علة التركيز على الطعن في الصحابة ولعنهم وتكفيرهم

12-1-2010 | إسلام ويب

السؤال:
ما رأيكم الشريف في هذه المقالة التالية الدالة على ارتداد عامة الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد
هناك أحاديث كثيرة مروية عن النبي تدل على أن عامّة الصحابة ارتدوا بعد النبي (ص) على أعقابهم وأنهم أحدثوا البدع و لذلك يذادون يوم القيامة عن الحوض (الذي من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا) كما يذاد البعير الضال ويقحمون في النار تقاحم الفراش و الجنادب، و إليك بعض منها:
1- ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ :كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم إلى قوله الحكيم ( صحيح البخاري ج 4 ص 110)
2- عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا كما خلقوا ثم قرأ: ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم ، ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين وذات الشمال ، فأقول يا رب أصحابي ! فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم . فأقول كما قال العبد الصالح : (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) . (سنن الترمذي ج 4 ص 39)
3- عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (صحيح البخاري ج 7 ص 206)
4- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم فقلت أين؟ قال إلى النار والله قلت وما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم قلت أين؟ قال إلى النار والله قلت ما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم. (صحيح البخاري ج 7 ص 208)
5- عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ ناس من دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. (صحيح البخاري ج 7 ص 209)
6- عن ابن المسيب أنه كان يحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يرد علي الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى. (صحيح البخاري ج 7 ص 208).
7- عن أبي وائل قال: قال عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعد.ك (صحيح البخاري ج 8 ص 87)
8- عن أبي حازم قال سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقو:ل أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي أبي عياش وأنا أحدثهم هذا فقال هكذا سمعت سهلا فقلت نعم قال وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال إنهم مني فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي. (صحيح البخاري ج 8 ص 87).
9- عن عبد الله بن عبيد الله بن أبى ملكية أنه سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بين ظهراني أصحابه: إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم فو الله ليقتطعن دوني رجال فلأقولن أي رب مني ومن أمتي فيقول إنك لا تدرى ما عملوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم. (صحيح مسلم ج 7 ص 66)
10- عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطني فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس فقلت للجارية استأخري عني، قالت إنما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت إني من الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لكم فرط على الحوض فإياي لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال فأقول فيم هذا؟ فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا. (صحيح مسلم ج 7 ص 67)
11- عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا أو لسنا إخوانك يارسول الله؟ قال أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهرى خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا. (صحيح مسلم ج 1 ص 151).
12- عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى المقبرة فسلم على المقبرة . فقال: السلام عليكم ، دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى ، بكم لاحقون. ثم قال: لوددنا أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: يا رسول الله أو لسنا إخوانك ؟ قال: أنتم أصحابي . وإخواني الذين يأتون من بعدى، وأنا فرطكم على الحوض. قالوا : يا رسول الله ! كيف تعرف من لم يأت من أمتك ؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهرانى خيل دهم بهم ، ألم يكن يعرفها ؟ قالوا : بلى . قال : فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين ، من أثر الوضوء. قال : أنا فرطكم على الحوض . ثم قال : ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال . فأناديهم : ألا هلموا فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك ، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم . فأقول : ألا سحقا سحقا .( سنن ابن ماجة ج 2 ص 1439)
13- عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر: ما بال أقوام يقولون إن رحمي لا ينفع، بلى والله إن رحمى موصولة في الدنيا والآخرة وإنى أيها الناس فرطكم على الحوض فإذا جئت قام رجال فقال هذا يا رسول الله أنا فلان وقال هذا يا رسول الله أنا فلان وقال هذا يا رسول الله أنا فلان فأقول قد عرفتكم ولكنكم أحدثتم بعدى ورجعتم القهقرى . (المستدرك ج 4 ص 74 و مجمع الزوائد - الهيثمى ج 10 ص 364)
14- عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليردن علىّ الحوض رجلان ممن قد صحبني فإذا رأيتهما رفعا لي اختلحا دوني. (مسند أحمد ج 3 ص 140)
15- عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: إنى ممسك بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار وتغلبونني تقاحمون فيه تقاحم الفراش أو الجنادب فأوشك أن أرسل بحجزكم، أنا فرطكم على الحوض فتردون علي معا وأشتاتا فأعرفكم بسيما كم كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله ويذهب بكم ذات الشمال وأناشد فيكم رب العالمين فأقول أي رب قومي أي رب أمتى فيقول يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم. (مجمع الزوائد - الهيثمى ج 3 ص 85)
16- عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إني ممسك بحجزكم، هلم عن النار هلم عن النار، و تغلبونني و تقاحمون فيها تقاحم الفراش و الجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم و أنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معا و أشتاتا أعرفكم بسيماكم و أسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين و ذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين أي رب قومي أي رب أمتي، فيقال: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ، ينادي: يا محمد يا محمد. فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغت، و لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت، و لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة، فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت، و لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت» قال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد اللّه الأشعري القمي، قلت بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، و قال فيه يحيى بن معين: صالح، و وثقه النسائي و ابن حبان.( تفسير القرآن العظيم.
و هناك ملاحظات:
1- إنّ المراد من المرتدين في هذه الأحاديث هم عامة الصحابة يدل على ذلك قول النبي «أصحابي أصحابي » في كثير منها ، و يدل عليه أن النبي أخبر في الحديث 4 بقوله «فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» على أن الناجين من النار من الصحابة، جماعة قليلة ؛ و يدل عليه أيضا قول النبي في الحديث 10 «يا أيها الناس» الدال على عموم الناس في أيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن أم سلمة حسبت أن النساء أيضا من المخاطبين فقوله (ص) بعد ذلك «إنى لكم فرط على الحوض فإياى لا يأتين أحدكم فيذاد عني كما يذب البعير الضال فأقول فيم هذا؟ فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا. يدل بالصراحة أن عامة الصحابة يطردون عن الحوض لإحداثهم البدع بعد النبي.
2- و ليس المراد منهم مانعي الزكاة في أيام أبي بكر الذين قد سُمّوا بأهل الردة؛ لأنّ مانع الزكاة و إن كان عاصياً لكنه لم يصر بذلك مرتدا و خاصة أنّ مانعي الزكاة في أيام أبي بكر لم يكونوا منكرين لأصل وجوب الزكاة بل حصلت لهم شبهة فإنهم قالوا «نحن لا ندفع زكاتنا بعده (ص) إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، و لا ندفعها إلا إلى من صلاته أي دعاؤه سكن لنا. (تفسير ابن كثير، ج‏2، ص 354). فهم اجتهدوا و أخطأوا في كيفية مصرف الزكاة و المجتهد المخطئ لا يصير بخطئه مرتدا مستحقاٌ لجهنم بل له أجر واحد فأؤلنك المانعون لم يصيروا بمنعهم مرتدين ليقال أنهم أهل الردة و يكونوا مرادين من المرتدين في تلك الأحاديث؛ و أيضا إنّ قول النبي «لم يزالوا ..» في الحديث 1 و 2 و 12 و قوله «ما برحوا ...» في الحديث 5 و قوله «ما زالوا ..» في الحديث 9 و قوله «إنهم كانوا يمشون» في الحديث 15 و 16 يدل كلها على أن ذلك ارتداد كان ارتدادا باقيا مستمرا في أؤلئك المرتدين بعد النبي ، لكن ارتداد مانعي الزكاة في أيام أبي بكر(لو سلّم) لم يستمر؛ لأن أبا بكر وأعوانه قتلوهم فلم يبق هناك ارتداد بعد ذلك فلا يمكن انصراف تلك الأحاديث إليهم.
3- يؤيد ما تدل عليه هذه الأحاديث من ارتداد عامة الصحابة بعد النبي (ص) قوله تعالى «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. فإن الاستفهام فيه ليس استفهاما حقيقيا إذ كل شئ معلوم لله بل لتوبيخ عامة الصحابة لارتدادهم بعد موت النبي أو قتله فالله أخبر فيه بانقلابهم على أعقابهم إلا القليل منهم كما يدل على قلة السالمين عن الإرتداد آخر الآية سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ؛ إذ «قليل من عبادي الشكور».
4- إنّ الحديثين 15 و 16 يدلان على أن عمر بن الخطاب في جملة المرتدين و الداخلين في النار يوم القيامة لأنه كان في جملة المخاطبين لكلام النبي فيهما فإن النبي (على حد رواية عمر) قد خاطب جماعة كان منهم عمر و قال «إنى ممسك بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار وتغلبونني تقاحمون فيه تقاحم الفراش أو الجنادب فأوشك أن أرسل بحجزكم أنا فرطكم على الحوض فتردون على معا وأشتاتا فأعرفكم بسيما كم كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله ويذهب بكم ذات الشمال وأناشد فيكم رب العالمين فأقول أي رب قومي أي رب أمتى فيقول يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم. وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد من المرتدين في هذه الأحاديث ليس مانعي الزكاة في أيام أبي بكر لأن عمر ليس منهم.
5- إن المؤمن العاقل لا يأخذ سنن نبيّه و معالم دينه من طريق المرتدين و أهل البدع و المتقامحين في النار بل يجب عليه أن يأخذها من طريق أهل بيت النبي الذين أنزل الله فيهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا. و جعلهم النبي و القرآن مرجعين علميّين للمسلمين بعده في قوله: أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربى فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال وأهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى.


الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد سبق لنا الجواب عن أصل هذه الشبهة في أجوبة سابقة، وهنا نود التنبيه على أصل المسألة، وهو أن أعداء الإسلام لما حاربوه وأيقنوا أنه لا قِبل لهم بمواجهته بالسيف، توجهوا لهدمه من الداخل. ومن المعلوم أن الطعن في القرآن أو في النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، لا يمكن أن يقوض بناء الدين من الداخل، لأن التشكيك في ذلك من الكفر البواح والباطل المستبين الذي لا يقبله أحد من المسلمين، فكان سبيل هؤلاء المبطلين هو الطعن في نقلة الدين وحامليه إلى من بعدهم، وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد وافق ذلك عند المبلطين هوى، حيث إن هؤلاء الصحابة هم الذين هزموا قوى الشرق والغرب، وهدموا معاقل الشرك والكفر، خاصة صرح المجوس الذي لم تقم له بعد ذلك قائمة.

فحقيقة الطعن في الصحابة الكرام إنما هو هدم الدين ولكن من داخله وبأيدي المنتسبين إليه.

 قال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله: إذا رأيت الرجل يطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن القرآن عندنا حق والسنة عندنا حق، وإنما نقل لنا القرآن والسنن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة. اهـ.

وهذا ما صرح به كاتب هذا المقال الأثيم، حيث قال: المؤمن العاقل لا يأخذ سنن نبيّه ومعالم دينه من طريق المرتدين وأهل البدع والمتقامحين في النار .

 ومعلوم أن القرآن نفسه إنما نقله إلينا هؤلاء الصحابة الكرام. وهذا يوضح لنا علة التركيز على الطعن في الصحابة ولعنهم وتكفيرهم، مع أنهم قد أفضوا إلى ما قدموا من قرون متطاولة، فالعلة هي ما أسلفنا من زعزعة أركان هذا الدين، بهدم طرق وصوله إلينا، وإلا فما الحاجة إلى هذا الطعن ؟

يقول الدكتور ناصر القفاري: وأي فائدة اليوم في اللعن والسب والتكفير الذي ملأوا به كتبهم وأسواقهم ومزاراتهم، وقد انقضى العصر الأول بكل ما فيه؟! لا هدف في الحقيقة إلا الطعن في القرآن والسنة والدين بعامة، وإلا إثارة الفتنة وتفرقة الأمة. وماذا يبقى من أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك السادة القادة الأتقياء الأصفياء الأوفياء الرواد الذين نشروا الإسلام وأقاموا دولته، وفتحوا البلاد وأرشدوا العباد، وبنوا حضارة لم تعرف لها الدنيا مثيلاً، إذا كان هؤلاء الرواد الأوائل لكل معالم الخير والعدل والفضائل يستحقون اللعن من أحفادهم، وتشويه تاريخهم، وهم الذين أثنى الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسجل التاريخ الصادق مفاخرهم بمداد من نور. فمن الذي يستحق الثناء والمديح؟ وأين أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك كذلك؟ اهـ.

وأما بالنسبة لخصوص هذه الشبه المذكورة، فنزيد هنا على ما سبق ما يأتي:

 أولا: إن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. كما قال الله تعالى: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ.{المنافقون: 1}.

 وهم من المنافقين الذين لم يكن يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم كما قال جل وعلا: وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ. {التوبة: 10}.

فهؤلاء من المنافقين الذين كان يظن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أصحابه ولم يكونوا كذلك.

ثانيا: المراد بهم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ارتد كثير من العرب بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: المراد المعنى العام، أي: كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يتابعه، فلا يدخلون تحت المعنى الاصطلاحي لكلمة صحابي. ويدل على هذا أن رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لما قال: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ.{المنافقون: 8}. نقل لعمر هذا الكلام فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. رواه البخاري. فجعله النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، ولكن على المعنى اللغوي لا على المعنى الاصطلاحي؛ لأن عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وكان ممن فضحه الله تبارك وتعالى وممن أظهر نفاقه جهرة.

رابعا: قد يراد بكلمة أصحابي كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الطريق ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: "أمتي" أو "إنهم أمتي".

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: « أعرفهم » فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يعرف هذه الأمة، فقيل له: يا رسول الله كيف تعرفهم ولم ترهم؟ فيقول: إني أعرفهم من آثار الوضوء. رواه مسلم. ويؤكد هذا فهم ابن أبي مليكة راوي الحديث عندما قال: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا. وهو من التابعين .اهـ من كتاب (حقبة من التاريخ).

ومما يلاحظ على هذا المقال إيهام صاحبه أن أهل الردة الذين قاتلهم المهاجرون والأنصار مع أبي بكر الصديق هم مانعو الزكاة، ليخلص من ذلك إلى أنهم ليسوا هم المعنيين بهذه الأحاديث التي ذكرها. وليس هذا بصحيح، فأعتى حروب الردة كانت مع مدعي النبوة وأتباعهم، من أصحاب مسيلمة وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وسجاح، فهؤلاء كانوا أكثر المرتدين عددا وأقواهم شوكة.

 وكان قتالهم وقتال مانعي الزكاة من المناقب التي اختص الله بها أبا بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار، وعليه يُؤوَّل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.  {المائدة: 54}. فكان هؤلاء القوم هم أبو بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار. وكل من يعرف تفاصيل حروب الردة لا يشك في ذلك، ومن ذلك ما ذكره المؤرخون عن إنفاذ أبي بكر لبعث أسامة وتصديه للمرتدين.

 قال ابن كثير: فجهزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة ومانعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله، قال سيف بن عمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه قال: ليتم بعث أسامة. وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم. فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته. وقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث القاسم وعمرة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق، والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها وصار أصحاب محمد كأنهم معزى مطيرة في وحش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها. اهـ. وراجع في ذلك الفتويين: 73349، 63728. وبهذا يُعلم أي الطائفتين ينبغي أن تحمل عليها الأحاديث الواردة في المقال.

ومن مزيد العجب أن صاحب المقال ذهب إلى أنه لا يمكن حمل هذه الأحاديث على مانعي الزكاة، وعلل ذلك بأن ألفاظها تدل على أن ذلك الارتداد (كان ارتدادا باقيا مستمرا في أولئك المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ارتداد مانعي الزكاة في أيام أبي بكر لو سلّم لم يستمر؛ لأن أبا بكر وأعوانه قتلوهم فلم يبق هناك ارتداد بعد ذلك فلا يمكن انصراف تلك الأحاديث إليهم) !!

فإذا عُرف ما قدمناه من أن المرتدين في الأصل هم مدعو النبوة وأتباعهم، انهدمت قاعدة بنائه، وذلك أن الردة بدعوى النبوة باقية إلى قيام الساعة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين يدي الساعة قريب من ثلاثين دجالين كذابين كلهم يقول: أنا نبي، أنا نبي. رواه البخاري وأحمد واللفظ له.

وأما الاستدلال بقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. {آل عمران : 144}. على ارتداد الصحابة، وأن الله تعالى وبخهم على ذلك قبل حصوله وهم أحياء فهذا مما لا ينقضي منه العجب، فالآية تتناول ما حصل في غزوة أحد كما هو معروف.

 قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحُد، وقُتِل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل. ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين فقال لهم: قتلتُ محمدًا. وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَشَجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قَصَّ الله عن كثير من الأنبياء، عليهم السلام، فحصل وهَن وضعف وتَأخر عن القتال ففي ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم:  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . أي: له أسْوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه .. ثم قال تعالى منكرا على من حصل له ضعف:  أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. أي: رجعتم القَهْقرى. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيا وميتا، وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طُرق متعددة تفيد القطْع أن الصدّيق رضي الله عنه تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ.

فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رأس هؤلاء الشاكرين. وكذلك كان المهاجرون والأنصار الذين وقفوا معه في وجوه المرتدين، وبذلك تكون هذه الآية إحدى مناقبهم لا دليلا على ردتهم رضي الله عنهم.

 قال السعدي: في هذه الآية أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم سادات الشاكرين. اهـ.

ومن عجائب هذا المقال حمله لحديث " إني ممسك بحجزكم عن النار " على عمر بن الخطاب؛ لمجرد أنه راويه، وأنه كان ضمن جماعة سمعوا هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه الذين هم أهل النار، وأنه قد علم بذلك هو وأصحابه هؤلاء، وأن أحد هؤلاء وهو عمر بن الخطاب حدث الناس بما يفيد أنه من أهل النار، وسمعه الناس ونقلوه، ومع ذلك عظموه وجعلوه أميرا عليهم وكفى بهذا الفهم الرديء خزيا وفضيحة. والصواب الذي يراه كل ذي عينين أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني بذلك جميع الأمة التي بعث إليها، وأنه يُصوِّر حال من أبى الإسلام من هذه الأمة، كنحو قوله صلى الله عليه وسلم: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى. رواه البخاري. ويؤيد هذا أن البخاري روى هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها. متفق عليه. ويؤكد هذا أن في رواية عمر نفسها: فأعرفكم بسيماكم كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله. ومثل هذا لا يصح إطلاقه في حق عمر وأمثاله، وإنما يصح في حق من لم يرهم النبي صلى الله عليه وسلم أو رآهم ولم تطل صحبتهم له، خاصة وأن هذه الرواية لفظها: "فأقول: أي رب قومي، أي رب أمتي". ولم يقل: أصحابي.

وعلى أية حال فتفصيل هذا الموضوع لا بد من الرجوع فيه إلى الكتب المعنية ببيان عقيدة أهل السنة في الصحابة تفصيلا، وبيان الشبهات التي يثيرها أهل البدع في ذلك.

والله أعلم.

www.islamweb.net