حكم قيام المصلي من موضع صلاته بعد سلامه

4-6-2007 | إسلام ويب

السؤال:
فضيلة المشايخ العلماء، يوجد هناك تصرف غريب من بعض المصلين بالمسجد وهو أنه ما يكاد أن يسلم الإمام من الصلاة المكتوبة يتحولون إلى أماكن بالخلف ومن ثم يجلسون يكملون أذكارا أدبار الصلاة المكتوبة الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل في ذلك مخالفة للحصول على الأجر الوارد بالحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث أو يقم اللهم اغفر له اللهم ارحمه. ( صحيح ) وأخرجه البخاري ومسلم صحيح أبو داود للألباني، وحجتهم أن المقصود البقاء بالمسجد وليس نفس المكان الذي صليت فيه هو مفهوم الحديث لديهم، فأفتونا مأجورين؟ وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن قيام المصلي من مكان صلاته بعد سلامه مباشرة لأجل أن يأتي بالأذكار في مكان آخر من المسجد غير مطلوب، لكنه جائز. والظاهر أن الحديث المذكور لا يتناول هذه المسألة لأن العلماء أوردوه في باب انتظار الصلاة، وبينوا أن المراد بمصلاه الذي صلى فيه هو عموم المسجد لا المكان الخاص الذي أدى فيه الصلاة، بل إن في بعض روايات الحديث ما دام في المسجد؛ كما في رواية الترمذي وغيره، قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود عند كلامه على قوله صلى الله عليه وسلم: والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه. وفي رواية البخاري: ما دام في مصلاه، قال الحافظ: أي في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمراً على نية انتظار الصلاة كان كذلك. انتهى.

وقال في طرح النثريب: {الثالثة} ما المراد بمصلاه؟ هل المراد البقعة التي صلى فيها من المسجد حتى لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه؟ أو المراد بمصلاه جميع المسجد الذي صلى فيه؟ يحتمل كلا من الأمرين، والاحتمال الثاني أظهر وأرجح بدليل رواية البخاري المذكورة في الأصل ما دام في المسجد، وكذا في رواية الترمذي. فهذا يدل على أن المراد بمصلاه جميع المسجد وهو واضح. ويؤيد الاحتمال الأول قوله في رواية مسلم وأبي داود وابن ماجه: ما دام في مجلسه الذي صلى فيه. انتهى.

وأما ما في مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فقد قال العلماء: إن ذلك يحصل في بعض الأحيان وليس على الدوام، قال في تحفة الأحوذي عن شرح هذا الحديث: قوله: إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول... إلخ. أي في بعض الأحيان، فإنه قد ثبت قعوده صلى الله عليه وسلم بعد السلام أزيد من هذا المقدار. انتهى.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار عند شرح الحديث المتقدم: هذا الحديث ساقه المصنف ههنا للاستدلال به على مشروعية قيام الإمام من موضعه الذي صلى فيه بعد سلامه، وقد ذهب بعض المالكية إلى كراهة المقام للإمام في مكان صلاته بعد السلام، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق من حديث أنس قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم فكان ساعة يسلم يقوم. ثم صليت وراء أبي بكر فكان إذا سلم وثب فكأنما يقوم عن رضفة. ويؤيده أيضاً ما سيأتي في باب لبث الإمام: أنه كان يمكث صلى الله عليه وسلم في مكانه يسيراً قبل أن يقوم لكي ينصرف النساء. فإنه يشعر بأن الإسراع بالقيام هو الأصل والمشروع. وقد عورض هذا بما تقدم من الأحاديث الدالة على استحباب الذكر بعد الصلاة. وأنت خبير بأنه لا ملازمة بين مشروعية الذكر بعد الصلاة والقعود في المكان الذي صلى المصلي تلك الصلاة فيه، لأن الامتثال يحصل بفعله بعدها سواء كان ماشياً أو قاعداً في محل آخر، نعم ما ورد مقيداً نحو قوله (وهو ثانٍ رجليه) وقوله (قبل أن ينصرف) كان معارضاً. انتهى.

وقد أشار الشوكاني إلى ما روى الترمذي عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله.

والله أعلم.

www.islamweb.net