات الرائدة قد شدت اهتمامي واستهوتني بما تقدمه من رؤية متعمقة للاتصال الإنساني، ثم طرأت على ذهني بعض آيات القرآن الكريم، فعدت إليها أعيد قراءتها مبهوراً بما احتوت من حكمة خالدة، يعود العلماء الآن، وبعد إعلانها على البشر مذ أربعة عشر قرناً، ليستخلصوا بعض ما ورد بها! وسأحاول في السطور التالية، وبإيجاز شديد، استعراض بعض هذه الآيات وتفسيرها على ضوء ما توسلت إليه هذه الدراسات الحديثة .

في سورة الأحزاب: الآية (32) يقول الحق تبارك وتعالى مخاطباً نساء النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا ) .

والخضوع بالقول، كما جاء في لسان العرب لإبن منظور ( باب العين ) هو الانقياد والمطاولة. والخضوع هو: تطامن في العنق، ودنو الرأس إلى الأرض,و. والخضوع هنا هو بمعنى إمالة الكلام وإلانته ، وهو تعبير مباشر عن نمط الاتصال غير اللفظي، والذي يستخدم خصائص ما وراء اللغة Paralanguage والنهي عن تلوين الكلام مرتبط بفعالية وتأثير الرسالة غير اللفظية، حتى ولو تناقضت مع ظاهر الكلام، بما تثير من توقعات وآمال عند الفسقة ذوي القلوب المريضة؛ ويتبع ذلك مباشرة:

( وقلن قولاً معروفَا ). أي : رسالة يتطابق فيها النمط اللفظي مع غير اللفظي.

في السورة نفسها : الآية (59) يقول الحق تبارك وتعالى:( يأيها النبي قل لأزوجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهم من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً ).

يقول مجاهد في تفسيره: يتجلببن حتى يُعلم أنهن حرائر، لا يعرض لهن فاسق بأذىً كم قول أو ريبة .

والآية الكريمة صريحة هنا في تأكيد أهمية الملابس باعتبارها نمطاً من أنماط الاتصال غير اللفظي؛ وبذلك يكتسب الحجاب الإسلامي أهمية مزدوجة: باعتباره ساتراً لعورة المرأة من ناحية، وكونه أيضاً رسالة معلنة صريحة (إلى من يهمه الأمر )، كفيلة برد الأذى من قول أو فكر .

والإسلام لا يخاطب المرأة وحدها في هذا المجال، وإنما يخاطب الرجال أيضاً.. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ): ( رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ).. وثوب الشهرة هنا : تعبير صريح عن رسالة يبعث بها صاحب الثوب إلى الناس مُتضمنة معاني الترفع على خلق الله واحتقارهم لغنى أو جاه. وهو ما يتناقض مع السلوك الإسلامي الذي يدعو إلى التواضع والبعد عن استفزاز الناس .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه من كبر )، فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، قال: ( إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس ). وغمط الناس: احتقارهم (أخرجه مسلم في كتاب الصلاة: 1/328) .

كما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر الله إلى من جَرَّ ثوبهُ خيلاء ).

ولا يقتصر أدب السلوك الإسلامي على الملابس وحدها من بين الأدوات المستخدمة في الاتصال غير اللفظي، بل ويتبعها أيضاً بأدوات الزينة، حتى الخفية التي يُسمع وقعها ولا ترى، فيقول الحق تبارك وتعالى:( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) (النور:31) لأن أصوات الخلاخيل تحمل أيضاً رسالة تترجم في الإطار المرجعي للمستقبل إلى صور جنسية.

كما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة لغير محارمها، حتى ولو كانت خارجة للصلاة بالمسجد؛ فعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ) (أخرجه مسلم في كتاب الصلاة: 1/328) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية ) ( تهذيب التهذيب: 8/251) فالروائح أيضاً واحدة من الوسائل الهامة للاتصال غير اللفظي، وتحمل كثيراً من الرموز الاتصالية، مثل: البخور في عديد من المجتمعات، وحتى في بعض طقوس السحر البدائية. وقد احتفظت العطور إلى يومنا هذا بأهميتها كوسيلة اتصال، وأضاف إليها صانعوها ومروجوها في الغرب رموزاً جديدة تؤكد الرموز القديمة وتبرزها، فسموا بعض هذه العطور بأسماء موحية: أفيون Oqium ، سم Poison ، نزوة Caprice ، نشوة Ecstasy ، أنوثة.. وغير ذلك.

في سورة لقمان: الآيتان (18 و 19 ) يقول لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه:( ولا تُصَعَّر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختالِ فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) .

وتصعير الخد، هو تكبراً؛ ويعتبر الوجه من أهم وسائل الاتصال غير اللفظي: كما أن حركة الجسم وزاوية ميله تدخل ضمن بحوث الدراسات المتعلقة بالإحساس بالحركة Kinesthatics .

من هذا أيضاً: طريقة الحركة، سواء أكانت سريعة أم بطيئة، وما يرتبط بها من علاقات الفراغ الفيزيقي، وهو ما يسميه العلماء Proxemics لذلك جاءت النصيحة: (واقصد في مشيك ) .

ومن هذا القبيل أيضاً: ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى:( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) ( الأحزاب: 33) وهو ما فسره بأنه:( مشية فيها تكسر وتغنج ) (1) .

فالملابس وحدها لا تكفي، حتى ولو كانت محتشمة: فرسائل الاتصال متكاملة، وما قد تبعثه الملابس من رسائل قد تكذبها مشية متكسرة متغنجة.

وهكذا يرشدنا الإسلام إلى قواعد السلوك القويم، واضعاً في اعتباره طبائع الإنسان وأنماط اتصاله الظاهرة والباطنة.

هذه الأنماط التي يجيْ العلم الحديث بعد ألف وأربعمائة سنة (ليكشفها ) ويؤكد على أهميتها، وهو يؤكد بذلك معجزة القرآن المتجددة أبد الدهر.

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة