لماذا لم يخصص رسول الله مكانًا للنساء يصلين فيه، ولم يبنِ حاجزًا للفصل؟

25-11-2015 | إسلام ويب

السؤال:
أحدهم يقول: "مصليات النساء في المساجد بينها وبين الرجال جدران، وحتى النوافذ لا توجد في الغالب، بل إن بعض مصليات النساء خلف سرحة المسجد منعًا للفتنة حسب ما يزعمون، مع العلم أن صلاة النساء مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانت في نفس المسجد خلف الرجال، ولم يكن هناك جدران، ولا حواجز.
ليس هناك دليل ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بنى جدرًا في مسجده تصلي فيها النساء، بل ما يحصل الآن تشدد، ومبالغة، على أن المكان مكان عبادة، وبناء الجدر، وعزل النساء بهذه الصفة فيه محاذير كثيرة، وخطر على النساء، أولها: بعدهن عن الرجال، وانقطاع الميكروفون، أو الكهرباء، فهل مَن وضع هذا الأمر أغير من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟
ليكن فاصل خفيف، ومتوسط، وقريب من الإمام والناس ليس فيه إشكال، والإشكال أنهم جعلوا المصليات في حجرات مستقلة تحت زعم عدم الاختلاط، فما هذا الفهم السقيم للعفة، والتستر؟ ما أجمل الوسط في كل شيء، وكل هذا التعنت لأجل الستر في زعمهم، أشق على الناس في أمر لم يفعله، أو يأمر به رسول الهدى صلى الله عليه وسلم!" tكيف نرد على صاحب القول السابق؟ وهل ما قاله صحيح؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فلا شك أن النساء كن يصلين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد خلف صفوف الرجال، من غير أن يكون بينهن وبين الرجال حائط.

ومع ذلك؛ فإن من تأمل التدابير التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم لإبعاد الفتنة بهنّ أدرك أن فصلهنّ عن الرجال مطلب شرعي، ولو بجعل حاجز، أو تخصيص مكان لهن إن أمكن ذلك، لا سيما في مثل هذا الزمن الذي درنت فيه القلوب، وقلّ فيه التزام النساء بالحجاب الشرعي الكامل، وقلّت فيه الاستقامة، ومن تلك التدابير التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم:

1) إخباره صلى الله عليه وسلم أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، كما في حديث: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ. رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما. فهذا أبلغ في إبعادها عن الرجال من جعل حاجز، أو تخصيص مكان لهن يصلين فيه في المسجد.

2) إخباره صلى الله عليه وسلم أن أفضل صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وأن خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، كما في حديث: خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا, وَشَرُّهَا آخِرُهَا, وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا, وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قال النووي في شرحه: وَإِنَّمَا فَضَّلَ آخِرَ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْحَاضِرَاتِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ، وَرُؤْيَتِهِمْ، وَتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهِمْ عِنْدَ رُؤْيَةِ حَرَكَاتِهِمْ، وَسَمَاعِ كَلَامِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَمَّ أَوَّلَ صُفُوفِهِنَّ لِعَكْسِ ذَلِكَ.

3) حرصه صلى الله عليه وسلم على انصراف النساء من الصلاة قبل خروج الرجال حتى لا يختلطوا، وقد بوّب أبو داود في سننه بابًا، فقال: بابُ انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنَ الصَّلَاةِ .. وذكر فيه حديث أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ قَلِيلًا، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ، كَيْمَا يَنْفُذُ النِّسَاءُ قَبْلَ الرِّجَالِ. ورواه ابن حبان أيضًا بلفظ: كُنَّ النِّسَاءُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ مِنَ الرِّجَالِ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَالُ. اهـ. وبوّب عليه بابًا فقال: ذِكْرُ مَا يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُمُ التَّرَبُّصُ لِانْصِرَافِ النِّسَاءِ ثُمَّ يَقُومُونَ لِحَوَائِجِهِمْ.

4) ترغيبه صلى الله عليه وسلم في تخصيص باب للنساء يدخلن ويخرجن منه، فقال -كما في حديث ابن عمر مرفوعًا-: لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ. قَالَ نَافِعٌ راوي الحديث: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ.

5) حرص النساءِ أنفسِهِن -رضي الله عنهن- في زمنه على الانصراف قبل الرجال، وقد بوّب البخاري في صحيحه بابًا فقال: باب سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ .. وذكر فيه حديث عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ -أَوْ لاَ يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا-.

قال ابن بطال في شرحه: هذه السنة المعمول بها أن تنصرف النساء في الغلس قبل الرجال ليخفين أنفسهن، ولا يتبين لمن لقيهن من الرجال، فهذا يدل أنهن لا يُقمن في المسجد بعد تمام الصلاة، وهذا كله من باب قطع الذرائع، والتحظير على حدود الله، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة الإثم في الاختلاط بهن.

فمن أمعن النظر في هذه التدابير، والتشريعات لم يمتنع عنده تخصيص مكان للنساء في المسجد يحتجبن فيه عن رؤية الرجال، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك في زمنه لعلمه بأن تلك التدابير كافية في إبعاد الفتنة، مع معرفته بحال المجتمع من قوة الديانة، وطهارة قلوب أصحابه، فهم خير أمة أخرجت للناس، ولو أن الرجال والنساء في زمننا هذا استقاموا على تلك التشريعات لما احتاج الناس لمزيد من الفصل بينهم.

والخلاصة: أنه ليس في بناء حاجز بين مصلى الرجال والنساء، ولا في تخصيص مكان للنساء يصلين فيه، ليس في ذلك شيء من التشدد، كما زعم صاحب ذلك المقال، والواقع يشهد بأن كثيرًا ممن يُثَرِّبُ على فصل النساء على الرجال في المساجد، وغيرها ليس الحامل له على تثريبه الغيرة على الدين من التنطع، والتشدد، ويبرهن على هذا ما هم عليه في الحقيقة من التفريط، والتساهل في موضوع النساء، والاختلاط بهن مما لا يُختَلفُ في تحريمه، نسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياهم، وسائر المسلمين.

والله تعالى أعلم.

www.islamweb.net