الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السؤال

لماذا لم يجتهد العلماء في عدالة الصحابة، وتحقيقها وقالوا بأن الصحابة جميعهم عدول، ألم يكن بين الصحابة المنافقين الذين وردت فيهم آيات كثيرة في القرآن ماذا عن الصحابة الذين أقيمت عليهم بعض الحدود في السرقة وشرب الخمر وغيرها من العقوبات؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن تعديل الصحابة رضي الله عنهم وتنزيههم عن الكذب والوضع، هو مما اتفق عليه أئمة الإسلام ونقاد الحديث من أهل السنة والجماعة، ولا يعرف من طعن فيهم وشكك في عدالتهم إلاَّ الشذاذ من أصحاب الأهواء والفرق الضالة المنحرفة ممن لا يلتفت إلى أقوالهم، ولا يعتد بها في خلاف ولا وفاق.

كيف لا وقد عدلهم الله في كتابه، وأثنى عليهم ومدحهم في غير ما آية فقال جل وعلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ... [الفتح:29]، وقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100]، وقال: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التوبة:88]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم، وتشيد بفضلهم ومآثرهم، وصدق إيمانهم وإخلاصهم، وأي تزكية بعد تزكية الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟!

كما عدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم وبيَّن منزلتهم، ودعا إلى حفظ حقهم وإكرامهم، وعدم إيذائهم بقول أو فعل، فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وقال: لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصفيه. أخرجاه في الصحيحين.

وقال أيضاً: الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه. رواه الترمذي.

وأجمع المسلمون من أهل السنة والجماعة على عدالتهم وفضلهم وشرفهم، وإليك طرفًا من أقوال أئمة الإسلام وجهابذة النقاد فيهم. قال ابن عبد البر رحمه الله –كما في الاستيعاب-: قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول.

وقال ابن الصلاح في مقدمته: ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتنة منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظنِّ بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة. انتهى.

وقال الإمام الذهبي: فأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى...، إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى.

وقال ابن كثير: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة. ثم قال: وقول المعتزلة: الصحابة كلهم عدول إلاَّ من قاتل عليًّا قول باطل مردود. ثم قال: وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلاَّ سبعة عشر صحابيًّا – وسموهم – فهذا من الهذيان بلا دليل.

على أنه –كما قال الخطيب في الكفاية– لو لم يرد الله ورسوله فيهم شيئا مما ذكر لأوجب الحال التي كانوا عليها -من الهجرة، وترك الأهل والمال والولد، والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله– القطع بتعديلهم واعتقاد نزاهتهم وأمانتهم، وأنهم كانوا أفضل من كل من جاء بعدهم.

والطعن في الصحابة رضي الله عنهم طعن في مقام النبوة والرسالة، فإن كل مسلم يجب أن يعتقد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وقام بما أمره الله به، ومن ذلك أنه بلغ أصحابه العلم وزكاهم ورباهم على عينه. قال عز وجل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]، والحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بما أمره الله به، والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم ومربيهم ومعلمهم صلى الله عليه وسلم، كما أن الطعن فيهم مدخل للطعن في القرآن الكريم، فأين التواتر في تبليغه؟ وكيف نقطع بذلك إذا كانت عدالة حملته ونقلته مشكوكاً فيها؟!

ونحن حينما نصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هم له أهل، فإنما نريد صحابته المخلصين الذين أخلصوا دينهم، وثبتوا على إيمانهم، ولم يغمطوا بكذب أو نفاق، فالمنافقون الذين كشف الله سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدون الذين ارتدوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده، ولم يتوبوا أو يرجعوا إلى الإسلام، وماتوا على ردتهم؛ هؤلاء وأولئك لا يدخلون في هذا الوصف إطلاقًا، ولا تنطبق عليهم هذه الشروط أبدًا، وهم بمعزل عن شرف الصحبة، وبالتالي هم بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول العلماء والأئمة: "إنهم عدول". وفي تعريف العلماء للصحابي ما يبين ذلك بجلاء، حيث عرفوه بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك.

فالخلاصة أن تعديل الصحابة رضي الله عنهم أمر متفق عليه بين المسلمين، ولا يطعن فيهم إلاَّ من غُمص في دينه وعقيدته، ورضي بأن يسلم عقله وفكره لأعدائه، معرضًا عن كلام الله وكلام رسوله وإجماع أئمة الإسلام.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني