ابن أبي عمران ميمون مولى محمد بن مزاحم ، أخي الضحاك
بن مزاحم
الإمام الكبير حافظ العصر ، شيخ الإسلام
أبو محمد
الهلالي الكوفي ، ثم المكي .
مولده : بالكوفة في سنة
سبع ومائة .
وطلب الحديث ، وهو حدث ، بل غلام ، ولقي الكبار ، وحمل
عنهم علما جمًّا ، وأتقن ، وجوّد ، وجمع وصنّف ، وعمّر دهرا ، وازدحم
الخلق عليه ، وانتهى إليه علو الإسناد ، ورحل إليه من البلاد ، وألحق
الأحفاد بالأجداد .
سمع في سنة تسع عشرة ومائة ، وسنة عشرين ، وبعد ذلك ،
فسمع من عمرو بن دينار ، وأكثر عنه ، ومن زياد بن علاقة ، والأسود بن
قيس ، وعبيد الله بن أبي يزيد ، وابن شهاب الزهري ، وعاصم بن أبي
النّجُود ، وأبي إسحاق السبيعي ، وعبد الله بن دينار ، وزيد بن أسلم ،
وعبد الملك بن عمير ، ومحمد بن المنكدر ، وأبي الزبير ، وحصين بن
عبد الرحمن ، وسالم أبي النضر ، وشبيب بن غرقدة ، وعبدة بن أبي
لبابة ، وعلي بن زيد بن جدعان ، وعبد الكريم الجزري ، وعطاء بن
السائب ، وأيوب السختياني ، والعلاء بن عبد الرحمن ، وقاسم الرجال ،
ومنصور بن المعتمر ، ومنصور بن صفية الحجبي ، ويزيد بن أبي زياد ،
وهشام بن عروة ، وحميد الطويل ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبي
يعفور العبدي ، وابن عجلان ، وابن أبي ليلى ، وسليمان الأعمش ،
وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح ، وعبد الله بن أبي نجيح ،
وعبد الرحمن بن القاسم ، وأمية بن صفوان الجمحي ، وجامع بن أبي
راشد ، وحكيم بن جبير ، وسعد بن إبراهيم قاضي المدينة ، وصالح
مولى التوأمة -وقال : سمعت منه ولعابه يسيل- وعبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي حسين ، وأبي الزناد عبد الله بن ذكوان ، وعبد العزيز
بن رفيع ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وإسماعيل بن محمد
بن سعد ،
وأيوب بن موسى ، وبرد بن سنان ، وبكر بن وائل ، وبيان بن
بشر، وسالم بن أبي حفصة ، وأبى حازم الأعرج ، وسمي مولى أبي
صالح، وصدقة بن يسار ، وصفوان بن سليم ، وعاصم بن كليب
الجرمي ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ، وعبد الله بن طاووس ، وعبد
الله بن عثمان بن خُثَيم ، ومحمد بن جحادة ، ومحمد بن السائب بن
بركة ، ويزيد بن يزيد بن جابر الدمشقي ، ويونس بن عبيد ، وسفيان ،
وشعبة ، وزياد بن سعد ، وزائدة بن قدامة ، وخلق كثير ، وتفرد بالرواية
عن خلق من الكبار .
حدث عنه : الأعمش، وابن جريج ، وشعبة -وهؤلاء من شيوخه-
وهمام بن يحيى ، والحسن بن حي ، وزهير بن معاوية ، وحماد بن
زيد ، لأبراهيم بن سعد ، وأبو إسحاق الفزاري ، ومعتمر بن سليمان ،
وعبد الله بن المبارك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى القطان ،
والشافعي ، وعبد الرزاق ، والحميدي ، وسعيد بن منصور ، ويحيى بن
معين ، وعلي بن المديني ، وإبراهيم بن بشار الرمادي ، وأحمد بن حنبل ،
وأبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وإسحاق بن راهويه ،
وأبو جعفر النفيلي ، وأبو كريب ، ومحمد بن المثنى ، وعمرو بن علي
الفلاس ، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ، وعمرو بن محمد
الناقد ، وأحمد بن منيع ، وإسحاق بن منصور الكوسج ، وزهير بن
حرب ، ويونس بن عبد الأعلى ، والحسن بن محمد الزعفراني ،
والحسن بن الصباح البزار ، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم ، ومحمد
بن عاصم الثقفي ، وعلي بن حرب ، وسعدان بن نصر ، وزكريا بن
يحيى المَرْوَزي ، وبشر بن مطر ، والزبير بن بكار ، وأحمد بن شيبان
الرملي ،
ومحمد بن عيسى بن حبان المدائني ، وأمم سواهم ، خاتمهم
في الدنيا شيخ مكي يقال له: أبو نصر اليسع بن زيد الزينبي ، عاش إلى سنة
اثنتين وثمانين ومائتين
.
وما هو بالقوي .
ولقد كان خلق من طلبة الحديث يتكلفون الحج ، وما المحرك لهم
سوى لقي سفيان بن عيينة ، لإمامته وعلو إسناده .
وجاور عنده غير واحد من الحفاظ .
ومن كبار أصحابه المكثرين عنه : الحميدي ، والشافعي ، وابن
المديني ، وأحمد ، وإبراهيم الرمادي .
قال الإمام الشافعي . لولا مالك وسفيان بن عيينة ، لذهب علم
الحجاز .
وعنه قال : وجدت أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة سوى
ستة أحاديث ، ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثا .
فهذا يوضح لك سعة دائرة سفيان في العلم ، وذلك لأنه ضم
أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين .
وارتحل ولقي خلقا كثيرا ما لقيهم مالك . وهما نظيران في
الإتقان ، ولكن مالكا أجل وأعلى ، فعنده نافع وسعيد المقبري .
قال عبد الرحمن بن مهدي : كان ابن عيينة من أعلم الناس
بحديث الحجاز .
وقال أبو عيسى الترمذي : سمعت محمدا -يعني البخاري-
يقول : ابن عيينة أحفظ من حماد بن زيد .
قال حرملة : سمعت الشافعي يقول : ما رأيت أحدا فيه من آلة
العلم ما في سفيان بن عيينة ، وما رأيت أكف عن الفتيا منه . قال : وما
رأيت أحدا أحسن تفسيرا للحديث منه .
قال عبد الله بن وهب : لا أعلم أحدا أعلم بتفسير القرآن من ابن
عيينة ، وقال : أحمد بن حنبل أعلم بالسنن من سفيان .
قال وكيع : كتبنا عن ابن عيينة أيام الأعمش .
قال علي بن المديني : ما في أصحاب الزهري أحد أتقن من
سفيان بن عيينة .
قال ابن عيينة : حج بي أبي وعطاء بن أبي رباح حي .
وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان ابن عيينة ثبتا في الحديث ;
وكان حديثه نحوا من سبعة آلاف ، ولم تكن له كتب .
قال بَهْز بن أسد : ما رأيت مثل سفيان بن عيينة . فقيل له : ولا
شعبة ؟ قال : ولا شعبة .
قال يحيى بن معين : هو أثبت الناس في عمرو بن دينار .
وقال ابن مهدي : عند ابن عيينة من معرفته بالقرآن وتفسير الحديث ،
ما لم يكن عند سفيان الثوري .
أخبرنا الحسن بن علي ، أخبرنا جعفر بن علي ، أخبرنا أبو طاهر
السلفي ، أخبرنا إسماعيل بن عبد الجبار ، أخبرنا أبو يعلى الخليلي ،
سمعت علي بن أحمد بن صالح المقرئ ، سمعت الحسن بن علي
الطوسي ،
سمعت محمد بن إسماعيل السلمي ، سمعت البويطي ،
سمعت الشافعي يقول : أصول الأحكام نيف وخمس مائة حديث ، كلها
عند مالك إلا ثلاثين حديثا ، وكلها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث .
رواته ثقات .
القاضي أبوالعلاء الواسطي ، مما سمعته منه ، الخطيب ، أنبأنا عبد
الله بن موسى السلامي ، سمعت عمار بن علي اللوري ، سمعت أحمد بن
النضر الهلالي ، سمعت أبي يقول : كنت في مجلس سفيان بن عيينة ، فنظر
إلى صبي ، فكأن أهل المسجد تهاونوا به لصغره ، فقال سفيان :
كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
ثم قال : يا نضر لو رأيتني
ولي عشر سنين ، طولي خمسة أشبار ، ووجهي كالدينار ، وأنا كشعلة نار ،
ثيابي صغار ، وأكمامي قصار ، وذيلي بمقدار ، ونعلي كأذان الفار ، أختلف
إلى علماء الأمصار ، كالزهري ، وعمرو بن دينار ، أجلس بينهم كالمسمار ،
محبرتي كالجوزة ، ومقلمتي كالموزة ، وقلمي كاللوزة ، فإذا أتيت قالوا :
أوسعوا للشيخ الصغير ، ثم ضحك .
في صحة هذا نظر ، وإنما سمع من المذكورين وهو ابن خمس عشرة
سنة أو أكثر .
قال أحمد بن حنبل : دخل سفيان بن عيينة على معن بن زائدة -يعني
أمير اليمن- ولم يكن سفيان تلطخ بعد بشيء من أمر السلطان ، فجعل
يعظه.
قال علي بن حرب الطائي : سمعت أبي يقول : أحب أن تكون لي
جارية في غُنْجِ سفيان بن عيينة إذا حدَّث .
قال رباح بن خالد الكوفي : سألت ابن عيينة فقلت : يا أبا محمد ، إن
أبا معاوية يحدث عنك بشيء ليس تحفظه اليوم ، وكذلك وكيع ، فقال :
صدقهم ، فإني كنت قبل اليوم أحفظ مني اليوم .
قال محمد بن المثنى العنزي : سمعت ابن عيينة يقول ذلك لرباح في
سنة إحدى وتسعين ومائة .
قال حامد بن يحيى البلخي : سمعت ابن عيينة يقول : رأيت كأن
أسناني سقطت ، فذكرت ذلك للزهري ، فقال : تموت أسنانك ، وتبقى
أنت . قال : فمات أسناني وبقيت أنا ، فجعل الله كل عدو لي محدثا .
قلت : قال هذا من شدة ما كان يلقى من ازدحام أصحاب الحديث
عليه حتى يبرموه .
قال غياث بن جعفر : سمعت ابن عيينة يقول : أول من أسندني إلى
الأسطوانة ، مِسْعَر بن كدام ، فقلت له : إني حدَث . قال : إن عندك
الزهري ، وعمرو بن دينار
.
قال أبو محمد الرامهرمزي : حدثنا موسى بن زكريا ، حدثنا زياد
بن عبد الله بن خزاعي ، سمعت سفيان بن عيينة يقول : كان أبي صيرفيا
بالكوفة ، فركبه دَين فحملنا إلى مكة ، فصرت إلى المسجد ، فإذا عمرو بن
دينار ، فحدثني بثمانية أحاديث ، فأمسكت له حماره حتى صلى ،
وخرح ، فعرضت الأحاديث عليه ، فقال : بارك الله فيك .
وروى أبو مسلم المستملي : قال ابن عيينة : سمعت من عمرو ما
لَبِثَ نوح في قومه -يعني تسع مائة وخمسين سنة .
قال مجاهد بن موسى : سمعت ابن عيينة يقول : ما كتبت شيئا إلا
حفظته قبل أن أكتبه .
قال ابن المبارك : سئل سفيان الثوري عن سفيان بن عيينة ، فقال :
ذاك أحدُ الأحدين
ما أغربه .
وقال ابن المديني : قال لي يحيى القطان . ما بقي من معلمي أحد غير
سفيان بن عيينة ، وهو إمام منذ أربعين سنة .
وقال علي : سمعت بشر بن المفضل يقول : ما بقي على وجه
الأرض أحد يشبه ابن عيينة .
وحكى حرملة بن يحيى أن ابن عيينة قال له -وأراه خبز شعير- : هذا
طعامي منذ ستين سنة .
الحميدي ، سمع سفيان يقول : لا تدخل هذه المحابر بيت رجل إلا
أشقى أهله وولده .
وقال سفيان مرّة لرجل : ما حرفتك ؟ قال : طلب الحديث . قال :
بشر أهلك بالإفلاس .
وروى علي بن الجعد عن ابن عيينة قال : من زيد في عقله ، نقص من
رزقه .
ونقل سنيد بن داود عن ابن عيينة قال : من كانت معصيته في الشهوة
فارج له ، ومن كانت معصيته في الكبر ، فاخش عليه ، فإن آدم عصى
مشتهيا ، فغفر له ، وإبليس عصى متكبرا فلعن .
ومن كلام ابن عيينة قال : الزهد : الصبر وارتقاب الموت .
وقال : العلم إذا لم ينفعك ضرك .
قال عثمان بن زائدة : قلت لسفيان الثوري : ممن نسمع ؟ قال :
عليك بابن عيينة وزائدة .
قال نعيم بن حماد : ما رأيت أحدا أجمع لمتفرق من سفيان بن عيينة .
وقال علي بن نصر الجهضمي : حدثنا شعبة بن الحجاح قال : رأيت
ابن عيينة غلاما ، معه ألواح طويلة عند عمرو بن دينار ، وفي أذنه قرط ، أو
قال : شَنْف
.
وقال ابن المديني : سمعت ابن عيينة يقول : جالست عبد الكريم
الجَزَري سنتين ، وكان يقول لأهل بلده : انظروا إلى هذا الغلام يسألني
وأنتم لا تسألوني .
قال ذؤيب بن عمامة السهمي : سمعت ابن عيينة يقول : سمعت من
صالح مولى التوأمة هكذا وهكذا ، وأشار بيديه - يعني كثرة - سمعت منه ،
ولعابه يسيل ، فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : فلا نعلمه روى عنه شيئا ،
كان منتقدا للرواة .
قال علي : سمعت سفيان يقول : عمرو بن دينار أكبر من الزهري ،
سمع من جابر ، وما سمع الزهري منه .
قال أحمد بن سلمة النيسابوري : حدثنا سليمان بن مطر ، قال : كنا
على باب سفيان بن عيينة ، فاستأذنا عليه ، فلم يأذن لنا ، فقلنا : ادخلوا
حتى نهجم عليه ، قال : فكسرنا بابه ، ودخلنا وهو جالس ، فنظر إلينا ،
فقال : سبحان الله ، دخلتم داري بغير إذني ، وقد حدثنا الزهري عن سهل
بن سعد
أن رجلا اطلع في جحر ، من باب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ومع النبي -صلى الله عليه وسلم- مدرى
يحك به رأسه فقال : لو علمت أنك تنظرني لطعنت بها في عينك ،
إنما جعل الاستئذان من أجل النظر
.
قال : فقلنا له : ندمنا يا أبا محمد . فقال: ندمتم ؟ حدثنا عبد الكريم
الجزري عن زياد، عن عبد الله بن معقل ، عن عبد الله بن مسعود
أن
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : الندم توبة
. اخرجوا فقد أخدتم رأس مال ابن عيينة .
سليمان هذا هو أخو قتادة بن مطر ، صدوق إن شاء الله . وزياد
المذكور في الحديث هو ابن أبي مريم .
قال محمد بن يوسف الفريابي : كنت أمشي مع ابن عيينة ، فقال لي :
يا محمد ، ما يزهدني فيك إلا طلب الحديث . قلت : فأنت يا أبا محمد ،
أي شيء كنت تعمل إلا طلب الحديث ؟ فقال : كنت إذ ذاك صبيا لا أعقل .
قلت : إذا كان مثل هذا الإمام يقول هذه المقالة في زمن
التابعين أو بعدهم بيسير ، وطلب الحديث مضبوط بالاتفاق ، والأخذ عن
الأثبات الأئمة ، فكيف لو رأى سفيان -رحمه الله- طلبة الحديث في وقتنا ، وما
هم عليه من الهَنَات والتخبيط ، والأخذ عن جهلة بني آدم ، وتسميع ابن
شهر
.
أمـا الخيام فإنها كخيامهـم
وأرى نساء الحي غير نسائهـا
قال عبد الرحمن بن يونس : حدثنا ابن عيينة قال : أول من جالست
عبد الكريم أبو أمية وأنا ابن خمس عشرة سنة . قال : وقرأت القرآن وأنا
ابن أربع عشرة سنة .
قال يحيى بن آدم : ما رأيت أحدا يختبر الحديث إلا ويخطئ ، إلا
سفيان بن عيينة .
قال أحمد بن زهير : حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي ، حدثنا سفيان
قال : قال حماد بن أبي سليمان ، ولم أسمعه منه : إذا قال لامرأته : أنت
طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، بانت بالأولى ، وبطلت الثنتان .
قال سفيان : رأيت حمادا قد جاء إلى طبيب على فرس .
قال أبو حاتم الرازي : سفيان بن عيينة إمام ثقة ، كان أعلم بحديث
عمرو بن دينار من شعبة ، قال : وأثبت أصحاب الزهري ، هو ومالك .
وقال عبد الرزاق : ما رأيت بعد ابن جريج مثل ابن عيينة في حسن
المنطق .
وروى إسحاق الكوسج عن يحيى : ثقة .
وعن ابن عيينة قال : الورع طلب العلم الذي به يعرف الورع .
روى سليمان بن أيوب ، سمعت سفيان بن عيينة يقول : شهدت
ثمانين موقفا .
ويروى أن سفيان كان يقول في كل موقف : اللهم لا تجعله آخر العهد
منك ، فلما كان العام الذي مات فيه لم يقل شيئا . وقال : قد استحييت من
الله -تعالى .
وقد كان لسفيان عدة إخوة ، منهم : عمران بن عيينة ، وإبراهيم بن
عيينة ، وآدم بن عيينة ، ومحمد بن عيينة . فهؤلاء قد رووا الحديث .
وقد كان سفيان مشهورا بالتدليس ، عمد إلى أحاديث رفعت إليه من
حديث الزهري ، فيحذف اسم من حدّثه ، ويدلسها ، إلا أنه لا يدلس إلا عن
ثقة عنده
.
فأما ما بلغنا عن يحيى بن سعيد القطان ، أنه قال : اشهدوا أن ابن
عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة ، فهذا منكر من القول ، ولا يصح ، ولا
هو بمستقيم ، فإن يحيى القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين مع قدوم
الوفد من الحج . فمن الذي أخبره باختلاط سفيان ، ومتى لحق أن يقول هذا
القول وقد بلغت التراقي ؟
وسفيان حجة مطلقا ، وحديثه في جميع دواوين الإسلام ، ووقع لي
كثير من عواليه ، بل وعند عبد الرحمن سبط الحافظ السلفي من عواليه
جملة صالحة . منها : جزء ابن عيينة ، رواية المروزي عنه ، وفي جزء علي
بن حرب رواية العبادان ، وجزآن لعلي بن حرب ، رواية نافلته أبي جعفر
محمد بن يحيى بن عمر الطائي ، وفي "الثقفيات" وغير ذلك . وقد جمع
عوالي ابن عيينة : أبو عبد الله بن منده ، وأبو عبد الله الحاكم ، وبعدهما أبو
إسحاق الحبال .
وكان سفيان -رحمه الله- صاحب سنة واتباع .
قال الحافظ بن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الفضل بن موسى ، حدثنا
محمد بن منصور الجواز ، قال : رأيت سفيان بن عيينة سأله رجل : ما تقول
في القرآن ؟ قال : كلام الله ، منه خرج ، وإليه يعود .
وقال محمد بن إسحاق الصاغاني : حدثنا لوين ، قال : قيل لابن
عيينة : هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية ؟ قال : حق على ما سمعناها
ممن نثق به ونرضاه .
وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي : حدثني أحمد بن نصر قال : سألت
ابن عيينة وجعلت ألحّ عليه ، فقال : دعني أتنفس . فقلت : كيف حديث عبد
الله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- :
إن الله يحمل السماوات على إصبع
.
وحديث :
إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن
. وحديث :
إن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق
. فقال سفيان : هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف
.
أبو عمر بن حيويه : حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن
عمار ; حدثنا عمر بن شبة ، حدثني عبيد بن جناد ، سمعت ابن عيينة ،
وسألوه أن يحدث فقال : ما أراكم للحديث موضعا ، ولا أراني أن يؤخذ
عني أهلا ، وما مثلي ومثلكم إلا ما قال الأول : افتضحوا فاصطلحوا .
قال إبراهيم بن الأشعث : سمعت ابن عيينة يقول : من عمل بما
يعلم ، كفي ما لم يعلم .
وعن سفيان بن عيينة قال : من رأى أنه خير من غيره فقد استكبر ، ثم
ذكر إبليس .
وقال أحمد بن أبي الحواري : قلت لسفيان بن عيينة : ما الزهد في
الدنيا ؟ قال : إذا أُنعم عليه فشكر ، وإذا ابتلي ببلية فصبر ، فذلك الزهد .
قال علي بن المديني : كان سفيان إذا سئل عن شيء يقول : لا
أحسن . فنقول : من نسأل ؟ فيقول : سل العلماء ، وسل الله التوفيق .
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري : سمعت ابن عيينة يقول : الإيمان
قول وعمل ; يزيد وينقص .
الطبراني : حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي : قيل لسفيان
بن عيينة : إن بشرا المريسي يقول : إن الله لا يُرى يوم القيامة . فقال : قاتل
الله الدويبة ، ألم تسمع إلى قوله -تعالى- :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء ، فأي
فضل للأولياء على الأعداء ؟
وقال أبو العباس السراج في "تاريخه" : حدثنا عباس بن أبي طالب ،
حدثنا أبو بكر عبد الرحمن بن عفان ، سمعت ابن عيينة في السنة التي أخذوا
فيها بشرا المريسي بمنى ، فقام سفيان في المجلس مغضبا ، فقال : لقد
تكلموا في القدر والاعتزال ، وأمرنا باجتناب القوم ، رأينا علماءنا ، هذا
عمرو بن دينار ، وهذا محمد بن المنكدر ، حتى ذكر أيوب بن موسى ،
والأعمش ، ومسعرا ، ما يعرفونه إلا كلام الله ، ولا نعرفه إلا كلام الله ، فمن
قال غير ذا فعليه لعنة الله مرتين ، فما أشبه هذا بكلام النصارى ، فلا
تجالسوهم .
قال المسيب بن واضح : سئل ابن عيينة عن الزهد : قال : الزهد فيما
حرم الله . فأما ما أحل الله ، فقد أباحكه الله ، فإن النبيين قد نكحوا ،
وركبوا ، ولبسوا ، وأكلوا ، لكن الله نهاهم عن شيء ، فانتهوا عنه ، وكانوا
به زهادا .
وعن ابن عيينة قال : إنما كان عيسى ابن مريم لا يريد النساء ، لأنه لم
يخلق من نطفة .
قال أحمد بن حنبل : حدثنا سفيان قال : لم يكن أحد فيما نعلم أشد
تشبها بعيسى ابن مريم من أبي ذر .
وروى علي بن حرب ، سمعت سفيان بن عيينة في قوله :
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
قال : الصالحون : هم أصحاب الحديث .
وروى أحمد بن زيد بن هارون ، حدثنا إبراهيم بن المنذر ، سمعت
ابن عيينة يقول : أنا أحق بالبكاء من الحطيئة ، هو يبكي على الشعر ، وأنا
أبكي على الحديث .
قال شيخ الإسلام عقيب هذا : أراه قال هذا حين حصر في البيت عن
الحديث ، لأنه اختلط قبل موته بسنة .
قلت : هذا لا نسلمه فأين إسنادك به ؟
أخبرنا أحمد بن سلامة الحداد في كتابه ، أنبأنا مسعود الجمال
وجماعة ، قالوا : أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ
حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا محمد بن عاصم الثقفي ، سمعت سفيان بن
عيينة سنة سبع وتسعين يقول :
عاصم ، عن زر قال : أتيت صفوان بن
عسال فقال : ما جاء بك ؟ قلت : جئت ابتغاء العلم ، قال :
فإن الملائكة
تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب
قلت : حك في نفسي أو
صدري مسح على الخفين بعد الغائط والبول ، فهل سمعت من رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك شيئا ؟ قال : نعم
كان يأمرنا إذا كنا سفرا ، أو
مسافرين أن لا ننزع خفافنا ، ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ، لكن من
غائط أو بول أو نوم
.
قلت : هل سمعته يذكرالهوى ؟ قال : نعم :
بينا نحن معه -صلى الله عليه وسلم- في
مسير ، إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري ، فقال : يا محمد ، فأجابه على
نحو من كلامه : هاؤم ، قال : أرأيت رجلا أحب قوما ولما يلحق بهم ؟
قال : المرء مع من أحب ، ثم أنشأ يحدثنا : أن من قبل المغرب بابا
يفتح الله للتوبة مسيرة عرضه أربعون سنة ، فلا يزال مفتوحا حتى تطلع
الشمس من قبله ، وذلك قوله تعالى :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ
الآية
.
وبه ، قال ابن عاصم : سمعت من ابن عيينة ، وأنا محرم لبعض
النساء ، ومن حج بعدي لم يره ، مات سنة
ثمان وتسعين ومائة .
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق بمصر ، أخبرنا أبو المحاسن
محمد بن هبة الله بن عبد العزيز الدينوري ببغداد ، أخبرنا عمِّي محمد بن
عبد العزيز في سنة تسع وثلاثين وخمس مائة ، أخبرنا عاصم بن الحسن ،
أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ، إملاء ،
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى ، حدثنا ابن عيينة ، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، عن عائشة
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها ،
وخرج من أسفلها
أخرجه الشيخان ، وأبو داود والترمذي والنسائي
.
أخبرنا أحمد بن إسحاق المصري ، أخبرنا أحمد بن يوسف ، والفتح
بن عبد السلام قالا : أخبرنا محمد بن عمر القاضي ، أخبرنا أبو الحسين
أحمد بن محمد البزاز ، أخبرنا علي بن عمر السكَّري ، أخبرنا أحمد بن
الحسن بن عبد الجبار الصوفي سنة ثلاث وثلاث مائة ، حدثنا يحيى بن
معين ، حدثنا ابن عيينة ، عن حميد الأعرج ، عن سليمان بن عتيق ، عن
جابر بن عبد الله
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بوضْع الجوائح ، ونهى عن بيع
السِّنين
أخرجه أبو داود
عن يحيى .
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، ويوسف بن أحمد ، قالا : أخبرنا
موسى بن عبد القادر سنة ثماني عشرة وست مائة ، أخبرنا سعيد بن أحمد بن
البناء ، أخبرنا علي بن أحمد البندار ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن
الذهبي ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي ، حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن زيد بن
ثابت :
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخص في العَرَايا
.
أخبرنا عبد الحافط بن بدران بنابلس ، أخبرنا الشيخ موفق الدين عبد
الله بن أحمد المقدسي في سنة خمس عشرة وست مائة ، أخبرنا محمد بن
عبد الباقي ، وكتب إليّ عبد الرحمن بن محمد الفقيه وجماعة ، أن
القاضي أبا القاسم عبدالصمد بن محمد الأنصاري ، أخبرهم في سنة عشر
وست مائة قال : أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمد ، قالا : أخبرنا أبو
الحسن علي بن محمد بن محمد الأنباري ، حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن
محمد بن أبي مسلم الفرضي ، حدثنا أبو بكر يوسف بن يعقوب الكاتب ،
حدثنا بشر بن مطر ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن إبراهيم بن أبي
بكر ، عن مجاهد في قوله عز وجل :
لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
قال : ذلك في الضيافة ، إذا أتيت
رجلا فلم يضفك ، فقد رخَّص لك أن تقول
.
قال ابن داود في كتاب "الشريعة" : حدثنا عبد الله بن محمد بن
النعمان ، حدثنا ابن أبي بزة ، سمعت سفيان بن عيينة يقول : لو صليت
خلف من يقرأ بقراءة حمزة أعدتُ . وثبت مثل هذا عن ابن مهدي ، وعن
حماد بن زيد نحوه .
وقال محمد بن عبد الله الحويطبي : سمعت أبا بكر بن عياش يقول :
قراءة حمزة بدعة .
قلت : مرادهم بذلك ما كان من قبيل الأداء ، كالسكت ،
والإضجاع في نحو شاء وجاء ، وتغيير الهمز ، لا ما في قراءته من
الحروف . هذا الذي يظهر لي ، فإن الرجل حجة ثقة فيما ينقل
.
قال محمود بن والان : سمعت عبد الرحمن بن بشر ، سمعت ابن
عيينة يقول : غضَبُ اللهِ الداءُ الذي لا دواء له ، ومن استغنى بالله أحوج
الله إليه الناس .
قال الحسين بن محمد القباني : حدثني عبد الرحمن بن بشر ، قال
سمعت ابن عيينة عشية السبت نصف شعبان سنة ست وتسعين ومائة يقول :
كمل لي في هذا اليوم تسع وثمانون سنة . ولدت
للنصف من شعبان سنة سبع
ومائة
قلت : عاش إحدى وتسعين سنة .
في فاصل الرامهرمزي
قال محمد بن الصباح الجَرداني ، قال
الخطيم في ابن عيينة :
سـيري نجاءً وقاكِ اللهُ من عطبٍ