مدى وجوب النصيحة حال الظن عدم القبول

17-11-2014 | إسلام ويب

السؤال:
هل يجب عليّ نصيحة من يعلم الحكم الشرعي في مسألة معينة بأنها غير جائزة في الشرع، وهو يريد أن يفعلها؟
فعلى سبيل المثال: هناك من يدخن، وهناك أيضا من يشاهد البرامج الغنائية على التلفاز، ويعلم بحرمتها، ولكنه لا يريد أن يتوب منها، أرى بعض هذه المحرمات في والدي، وأخواتي، وأصحابي، فماذا يجب علي أن أفعل؟ هل كل منهم له حكم يختلف عن الآخر؟ وكذلك إن قمت بنصيحتهم وتذكيرهم سيقولون لي: نعلم هذا. أو بعضهم يقول: ليس لك علاقة. فهل تسقط النصيحة إذا كنت أعلم بأن هذا الشخص لن يستجيب لي أم أجرب أن أطرق معه بابا آخر أم أتركه وشأنه وأدعو له بظهر الغيب؟
الأمر الذي يحيرني: أن قلوبهم تحب الخير، وتحب أهل الخير، ولكن قلوبهم تريد أن تطلق العنان لشهواتها.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالنصيحة واجبة على المسلم لأخيه المسلم، لا يسعه تركها متى قدر عليها، وانظر الفتوى رقم: 182273.

والنصيحة عمومًا ينبغي أن تكون بلطف ولين، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ {النحل:125}، وقال: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى {طه:44}.

ويتأكد هذا المعنى إذا كانت النصيحة للوالدين، وقد بينا كيفية نصح الأبوين في الفتوى رقم:65636، والفتوى رقم: 38239.

ولا تسقط النصيحة بكون الناصح يظن أنها لن تنفع المنصوح أو لن يقبلها؛ جاء في شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد: قال العلماء: ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يقبل في ظنه، بل يجب عليه فعله، قال الله تعالى: { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }، وقد تقدم أن عليه أن يأمر وينهى، وليس عليه القبول؛ قال الله تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ }. اهـ.

لكن إذا علم الناصح يقينًا أن المنصوح لا يقبلها، ولا تؤثر فيه سقط وجوبها عنه؛ فلا يأثم بتركها، يقول النووي: والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه.. اهـ.

وهذا ليس معناه أن يترك الإنسان النصح، وييأس من المنصوح، بل ينبغي له أن يواصل فيه، وينوع في أساليبه، على ما بينا في الفتوى رقم: 98800.

مع استحضار نية التقرب بذلك إلى الله تعالى، وأن كل ما يبذله من جهد محفوظ عنده سبحانه، وسيجازيه عنه أحسن الجزاء، فإذا استحضرهذه المعاني قويت عزيمته، ولم يتسرب الملل إليه.

ثم عليه - مع ذلك- بالدعاء للمنصوح بالهداية، والإنابة إلى الله، جاء في صحيح مسلم، وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أكره، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم اهد أم أبي هريرة. فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعَتْ أمي خشف قدمَيَّ فقالت: مكانك يا أبا هريرة. وسمعْتُ خضخضة الماء، قال: فاغتسلَتْ، ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتيته وأنا أبكي من شدة الفرح، قال: قلت يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيرا...

 وراجع الفتوى رقم: 126649 بشأن من يدخن عالما حرمته، والفتوى رقم: 20951 بشأن حكم سماع الأغاني وعقوبة ذلك.

والله أعلم.

www.islamweb.net