شبهة حول آية: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) والرد عليها

27-11-2017 | إسلام ويب

السؤال:
يقول الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. ونرى كثيرا ممن يجاهد ونعلم صدقه بشكل عام، وليس من الداخل، ولكن نراه يحيد عن الصراط المستقيم، نرى كثيرا ممن ترك أهله وماله وبيته وبلده، وكل شيء ليجاهد، ولكن ليس على الحق حسب ما نرى.
ما المقصود بالهداية ومن ينالها؟
وأيضا الفرق الكلامية كالأشاعرة والمعتزلة وأمثالهم، كلهم أو أغلبهم بدؤوا حياتهم للدفاع عن الدين، ثم آل بهم المآل إلى هذه الحالة، أقصد أن نيتهم كانت سليمة ولنصرة الدين، ثم ضلوا.
ما حكم هذين النوعين؟ وكيف أضمن لنفسي ألا أصبح مثلهم حين أطلب علما وأجاهد؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنجمل الإجابة على سؤالك في النقاط الآتية:

 أولا: قوله سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ {العنكبوت:69}، ليس خاصا بمن يقاتل في سبيل الله، بل المراد بالجهاد هنا الجهاد العام -والذي من أعلاه القتال في سبيل الله-.

قال ابن القيم: فائدة: قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد. قال الجنيد: والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سبل الإخلاص، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر، إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا، فمن نصر عليها نصر على عدوه، ومن نصرت عليه، نصر عليه عدوه. اهـ.

 نعم، يقع في كلام بعض العلماء الاستدلال بهذه الآية في شأن المقاتلين في سبيل الله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون: إذا اختلف الناسُ في شيء، فانظروا ما عليه أهل الثَّغْر، فإن الحق معهم؛ لأن الله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا). اهـ.

لكن ذلك لا يقتضي أن الآية خاصة بالمقاتلين في سبيل الله، وإنما لأنهم من أحق أصناف المؤمنين بالدخول في هذه الآية.

 ثانيا: ما في الآية الكريمة من جعل المجاهدة سببا لنيل الهداية، قد جاء القرآن العظيم بتقريره في مواطن كثيرة، فقد تكرر في القرآن الكريم بيان أن العمل الصالح سبب لإثابة العبد بالهداية، كما أن المخالفة والمعصية سبب للعقوبة بالضلال والزيغ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى. وكذلك السيئة الثانية: قد تكون من عقوبة الأولى. قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا}، {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما}، {ولهديناهم صراطا مستقيما}، وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، وقال تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم}، {سيهديهم ويصلح بالهم}، {ويدخلهم الجنة عرفها لهم}. وقال تعالى: {وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام}. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم}. وقال تعالى: {وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون}. وقال تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}. وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى}. وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}، {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون}. وقال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}. وقال تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين}. وقال تعالى: {ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين}. وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم}، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}، {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا}، {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم}. وقال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين}.

قلت: وقد قال في آخر السورة: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}. وقال تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون}، {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}. وقال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم}. وقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} - إلى قوله -: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين}. وقال تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون}. وقال تعالى أيضا: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا}. وقال تعالى: {فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين}. اهـ.

 ثالثا: ضلال العبد بعد سلوكه طريق الهدى ظاهرا، ليس بممتنع، لكن ذلك لا يقع إلا بسبب من العبد نفسه، ويدل على أنه كانت له دسائس سوء ودغل، وخبث طوية، وفساد سريرة، خُذل وعوقب بسببها.

 وقد شرح ابن القيم هذه القضية الكبرى، بكلام في غاية النفاسة، يقول فيه: الجهال بالله وأسمائه وصفاته، المعطلون لحقائقها، يبغضون الله إلى خلقه، ويقطعون عليهم طريق محبته، والتودد إليه بطاعته، من حيث لا يعلمون.

ونحن نذكر من ذلك أمثلة تحتذي عليها، فمنها: أنهم يقررون في نفوس الضعفاء، أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة وإن طال زمانها، وبالغ العبد وأتى بها ظاهره وباطنه، وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره، بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور، ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار، ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر ...

إلى أن قال: ويقيمون إبليس حجة لهم على هذه المعرفة، وأنه كان طاووس الملائكة، وأنه لم يترك في السماء رقعة، ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة أو ركعة، لكن جنى عليه جاني القدر ... ويحتجون بقول النبي: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.

فإذا رجع العامل إلى نفسه قال: من لا يستقر له أمر، ولا يؤمن له مكر، كيف يوثق بالتقرب إليه، وكيف يعول على طاعته واتباع أوامره؟ وليس لنا سوى هذه المدة اليسيرة، فإذا هجرنا فيها اللذات وتركنا الشهوات، وتكلفتا أثقال العبادات، وكنا مع ذلك على غير ثقة منه أن يقلب علينا الإيمان كفرا، والتوحيد شركا، والطاعة معصية، والبر فجورا، ويديم علينا العقوبات، كنا خاسرين في الدنيا والآخرة. فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم، وتخمر في نفوسهم، صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات، بمنزلة إنسان جعل يقول لولده: معلمك إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه، ربما أقام لك حجة وعاقبك، وإن كسلت وبطلت وتعطلت وتركت ما أمرك به، ربما قربك وأكرمك. فيودع بهذا القول قلب الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة، ولا وعده على الإحسان ...

إلى أن قال: وقد ضمن سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبله، ولم يخبر أنه يضلهم ويبطل سعيهم، وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه، وأخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه، وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى؛ فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه، وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده، فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ودفعه لما تحققه وعرفه، وأنه سبحانه لو علم في تلك المحال التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها، ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها كرامته، وقد أزاح سبحانه العلل وأقام الحجج، ومكن من أسباب الهداية، وأنه لا يضل إلا الفاسقين والظالمين، ولا يطبع إلا على قلوب المعتدين، ولا يركس في الفتنة إلا المنافقين بكسبهم، وأن الرين الذي غطى به قلوب الكفار، وهو عين كسبهم وأعمالهم كما قال: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وقال عن أعدائه من اليهود: وقالوا قلوبنا غلف، بل طبع الله عليها بكفرهم. وأخبر أنه لا يضل من هداه حتى يبن له ما يتقي، فيختار لشقوته وسوء طبيعته الضلال على الهدى، والغي على الرشاد، ويكون مع نفسه وشيطانه وعدو ربه عليه.

وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب. فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه، لم يبطله عليه. وقوله: لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، يشكل على هذا التأويل، فيقال: لما كان العمل بآخره وخاتمته، لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفة كامنة، ونكتة خذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة والداهية والباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة، لم يقلب الله إيمانه كفرا وردة، مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه، والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض.

وأما شأن إبليس: فإن الله سبحانه قال للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون. فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد، ما لا يعلمه الملائكة، فلما أمروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد، فأبى واستكبر، وكان من الكافرين.اهـ. باختصار من كتاب الفوائد -وننصح بالرجوع إليه، ومطالعة هذا الفصل كاملا-.

فمن أظهر القتال في سبيل الله، قد يضل ويزيغ، لكن لا يكون ذلك إلا بسبب منه من فساد نية، أو نحو ذلك مما يسخط الرب جل وعلا، وقد جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقال: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه كلما وقف، وقف معه، وإذا أسرع، أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وما ذاك؟» قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة»

قال ابن رجب: وقوله: "فيما يبدو للناس" إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت.اهـ. من جامع العلوم والحكم.

 رابعا: من أصول أهل السنة، أن الإيمان لا يبطل بمطلق المعاصي والذنوب، خلافا للوعيدية، فالرجل قد تكون له حسنات من جهاد أو غيره من أبواب العبادة، ويكون له مع ذلك سيئات أخرى عملية أو اعتقادية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يتعلق بهذا الباب، أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه، فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان. وكلا هذين الطرفين فاسد.

والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء، دخل عليهم الداخل من هذا. ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه، ويبغض من وجه.
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم. وقد بسط هذا في موضعه. اهـ.

خامسا: البدع بأنواعها من الضلال، بل جنس البدعة، شر من جنس المعصية.

قال شيخ الإسلام ابن تيميةالزنا معصية، والبدعة شر من المعصية، كما قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وكان قد قال بعضهم: نحن نُتوِّب الناس، فقلت: مما ذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم، خير من حالهم بعد تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقا يعتقدون تحريم ما هم عليه، ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه، أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام يحبون ما يبغضه الله، ويبغضون ما يحبه الله. وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي.

قلت مخاطبا للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه: {عن عمر بن الخطاب أن رجلا كان يدعى حمارا وكان يشرب الخمر، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلده الحد فلعنه رجل مرة. وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله}. قلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر، ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله، شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، ونهى عن لعنه.

وأما المبتدع: فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - {أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم، فجاءه رجل ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق الرأس، بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج من ضئضئ هذا، قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد}، وفي رواية: {لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل}، وفي رواية: {شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه}.

 قلت: فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، وما هم عليه من العبادة والزهادة، أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته. وأظن أني ذكرت قول الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله، خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء.

فلما ظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنهم مبتدعون بدعا منكرة، فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر. اهـ.

 لكن مع ذلك، فأهل السنة والجماعة لا يقولون بأن كل من وقع في البدع يكون هالكا، بل بعض من يقع في البدع قد يعذر بالتأويل أو الجهل، فيكون خطؤه حينئذ مغفورا له لا يؤاخذ به، ولا يعاقب عليه، بل قد يؤجر على اجتهاده وطلبه للحق وإن أخطأ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -في مناظرته على العقيدة الواسطية- : وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد، يجب أن يكون هالكا. فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا، يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت، وذو الحسنات الماحية، والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا، كما يقال من صمت نجا. اهـ.

وقال أيضا: وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان، فهذا عام عموما محفوظا، وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه ... وأيضا فإن الكتاب والسنة قد دل على أن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل، لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية. وذلك مثل قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، فمن كان قد آمن بالله ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلا؛ إما أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به. فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله، ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به، فلم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها.اهـ.

وهذا أصل عظيم يغفل عنه كثير من المنتسبين للسنة والحديث. وراجع للمزيد حول التعامل مع الفرق المخالفة لأهل السنة الفتوى رقم: 312853.

وأما عن أسباب نيل الهداية واتقاء الغواية: فانظر فيها الفتاوى التالية أرقامها: 30758 // 355150 // 242464.

 والله أعلم.

www.islamweb.net