مدى صحة قول ابن عباس: (كفر دون كفر) ومعناه

13-12-2017 | إسلام ويب

السؤال:
تكلم الشيخ الخطيب اﻹدريسي في كتابه: "أنباء خاتم اﻷنبياء" حول قول ابن عباس: (كفر دون كفر)، فقال: بالنسبة لما رواه الحاكم في أثر صحيح عن ابن عباس، قوله في الحكم بغير ما أنزل الله هو: (كفر دون كفر), فهذا موقوف على ابن عباس، والموقوف على الصحابي لا يؤخذ إلا بشرطين: أحدهما: ألا يخالف نصًّا من القرآن أو السنة، واﻵخر: ألا يخالف صحابيًّا آخر أوثق منه. والوثوق طول الصحبة؛ لأن الصحابة كلهم عدول. وهذا القول: (كفر دون كفر)، خالف قول ابن مسعود الذي قال: (ذاك الكفر)، وعرفه بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، والله يعني الكفر اﻷكبر، فلا يؤخذ بقول ابن عباس الذي خالف ابن مسعود، لا سيما وأن ابن مسعود أطول صحبة وأفقه منه. وسبب نزول اﻵية يزيل الشبهة، فقد نزلت في اليهود حين غيروا حدّ دية القتيل المنزلة في التوراة...
وقال أيضًا: ونرد على القائلين بأن من لم يحكم بما أنزل لا يكفر إلا بالاستحلال، أن هذا باطل؛ لأن اﻹيمان قول وعمل، فمن كفر قولًا أو عملًا، لا ينفعه إيمانه وإن ادعاه؛ ﻷن السرائر موكلة إلى الله.
وأنا بكل صراحة لا أرتاح، ولا أطمئن للقول اﻵخر في هذه المسألة الحساسة، فهل أصاب الشيخ في أقواله؟ أريد جوابًا منصفًا -جزاكم الله خيرًا-.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فبداية: ننبه على أن أسانيد هذا الأثر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في صحتها خلاف. وبعد الحكم بصحة الأثر، يبقى النظر في دلالته، ومناط الحكم فيه.

 والصواب -إن شاء الله- أن هذا الأثر لا يعني أن كل صور الحكم بغير ما أنزل الله هي من الكفر الأصغر، وإنما يفيد أن تعميم الحكم بكونه من الكفر الأكبر لا يستقيم، فبعض الصور تكون من الكفر الأكبر، وبعضها من الكفر الأصغر، بحسب الحال.

ومن صور الكفر الأصغر ما حصل في عصر ابن عباس -رضي الله عنهما- من مخالفة ما أنزل الله في بعض الأحكام، مع الإقرار والإذعان لحكم الله، واعتراف المخالف بإثم المخالفة.

وكذلك أثر ابن مسعود -رضي الله عنه- لا يعني أن من أخذ الرشوة ليحكم بخلاف ما أنزل الله، أنه كافر كفرًا أكبر، هكذا بإطلاق، بل ذلك يكون إن جحد حكم الله، أو استحل الحكم بخلافه، ونحو ذلك من نواقض الإيمان، وأما إن أقر بحكم الله، والتزم به، ثم حمله هواه على مخالفته رغبة في الرشوة، مع علمه بالذنب، واعترافه بالحرمة، فهذا كفره كفر عملي، أو كفر أصغر لا يخرج من الملة.

وقد ذكر الحافظ ابن كثير أثر ابن مسعود بإسناد ابن جرير الطبري، عن علقمة، ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت. فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر! ثم تلا: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.

قال: وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، قال: من جحد ما أنزل الله، فقد كفر. ومن أقر به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق.

قال: ثم اختار -يعني الطبري- أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب. اهـ.

فالكفر إنما هو لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولمن شابههم من المسلمين في الجحود، أو الاستحلال، أو الإعراض والاستبدال، ونحو ذلك، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن، بعد أن حكى الخلاف في ذلك: ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا، واخترع حكمًا يخالف به حكم الله، وجعله دينًا يعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكمًا كان أو غيره. اهـ.

وقال الشيخ سليمان آل الشيخ في (التوضيح عن توحيد الخلاق): كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- فيمن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع خاصة، مع الاعتراف بالقلب والإقرار باللسان أن ما عدل عنه هو حكم الله، كما قال عكرمة في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}: إن من عرف بقلبه أنه حكم الله، ولم يقر بلسانه، ولم ينقد إليه بقلبه، بل جحده، فقد كفر كفرًا لا إيمان معه، وأن من اعترف بقلبه، وأقر بلسانه أنه حكم الله، ولكنه أخطأ الصواب، وأتى بما يضاده من مسائل الفروع التي ليس لها تعلق بالأصل من غير استحلال، فلا يدخل في الكفر الحقيقي – إلى أن قال: - تحقيق معنى الآية: أن الحكم بغير ما أنزل الله إن كان في الأصل من التوحيد وترك الشرك، أو كان في الفروع ولم يقر اللسان وينقد القلب، فهو كفر حقيقي لا إيمان معه، كما تقدم عن عكرمة، فأما من اعترف بقلبه، وأقر بلسانه بحكم الله، ولكنه عمل بضده ظاهرًا في الفروع خاصة، فليس بكفر ينقله عن الملة، قال طاووس: ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال الثوري: عن ابن جريح، عن عطاء أنه قال: هذا كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير. وقال وكيع عن سعيد المكي، عن طاووس قال: ليس الحكم في الفروع بغير ما أنزل الله، مع الإقرار بحكمه، والمحبة له، ينقل عن الملة. وعن طاووس، عن ابن عباس قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. رواه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقد جنح الخوارج إلى العموم لظاهر الآية، وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر، وكل من أذنب، فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافرًا. وقد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على خلافهم، ونحن لم نكفر إلا من لم يحكم بما أنزل الله من التوحيد، بل حكم بضده وفعل الشرك، ووالى أهله وظاهرهم على الموحدين، أو من لم يقم أركان الدين عنادًا وبغيًا بعد أن دعوناه فامتنع وأصر، أو من جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من سائر الأمور الدينية، والمغيبات الإيمانية. اهـ.

وقال الشيخ الدكتور سفر الحوالي معلقًا على أثر ابن مسعود السابق: إذا أعطى رشوة من أجل الوظيفة، أو يمضي له معاملة، فهو سحت، لكن إذا كان أعطاه ليحكم له بخلاف ما أنزل الله، قال ابن مسعود: ذاك الكفر. ثم تلا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. وهنا نقول: الحكم هنا فيمن ارتشى وهو مقيم لدين الله، ويحكم بما أنزل الله، وملتزم بشرع الله، لكن ارتشى في قضية معينة، وخرج عن حكم الله وخالفه، فالحكم فيه كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه- (الكفر)، والمقصود به الكفر الأصغر، فهذه معصية سميت كفرًا. اهـ. باختصار يسير.

ويحسن للسائل أن يراجع تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري عند الأثرين رقم: 12025، 12026. وكذلك كتاب: (الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه) للدكتور عبد الرحمن المحمود؛ فقد خصص لأثر ابن عباس المطلب الخامس من المبحث الثالث، من ص 215: إلى ص 234.

وراجع كذلك للفائدة الفتاوى التالية أرقامها: 9430، 197487، 156123.

والله أعلم.

www.islamweb.net