الطعن على الصحابة بالروايات الواهية لا يضر إلا صاحبه

18-7-2012 | إسلام ويب

السؤال:
كيف أرد على الرافضي الذي يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين
إخواني وأخواتي الأعزاء، سأنقل لكم اليوم نصاً موجودا في عدة كتب من كتب أهل السنة بمضمونه وبألفاظ مختلفة، والنص الذي سأنقله حرفياً من كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر في ترجمة الصحابي الجليل عثمان بن حنيف رضوان الله تعالى عليه:
وذكر المدائني عن شيوخه عن أبي نضره العبد، وابن شهاب الزهري، وأبي بكر الهذلي، وعامر بن حفص، وبعضهم يزيد على بعض أن عثمان بن حنيف لما كتب الكتاب بالصلح بينه وبين الزبير وطلحة وعائشة أن يكفوا عن الحرب ويبقى هو في دار الإمارة خليفة لعلي على حاله حتى يقدم علي رضي الله عنه فيرون رأيهم، قال عثمان بن حنيف لأصحابه ارجعوا وضعوا سلاحكم.
فلما كان بعد أيام جاء عبد الله بن الزبير في ليلة ذات ريح وظلمة وبرد شديد ومعه جماعة من عسكرهم فطرقوا عثمان بن حنيف في دار الإمارة، فأخذوه ثم انتهوا به إلى بيت المال فوجدوا أناساً من الزط يحرسونه فقتلوا منهم أربعين رجلاً، وأرسلوا بما فعلوه من أخذ عثمان وأخذ ما في بيت المال إلى عائشة يستشيرونها في عثمان، وكان الرسول إليها أبان بن عثمان، فقالت عائشة: اقتلوا عثمان بن حنيف.
فقالت لها امرأة ناشادتك الله يا أم المؤمنين في عثمان بن حنيف وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ردوا أبانا فردوه، فقالت احبسوه ولا تقتلوه، فقال أبان لو أعلم أنك رددتني لهذا لم أرجع، وجاء فأخبرهم فقال لهم مجاشع بن مسعود اضربوه وانتفوا شعر لحيته، فضربوه أربعين سوطاً ونتفوا شعر لحيته وحاجبه وأشفار عينه، فلما كانت الليلة التي أخذ فيها عثمان بن حنيف غدا عبد الله بن الزير إلى الزابوقة ومدينة الزرق وفيها طعام يرزقونه الناس فأراد أن يرزقه أصحابه، وبلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف فقال لست أخاه إن لم أنصره، فجاء في سبعمائة من عبد القيس وبكر بن وائل وأكثرهم عبد القيس، فأتى ابن الزبير في مدينة الزرق فقال مالك يا حكيم؟ قال: نريد أن نرزق من هذا الطعام وأن تخلوا عثمان بن حنيف فيقيم في دار الإمارة على ما كنتم كتبتم بينكم وبينه حتى يقدم على ما تراضيتم عليه، وأيم الله لو أجد أعواناً عليكم ما رضيت بهذا منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإن دماءكم لحلال بمن قتلتم من إخواننا، أما تخافون الله بم تستحلون الدماء؟ قالوا: بدم عثمان، قال فالذين قتلتموهم قتلوا عثمان أو حضروا قتله؟ أما تخافون الله. فقال ابن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نخلي عثمان حتى نخلع علياً، فقال حكيم: اللهم اشهد اللهم اشهد وقال لأصحابه إني لست في شك من قتال هؤلاء، فمن كان في شك فلينصرف، فقاتلهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، وضرب رجل ساق حكيم فقطعها، فأخذ حكيم الساق فرماه بها فأصاب عنقه فصرعه ووقذه، ثم حجل إليه فقتله وقتل يومئذ سبعون رجلاً من عبد القيس.
تخيلوا إخواني هؤلاء الصحابة العدول وعلى رأسهم أم المؤمنين
غدر بعد الصلح
قتل
سرقة ونهب لبيت المال
نتف شعر لحية وحاجب وأشفار عيني صحابي من خيرة الصحابة.
فأين غيرة أهل السنة على الصحابة؟
وأين طلحة والزبير المبشران بالجنة عن هذه المهازل وكيف يسلمان أمرهما لامرأة حمقاء وشاب طائش؟
أين العدالة في هذه الأعمال يا أهل السنة ؟
أين علم وفقه عائشة التي رضيت بالغدر وأمرت بقتل صحابي، ثم بعد أن رجتها امرأة أخرى أن تتق الله في صاحب رسول الله خففت الحكم من القتل إلى السجن. أليس المفروض بها عندما جاءها أبان ليخبرها الخبر أن تستنكر على ابن الزبير فعلته ؟؟
ألم يحض الله تعالى على وفاء المسلم بعهوده ومواثيقه حتى مع المشركين.
اللهم اشهد بأني بريء من عائشة وطلحة والزبير، وابن الزبير وأبان بن عثمان، وكل من اعتدى أو ظلم أحدا من الصحابة أو غيرهم من المسلمين.
اللهم أنت أجل وأكبر وأعظم وأعدل من أن تساوي بين الظالم والمظلوم وبين المعتدي والمعتدى عليه وبين الغادر والمغدور.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فبداية ننبه على أن أهل السنة يعتمدون على الإسناد في النقل والإثبات، وقد جرت سنة مؤرخيهم على إبراء ذمتهم بعزو ما ينقلونه إلى قائله وراويه، فهذا شيخهم أبو جعفر الطبري يقول في مقدمة تاريخه: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا. اهـ.
فكتب التاريخ والملاحم مليئة بالأخبار المكذوبة والمنكرة، وإنما يُعرَف ذلك بدراسة الإسناد والمتن.

قال الدكتور حمزة المليباري في (نظرات جديدة في علوم الحديث): إن الأئمة النقاد على التزامهم بترك رواية الوضاعين والكذابين عموماً، بينما تساهل الآخرون من غير الحفاظ في جمع الموضوعات والغرائب والأباطيل وكتابتها وروايتها، ومن ثم أصبحت كتب التفاسير والسير والفضائل تفيض بالمنكرات والمفتريات، مما جعل الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول : "ثلاثة علوم لا أصل لها: التفسير والتاريخ والملاحم" اهـ.
وقد روى الطبري ـ رحمه الله ـ قصة عثمان بن حنيف المذكورة في السؤال فقال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن سهل بن سعد، قال: لما أخذوا عثمان بن حنيف أرسلوا أبان بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها في أمره، قالت: اقتلوه، فقالت لها امرأة ... فذكر القصة.
وأبو الحسن شيخ عمر بن شبة هو المدائني الذي ذكر الحافظ ابن عبد البر القصة من طريقه، وبذلك يعرف أن شيوخه المبهمين هم أبو مخنف وأمثاله، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحيى، قال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به. تركه أبو حاتم وَغيره. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن مَعِين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن عَدِي: شيعي محترق صاحب أخبارهم. ( لسان الميزان 6/430) وراجع للفائدة الفتوى رقم: 120404.
وقد ذكر الدكتور يحيى اليحيى هذه الرواية في رسالته للدكتوراة: (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ص 258 : 295) وعلق عليها بقوله: ما ذكره أبو مخنف من ضرب عثمان بن حنيف ونتف شعر وجهه لم يثبت من طريق صحيح يمكن أن يعول عليه، والصحابة الكرام ينزهون عن مثل هذه المثلة القبيحة. والذي يفهم من رواية سيف أن الغوغاء هم الذين فعلوا ذلك، وأن طلحة والزبير رضي الله عنهما استشنعاه، واستعظماه وبعثا بالخبر إلى عائشة فقالت: "خلوا سبيله وليذهب حيث شاء". وهذه الرواية عارضت تفصيلات أبي مخنف فهي لم تذكر الأمر بقتله أو حبسه أو الأمر بنتف شعر وجهه، وقد اختار هذه الرواية النويرى وابن كثير. وذكر الذهبي أن مجاشع بن مسعود قد قتل قبل دخول دار عثمان بن حنيف. وحتى لو فرض عدم قتل مجاشع بن مسعود فليست إليه القيادة حتى يصدر هذه الأوامر اهـ.
وقد ذكر الدكتور يحيى في مقدمة رسالته خمس اعتبارات تهم دارس التاريخ، فنرجو مراجعتها للفائدة ( ص 9 : 11).
وقال أبو عبد الله الذهبي في (صدق النبأ في بيان حقيقة عبد الله بن سبأ): لم يثبت من طريق صحيح يمكن أن يعول عليه، أنهم ضربوه ونتفوا شعر وجهه رضي الله عنه. والصحابة الكرام رضي الله عنهم يتنزهون عن مثل هذه المثلة القبيحة. وهذه من روايات أبي مخنف الكذاب. اهـ.
وإذا تقرر هذا، فإننا ننبه على أن الطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم بمثل هذه الروايات المنكرة الواهية لا يضر إلا صاحبه، سواء في الدنيا أو في الآخرة. فقد أثنى الله عليهم وأعلى من شأنهم في كتابه. وقد سبق لنا بيان مكانة الصحابة وأن عدالتهم محل إجماع، في الفتويين: 47533، 102548.
والله أعلم.

www.islamweb.net