هل يشرب اللبن وتؤكل الثمار بغير إذن صاحبها

9-11-2005 | إسلام ويب

السؤال:
ما معنى هذا الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (إذا أتيت على راعي إبل فناد يا راعي الإبل ثلاثا فإذا أجابك وإلا فاحلب واشرب من غير أن تفسد وإذا أتيت على حائط فناد يا صاحب الحائط ثلاثا فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد)؟

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فمعنى الحديث واضح وهو - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص في شرب لبن الإبل والأكل من الثمار المعلقة في البساتين، لمن وجد شيئاً من ذلك، بشرط أن ينادي على أصحابها ثلاث مرات ولم يجد مجيبا، وبشرط أن لا يفسد شيئاً.

وهذا الحديث يتعارض مع ما روي في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله وسلم قال: لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه. فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه.

والذي في حديث الشيخين هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وقد أورد العيني في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري كلاما حسنا في الموضوع ننقله لك تكميلا للفائدة، قال: حمل هذا الحديث -يعني ما في الصحيحين- على ما لا تطيب به النفس، لقوله لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، وقال إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك. وقال القرطبي: ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه، وذهب بعضهم إلى أن ذلك يحل وإن لم يعلم حال صاحبه لأن ذلك حق جعله الشارع له. يؤيده ما رواه أبو داود من حديث الحسن عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب ويشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب. فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب ويشرب ولا يحمل. ورواه الترمذي أيضاً، وقال حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال علي بن المديني سماع الحسن من سمرة صحيح وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة وقالوا إنما يحدث عن صحيفة سمرة. واستدلوا أيضا بحديث أبي سعيد رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من رواية أبي نضرة عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت على راع فناده ثلاث مرات فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أتيت على حائط بستان فناده ثلاث مرات فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد. وبما رواه الترمذي أيضاً من حديث يحيى بن سليم عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق فقال: من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه... والخبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة بعدها نون، قال الجوهري: هو ما تحمله في حضنك. وقال ابن الأثير الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب أي لا يأخذ منه في طرف ثوبه. يقال أخبن الرجل إذا خبأ شيئاً في خبنة ثوبه أو سراويله... واستدلوا أيضا بقضية الهجرة وشرب أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم من غنم الراعي.

وقال جمهور العلماء وفقهاء الأمصار منهم الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم لا يجوز لأحد أن يأكل من بستان أحد ولا يشرب من لبن غنمه إلا بإذن صاحبه اللهم إلا إذا كان مضطراً فحينئذ يجوز له ذلك قدر دفع الحاجة.

والجواب عن الأحاديث المذكورة من وجوه، الأول: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى قاله القرطبي.

الثاني: أن حديث النهي أصح.

الثالث: أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها.

الرابع: أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول الإسلام. وأجاب الطحاوي بأن هذه الأحاديث كانت في حال وجوب الضيافة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأوجبها للمسافرين على من حلوا به، فلما نسخ وجوب ذلك وارتفع حكمه ارتفع أيضاً حكم الأحاديث المذكورة، وقال القرطبي وشرب أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين الهجرة من غنم الراعي وإعطائه للشارع كان إدلالا على صاحب الغنم لمعرفته إياه، وأنه كان يعلم أنه أذن للراعي أن يسقي من مر به، أو أنه كان عرفه أنه أباح بذلك، أو أنه مال حربي لا أمان له، وقال ابن أبي صفرة حديث الهجرة في زمن المكارمة وهذا في زمن التشاح لما علم من تغير الأحوال بعده، وقال الداودي: إنما شرب الشارع والصديق لأنهما ابنا سبيل ولهما شرب ذلك إذا احتاجا.

والله أعلم.

www.islamweb.net