الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم أن كل نكاح وقع بدون ولي فهو باطل؛ بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل. كما في المستدرك وصحيح ابن حبان، وفي صحيح ابن حبان -أيضاً- عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل. إلا أن يثبت عضل الولي لها، وحينئذ فهي كفاقدة الولي، والسلطان ولي من لا ولي له.
وذهب أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إلى أن للمرأة أن تزوج نفسها وغيرها وتوكل في النكاح، لأن الله تعالى قال: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:232].
أضاف النكاح إليهن، ونهى عن منعهن، ولأنه خالص حقها وهي من أهل المباشرة، فصح منها، واستدل الجمهور بالحديثين المتقدمين، ويفسخ النكاح بلا ولي قبل الدخول وبعده عند الجمهور ولا يترتب عليه حد لشبهة العقد والحدود تدرأ بالشبهات، ويلحق فيه الولد أيضاً نظراً للعقد هذا إذا تولى هذا العقد المذكور غير الحاكم أو نائبه، فإذا تولاه الحاكم أو نائبه فإنه لا ينقض.
وعليه؛ فإن العقد المذكور إن صح أنه وقع عند قاض من قضاة المسلمين وشهود، فإنه صحيح ولا يفسخ، قال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن النكاح لا يصح إلا بولي قال: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم أو كان المتولي لعقده حاكما لم يجز نقضه وكذا سائر الأنكحة الفاسدة. اهـ.
وقال الشيرازي الشافعي في المهذب:
«فان عقد النكاح بغير ولى وحكم به الحاكم ففيه وجهان. (أحدهما) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه ينقض حكمه، لان مخالف لنص الخبر: وهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل: فنكاحها باطل، فان اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له فان أصابها فلها مهرها بما استحل من فرجها) . (والثانى) لا ينقض، وهو الصحيح، لانه مختلف فيه فلم ينقض فيه حكم الحاكم كالشفعة للجار. وأما الخبر فليس بنص لانه محتمل للتأويل، فهو كالخبر في شفعة الجار، فان وطئها الزوج قبل الحكم بصحته لم يجب الحد.» انتهى.
وقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: (وتَقَرُّرُ نكاحٍ بلا وليٍّ: حُكْمٌ ...) ويقول محمد بن محمد سالم المجلسي في شرح عبارة خليل:
«يعني أن المرأة إذا زوجت نفسها ولم يزوجها وليها بأن عقدت هي نكاح نفسها، ورفع ذلك إلى حاكم حنفي فسكت ولم يحكم بإثباتٍ ولا نفيٍ، فإن ذلك حكم منه بثبوت النكاح المذكور. فالمراد بالتقرير ما يشمل سكوت الحنفي عنه حين رفع، ولم يحكم بإثباتٍ ولا نفيٍ، فليس لمالكي نقْضُه؛ لأن سكوت الحنفي عندنا: حُكْمٌ، وأولى حكمه بإثباته. قاله عبد الباقي.» انتهى من «لوامع الدرر في هتك استار المختصر».
ذلك لأن حكم القاضي فيما يراه يرتفع به الخلاف في المسائل الاجتهادية.
ويتضح من السؤال أن القاضي الذي وقع عنده هذا العقد كان مستنداً على مذهب أبي حنيفة في هذا الحكم، هذا مع ما يخشى من الفساد على هذه الفتاة المصاحبة لرجل أجنبي تريده ويريدها.
أما الطلاق؛ فإنه واقع، ولكن الرجعة صحيحة، لأنها جاءت في محلها، وأما الأب فإنه لا ينبغي له أن يحول بينك وبين زوجك بحجة أنه لا يعجبه أصله، فإن الكفاءة الدين، لاسيما وأنه لا فائدة من ممانعته بعد أن حصل ما حصل.
والله أعلم.