طلوع الشمس من المغرب

8-10-2007 | إسلام ويب

السؤال:
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً".
ذكرتم فضيلتكم في الفتوى رقم 5051 أن من تبع الدجال ومات على ذلك فلا شك أنه من أهل النار، وأما من تاب وأناب وصدق في إيمانه، فإن الله تعالى يتوب عليه ويقبل توبته.
فكيف تقبل توبته مع أن الحديث صريح في عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها، والدجال - كما هو واضح من فتواكم - لا يأتي إلا بعد طلوع الشمس من مغربها فكيف تقبل التوبة ؟

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فاعلم أن حديث مسلم الذي ذكرت لم يرد فيه ذكر الدجال وإنما جاء فيه ذكر الدابة، والتحقيق أن الدجال يأتي قبل طلوع الشمس من المغرب، وأن التوبة لا تنقطع إلا بعد طلوع الشمس؛ لأن نصوص الأحاديث تفيد ذلك، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رفعه: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. ولأبي داود والنسائي من حديث معاوية رفعه: لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. وسنده جيد. وأخرج أحمد والطبري والطبراني مرفوعا: لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل. وأخرج أحمد والدارمي وعبد بن حميد في تفسيره كلهم من طريق أبي هند عن معاوية رفعه: لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. وأخرج الطبري بسند جيد من طريق أبي الشعثاء عن ابن مسعود موقوفا: التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها. وفي حديث صفوان بن عسال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه. أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه وفيه: فإذا طلعت الشمس من مغربها رد المصراعان فيلتئم ما بينهما، فإذا أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة ولا تنفع حسنة إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك. انتهى ملخصا من فتح الباري.

واعلم أن التحقيق حسبما تفيده النصوص هو خروج الدجال قبل طلوع الشمس، وأما الأحاديث المفيدة أولية الشمس فمحمولة على أنها أول الآيات الغريبة العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وأما الدجال وعيسى فهما من جنس البشر، وهما دليل على قرب الساعة.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح ما ملخصه: قال الطيبي: الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها، فمن الأول الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف، ومن الثاني الدخان وطلوع الشمس.

قال الطبري في تفسير الآية: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ {الأنعام: 158}

قال: معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع ايمان بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا؛ كما قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا  {غافر: 58} وكما ثبت في الحديث الصحيح: تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة، وقال ابن عطية: في هذا الحديث دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من المغرب وإلى ذلك ذهب الجمهور. وأسند الطبري عن ابن مسعود أن المراد بالبعض إحدى ثلاث: هذه، أو خروج الدابة، أو الدجال. قال: وفيه نظر لأن نزول عيسى ابن مريم يعقب خروج الدجال، وعيسى لا يقبل إلا الإيمان فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يقبل الإيمان ولا التوبة، قلت: ثبت في صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رفعه: ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض. قيل: فلعل حصول ذلك يكون متتابعا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية وهذا بعيد لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى ثم لبث عيسى وخروج يأجوج ومأجوج كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب. فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب. وقد أخرج مسلم أيضا من طريق أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب....

 قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه. قلت: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس؛ كما تقدم في حديث أنس في بدء الخلق في مسائل عبد الله بن سلام ففيه وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وسيأتي فيه زيادة في باب كيف الحشر. قال ابن عطية وغيره ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعه توبته، ومن لم يعمل صالحا من قبل ولو كان مؤمنا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب. وقال القاضي عياض: المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها

والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. وقال القرطبي في التذكرة بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا فتوبة من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة، فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر أو ينقطع تواتره ويصير الخبر عنه آحادا فمن أسلم حينئذ أو تاب قبل منه، وأيد ذلك بأنه روى أن الشمس والقمر يكسيان الضوء بعد ذلك ويطلعان ويغربان من المشرق كما كانا قبل ذلك. قال: وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن عمران بن حصين قال: إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذ صيحة فيهلك بها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته.

والله أعلم.

www.islamweb.net