الجمع بين أدلة رفع عيسى عليه السلام وبين قوله تعالى ( فلما توفيتني ...)

26-8-2001 | إسلام ويب

السؤال:
من المعلوم أن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى .فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم؟

الإجابــة: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: ‏

فقد قال تعالى راداً على من ادعى قتل المسيح عليه السلام (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ‏ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ ‏مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً ‏حَكِيماً) [النساء:157،158]‏
ففي هذه الآية بيان أن الله رفعه حياً، وسلمه من القتل.‏
وأجمعت الأمة -كما نقل ذلك ابن القيم في بيان تلبيس الجهمية- على أن الله رفع عيسى ‏عليه السلام إليه إلى السماء. ‏
أما قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ‏وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ‏فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [آل عمران:55]‏
فقد قال الإمام ابن تيمية رداً على من ادعى موته ( فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت ‏إذ لو أراد بذلك الموت، لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين، فإن الله يقبض أرواحهم ‏ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: (ومطهرك من الذين ‏كفروا) ولو كانت قد فارقت روحه جسده، لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو ‏غيره من الأنبياء.‏
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين ‏اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله ‏إليه) يبين أنه رفع بدنه وروحه، كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه، إذا لو أريد ‏موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات…‏
ولهذا قال من قال من العلماء: إني متوفيك، أي قابضك أي: قابض روحك وبدنك، ‏يقال: توفيت الحساب واستوفيته.‏
ولفظ التوفي لا يقتضي نفسه توفي الروح والبدن، ولا توفيهما جميعاً إلا بقرينة منفصلة، ‏وقد يراد به توفي النوم، كقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي ‏مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ ‏لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزمر:42]‏
انتهى محل الغرض من كلام ابن تيمية ( من مجموع الفتاوى ) 322، 323).‏
ومقتضى كلامه -رحمه الله- أن لفظ التوفي في الآية يراد به القبض، أي أن الله قبض عبده ‏عيسى عليه السلام بروحه وبدنه ورفعه إلى السماء، والتوفي الذي هو بمعنى الموت هو أن ‏يتوفى الروح فقط، بأن يفرق بينها وبين البدن، وبهذا يعلم أنه لا تعارض بين الآية ‏المذكورة وغيرها من أدلة رفعه بل هي موافقة لها.‏
والله أعلم.‏

www.islamweb.net