لا عذر للمبتلى باللواط في البقاء عليه بل يجب عليه التوبة منه

31-1-2016 | إسلام ويب

السؤال:
لماذا لم يتكلم الإمام ابن القيم عن مفهوم البلاء في باب اللواط، ولم يذكر الفرق بين الميل والفعل، إلا بطريقة غير مباشرة في آخر كتابه، ولكن يبدو من كلامه، أن من كان يمارس ذلك الذنب، هو من وضع نفسه في هذا البلاء، عكس الوضع الآن. ويبدو أن المفتي لم يفهم سؤالي في الفتوى رقم:(312841)
هل أنا كشخص مبتلى، ثم مارست اللواط، يبقى البلاء الذي أنا فيه، بلاء حتى التخلص منه، حتى لو مارست الميول، أم إن ثوابه سقط بسبب وقوعي في الذنب؟ ولكني مغلوب على نفسي، فإذا كان من الصحابة من زنا فكيف بحالي، وأنا لا أمتلك ميولا فيها حلال؟
والسؤال الأخير، وأرجو أن يشرحه المفتي شرحا مفصلا: ماذا عن الوصم الاجتماعي الذي نتج عن الجهل، وتشويه الإعلام، وتحريضه، واستغلاله؟ ماذا لو زادت ثقافة المجتمع، وعلم أن اللواط موجود في الحيوانات، كما أوضح المفتى في الفتوى رقم: (131065) وأيضا حقوقي كمبتلى في الفتوى رقم: (267901) لو علم المجتمع الجاهل الذي يجهل دينه، وأمور الحياة، هذا الموضوع، وأنه يمكن التعافي منه. ألن يُزيل وصمة العار التي نتجت عن الجهل، والتخلف؛ فالناس لا يدركون الفرق بين الميول المثلية الشاذة غير الفطرية، وبين اضطراب الهوية الجنسية، ولا يعرفون أن هذه الميول ابتلاء نتيجة التحرش، أو الاغتصاب في الصغر، أو الحساسية الزائدة، أو إهمال الأب إلى آخره.
بالتالي يصبح اللواط شأنه كشأن الزنا، فمثلا شخص جاهل، ثم تعلم هذه الأمور في دينه، سوف يصبح يعامل المبتلى معاملة حسنة، بينما من يمارس اللواط، سوف يزول عنه العار الذي نتج من جهل، وتشويه الإعلام.
فأرجو شرح هذه النقطة: هل يتعارض إزالة الوصمة الاجتماعية مع الدين، ويبقى عار معصية بسيط الذي هو حقيقة الذنب وعاره؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فنصيحتنا للسائل أن يبحث عن العلاج الناجع من هذا البلاء، وأن يراجع أهل الاختصاص في ذلك، وقد أشرنا عليه في الفتوى السابقة برقم: 312841  بأن يراسل قسم الاستشارات من موقعنا.
ونصيحتنا له كذلك، ألا يكثر من الأسئلة في هذا الباب؛ فإن ذلك لن يغيّر من شناعة هذه الفاحشة.
ومن الغريب الادعاء بأن الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- لم يتكلم عن مفهوم البلاء في باب اللواط؛ إلا أن يكون مفهوم البلاء عند السائل، أن يعتذر لأصحاب الفاحشة المنكرة بفعلهم، ويهون من جرمهم، فهذا اعتذار أصحاب المعاصي المحتجين بمعاصيهم على أقدار الله، وهو من جنس حجة المشركين كما قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا {الأنعام: 147} وهو احتجاج باطل، لا حجة لهم فيه، إذ لو كان حجة لأحد في ذنب، لكان حجة لإبليس وفرعون.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة: فإن الاحتجاج بالقدر، باطل باتفاق أهل الملل، وذوي العقول، وإنما يحتج به على القبائح والمظالم من هو متناقض القول، متبع لهواه، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. ولو كان القدر حجة لفاعل الفواحش، والمظالم لم يحسن أن يلوم أحد أحدا، ولا يعاقب أحد أحدا، فكان للإنسان أن يفعل في دم غيره، وماله، وأهله ما يشتهيه من المظالم والقبائح، ويحتج بأن ذلك مقدر عليه. انتهى.
وابن القيم -رحمه الله- تناولَ مفهوم البلاء في باب اللواط، أحسن تناولٍ، حيث بيّن عظم هذا البلاء وخطورته؛ لتنفر منه النفوس.

فقال في الجواب الكافي: وَلَمَّا كَانَتْ مَفْسَدَةُ اللِّوَاطِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ؛ كَانَتْ عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُقُوبَاتِ... إلى آخر كلامه، الذي بيّن فيه خطورة هذا البلاء، وصعوبة نجاة صاحبه.

  ثم بيّن أن توبته ممكنة، فقال: إِنْ تَابَ الْمُبْتَلَى بِهَذَا الْبَلَاءِ وَأَنَابَ، وَرُزِقَ تَوْبَةً نَصُوحًا وَعَمَلًا صَالِحًا، وَكَانَ فِي كِبَرِهِ خَيْرًا مِنْهُ فِي صِغَرِهِ، وَبَدَّلَ سَيِّئَاتِهِ بِحَسَنَاتٍ، وَغَسَلَ عَارَ ذَلِكَ عَنْهُ بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَحَفِظَ فَرْجَهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَصَدَقَ اللَّهَ فِي مُعَامَلَتِهِ، فَهَذَا مَغْفُورٌ لَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، وَإِذَا كَانَتِ التَّوْبَةُ تَمْحُو كُلَّ ذَنْبٍ، حَتَّى الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَقَتْلَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَالسِّحْرَ وَالْكُفْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا تَقْصُرُ عَنْ مَحْوِ هَذَا الذَّنْبِ، وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ عَدْلًا وَفَضْلًا أَنَّ: التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَى، أَنَّهُ يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ، وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ لِكُلِّ تَائِبٍ مِنْ ذَنْبٍ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 53 ]. فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ هَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِينَ خَاصَّةً. انتهى.
ثم تناول هذا البلاء من عدة أوجه، لخصها في هذه الأسئلة التي أجاب عنها، حيث قال: فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ مَعَ هَذَا كُلِّهِ دَوَاءٌ لِهَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ؟ وَرُقْيَةٌ لِهَذَا السِّحْرِ الْقَتَّالِ؟ وَمَا الِاحْتِيَالُ لِدَفْعِ هَذَا الْخَبَالِ؟ وَهَلْ مِنْ طَرِيقٍ قَاصِدٍ إِلَى التَّوْفِيقِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ السَّكْرَانَ بِخَمْرِ الْهَوَى أَنْ يُفِيقَ؟ وَهَلْ يَمْلِكُ الْعَاشِقُ قَلْبَهُ وَالْعِشْقُ قَدْ وَصَلَ إِلَى سُوَيْدَائِهِ؟ وَهَلْ لِلطَّبِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ حِيلَةٌ فِي بُرْئِهِ مِنْ سُوَيْدَائِهِ؟ انتهى.
فكيف يقال بعد هذا إن ابن القيم -رحمه الله- لم يتكلم على مفهوم البلاء في باب اللواط.
ونعتذر عن الإجابة عن بقية الأسئلة؛ لما ذكرناه سابقا من أنها لن تفيد السائل في تسويغ فعلته، ولا لعلاجه من هذا البلاء، وكذلك لتضمن سؤاله أكثر من سؤال، وسياسة استقبال الأسئلة عندنا أن لا يرسل السائل أكثر من سؤال واحد في كل رسالة. وراجع هاتين الفتويين: 131065، 267901، ففيهما بعض ما سألت عنه.
وانظر الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 57110، 59332، 56002، 60222، فإن فيها وسائل نافعة لعلاج الشذوذ، ونصائح مفيدة للاستقامة على طريق الهداية.

والله أعلم.

www.islamweb.net