تذكر أنه ببزوغ فجر هذه الجمعة :هناك حبيب لك ولربك ينتظر صلاتك عليه، وهناك قبر مظلم ينتظر نورك بسورة الكهف، وهناك ساعة استجابة تنتظرك لترتفع منزلتك عند ربك، وهناك أخ لك ينتظر دعائك له في ظهر الغيب 

الرياء...صوره وعلاجه



السلام عليكم ما هو الرياء؟ وماهي طرق العلاج منه؟ وجزاكم الله ألف خير

الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم الأخت الفاضلة/ oum حفظها الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإن هذا سؤال يحتمل مجلدة كاملة! فإنه سؤال عظيم القدر، لأنه يتعلق بأصل عظيم من أصول الدين لا يتقبل الله تعالى العمل إلا به، خاصة وأنك سألت أيضًا عن طرق علاجه، ومع هذا فإنا نأتي لك بأصول عامة في هذا الجواب تعينك - بإذن الله عز وجل – على فهم حقيقة الرياء وكيفية العلاج منه. فها هي فتاة تكون مع صاحباتها فتتعمد قاصدة أن تصلي أمامهن مثلاً، لتظهر الخشوع وتظهر الدين وتظهر قربها من ربها وهي تقصد بذلك أن تنال الحظوة في أنفسهم، وأن يثني الناس عليها خيرًا! ولو كانت لوحدها لما صلت ولما نشطت للعبادة من أصله، فهذا هو الرياء...إنها تريد أن يراها الناس، وأن يحمدوها على عبادتها ربها وتتعمد ذلك وهذا مقصدها، فهذا يبين لك حقيقة الرياء وأنه مأخوذ من الرؤيا، فالذي يقصد بالعمل الصالح أن يراه الناس ليثنوا عليه ويريد منهم المحمدة على ما يتقرب به إلى الله تعالى، فهذا هو الذي قد وقع في الرياء، وبهذا عرفت أنه مأخوذ من الرؤيا البصرية ولذلك سمي رياءً، أي أن صاحبه يُري الناس عمله متعمدًا ليحصل له الثناء الحسن والممدحة والمنزلة في قلوبهم. والرياء يشمل الأقوال والأعمال، إلا أنه قد يفرق بينهما، فمثلاً لو أن إنسانًا أظهر التسبيح والتهليل تعمدًا على النحو الذي وصفناه ليثني عليه الناس ولا يريد بذلك القربة من ربه عز وجل؛ فهذا من الرياء عمومًا إلا أنه يمكن أن يسمى بالسمعة أي أنه يُسمع قوله للناس ليثنوا عليه وينال الحظوة عندهم، فقد حصل بهذا فرق بين السمعة والرياء، وإن كان الرياء يشمل الأمرين عند الإطلاق، ولهذا المعنى ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (من سمَّع سمَّعَ اللهُ به، ومن يرائي يرائي الله به) متفق عليه. فظهر بذلك الفرق بينهما. وقد أشار الله جل وعلا إلى الرياء في مواضع من كتابه العزيز فقال جل وعلا عن طائفة من المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً} أي أنهم يقصدون بصلاتهم مُراءات الناس ولا يقصدون بذلك التقرب إلى الله جل وعلا. فهذا من حيث معنى الرياء. وأما عن حكمه فإن الرياء بهذا المعنى من المحرمات، بل هو من الشرك الأصغر، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه -: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) خرجه مسلم في صحيحه. ومعنى الحديث الشريف: أن من عمل عملاً قصد فيه غير وجه الله عز وجل كأن يقصد التقرب إلى الله عز وجل، ويقصد بذلك المحمدة عند الناس المتعمد بهذا القصد فقد وقع في الشرك الأصغر وهو الرياء المشار إليه. وهذا ورد فيه كثير من الأحاديث عن النبي الله صلى عليه وسلم تؤكد هذا المعنى كما أخرج أحمد في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله عز وجل يقول أنا خير خصيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئاً فإن جِدَة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني). وخرج أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). إذا علم هذا فإن الرياء أنواع عديدة وليست على شاكلة واحدة، فإن الرجل قد يكون قصده كاملاً أن يطلب محمدة الناس ولا يقصد بذلك التقرب إلى الله عز وجل من أصل نيته، وهذا لا ريب في بطلان عمله كما قال جل وعلا: { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً}. وأما إن كان أصل العمل مقصودًا به وجه الله عز وجل ثم طرأ عليه بعد ذلك نية الرياء فلم يسترسل المؤمن معها بل طرد هذا الخاطر فإنه لا يضره بإذن الله عز وجل، بل إنه مأجور على مجاهدته نفسه، فإن الشيطان قد يلقي هذه الوساوس في النفس. وأما إن جرى مع هذه النية واسترسل فيها فهل يحبط عمله أم لا؟ في هذا تردد بين أهل العلم - عليهم رحمة الله جيمًا - . فهذه إشارة لطيفة إلى شيء من صوره التي قد تعرض للإنسان. وأما عن كيفية علاج هذا الأمر فإن خير ما يقوم به العبد في جميع شؤونه هو التوكل على الله عز وجل وسؤاله جل وعلا أن يعينه على الإخلاص وأن يرزقه التوفيق في الدنيا والآخرة، ولذلك كان أعظم دعاء بل أوجب دعاء يدعو به المؤمن هو {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}. فالمؤمن على الدوام بحاجة إلى الهداية وبحاجة إلى التسديد لما يعرض له من الأمور ولما يجد له من الأحوال، فهو بحاجة إلى الهداية المجملة وبحاجة إلى الهداية المفصلة، وقد ثبت عن النبي – صلى الله وعليه وسلم - من دعائه العظيم: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفسوق والنفاق والشقاق والسمعة والرياء) أخرجه البيهقي. والخطوة الثانية هي: معرفة خطر الرياء ومضرته، فإنه يحبط العمل في كثير من صوره – والعياذ بالله عز وجل – وقد قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}. وقد تقدم قوله جل وعلا: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك...) الحديث. فبهذا النظر يحصل للمؤمن وجل من أن يحبط عمله عدا تعرضه لمقت الله عز وجل وغضبه بل وتعرضه أيضًا لعذابه، فإن الرياء من الشرك فهو من كبائر الذنوب، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم – في صحيح مسلم وغيره: أن الله عز وجل يجعل أول من يسعر بهم نار جهنم طائفة من المرائين الذين لم يقصدوا وجه الله عز وجل بأعمالهم الصالحة وذلك كالقتيل الذي قتُل بحسب الظاهر في سبيل الله، وكالمنفق الذي يتصدق رياءً للناس، وكذلك العالِم الذي يتعلم ليقال عالم، والحديث ثابت في الصحيح، ويشمله قول الله جل وعلا: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. فباستحضار هذا المعنى يخاف المؤمن من حبوط عمله من جهة ومن تعرضه لمقت الله وعذابه من جهة أخرى، فيكون أبعد الناس عنه. والخطوة الثالثة في ذلك: معرفة فضيلة الإخلاص فإنها تحفظ العمل، بل وتأتي بالرزق الحسن من الثناء والمحمدة من الناس وبدون قصد يقصده الإنسان، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً}، فإن الله جل وعلا يظهر فضل عباده المؤمنين لما علم من إخلاصهم وصدق نياتهم، ولذلك روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لوأن رجلاً عمل عملاً في صخرة لا باب لها ولا قوة خرج عمله إلى الناس كائنًا ما كان). وروي عنه - صلوات الله وسلامه عليه – أنه قال: (من كانت له سيرة صالحة أو سيئة أظهر الله منها رداءً يعرف به) أخرجهما البيهقي. وهذا المعنى له أصل عظيم ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أخرجه مسلم في صحيحه حيث سئل النبي - صلى الله عليه وسلم – عن الرجل يعمل العمل الصالح فيحمده الناس عليه فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) فسمَّاه صلوات الله وسلامه عليه – من عاجل بشراه، ولذلك فسر بها قول الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. فبمعرفة فضيلة الإخلاص تنبعث الهمة للحرص عليه والظفر به، وقد قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}. والخطوة الرابعة هي: الحرص على الأعمال التي يقدر الإنسان على إخفائها ولكن دون مبالغة في ذلك، فإن العمل تارة يحسن به أن يكون باديًا للناس وتارة أن يكون مخفيًّا، وهذا بحسب المقامات والأحوال التي تعرض للناس، فمثلاً لو أنك تصدقت أمام بعض أخواتك لتحثينهنَّ على طاعة الله وعلى الصدقة فإن لك في هذا أجرين: أجر الصدقة وأجر السنة الحسنة، كما ثبت هذا في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم – . هذا عدا أن إبداء الصدقات ونحوها من العبادات جائز لا حرج فيه عند السلامة من قصد الرياء، قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. وهذا أمر يحتاج إلى بسط لا يحتمل مثل هذا الجواب. والخطوة الخامسة: الحرص على مصاحبة أهل الخير من الأخوات الصالحات الفاضلات اللاتي يعنك على طاعة الله، فإن الإنسان إذا جالس أهل الخير وأهل الإخلاص وأهل المعرفة وسمع كلامهم حصل له اقتداء بأحوالهم وسهل عليه أن يتخلق بأخلاقهم، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة) متفق عليه. والخطوة السادسة: عدم إظهار التحرز من الرياء على طريق المبالغة أمام الناس، كمن تبذل جهدها أن تتحرز من الرياء فتكون بذلك قد وقعت في الرياء على الحقيقة؛ لأنها تظهر للناس أنها من المخلصين، فالصواب هو العمل الصالح الذي يصدر على سجيته، فإن احتجت إلى الصلاة أمام أخواتك وصاحباتك فصلي لا حرج عليك في ذلك، ولا تتجنبي ذلك لأجل الخوف من الرياء، ولذلك قيل: "إن ترك العمل الصالح خوفًا من الرياء هو من الرياء"، وهذا لا ريب أنه كلام مستقيم فينبغي الانتباه إليه، وهو يقودك إلى الخطوة السابعة وهي: أن تحرصي على أنك إن مضيت في عمل فجاءك خاطرك أنك ترائين وأنك تقصدين محمدة الناس فلا تلتفتي إلى ذلك، ولذلك قال بعض أهل العلم: "إذا جاءك الشيطان وأنت في السجدة فقال لك: طولتها لأجل الرياء، فزدها طولاً". وهذا من علاج هذا الأمر علاجًا قويًّا حتى ينكسر كيد الشيطان ويضمحل ويقوي المؤمن نفسه بطاعة الله عز وجل والمضي فيها. ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعًا من عباده المخلصين الصالحين الصادقين، وأن يجزيك خير الجزاء على سؤالك الكريم، وهذا غيض من فيض والكلام فيه يحتاج لأكثر من هذا البيان، ونسأل الله عز وجل لك التوفيق والسداد وأن يشرح صدرك وأن ييسر أمرك وأن يجعلك من عباد الله الصالحين وأن يوفقك لما يحب ويرضى. وبالله التوفيق.