الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اكتشفت أن زوجي مريض بالوسواس القهري وأفكر بالطلاق

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا سيدة عمري 25 سنة، متزوجة ولدي طفلة.

مشكلتي أن زوجي مريض نفسي، ومصاب بالوسواس القهري، وبدرجة شديدة، منذ سنتين ونصف تقريباً، واكتشفت هذا الأمر بعد الزواج، ولم يكن لدي أي علم بمرضه في البداية، وبعد الحمل بابنتي، قررت إعطاءه فرصة ليتدارك وضعه، وهو مستمر على العلاج، لكن لم يتحسن أبداً، وبالعكس بين فترة وأخرى يزيد وضعه سوءًا، خاصة عند تعرضه لمواقف.

تعبت منه ولا أستطيع أن أعيش معه، خاصة أنه لا يشعر بأدنى شعور بوجودنا، ولا يهتم لأمرنا أنا وابنته، فمثلاً أحياناً تسقط وتصطدم بشيء ولا ينتبه لها إلا بعد فوات الأوان، صحيح أنه يحبها لكن لا يلقي لها بالاً، أثر فيّ بشكل سلبي، مع العلم أني شخصية اجتماعية ومتفائلة وأحب الحياة، وهو على العكس مني، أتعب نفسيتي، فليس له أي مشاعر عندي نحوه، أو بالأصح أشفق وأعطف عليه لا أكثر.

أفكر بالانفصال وبشكل جدي، ولو كان عندي خلفية عن مرضه قبل الزواج لما قبلت به، لكن تم خداعي بهذا الزواج، واضطررت لتحمله لأجل ابنتي، لكن مللت من حياة بلا طعم ولا لون، أرى الانفصال الحل الأنسب والأمثل لي ولابنتي، مع العلم أني عشت بين أبوين منفصلين، وهذه العقدة كانت تمنعني أن أقدم على هذه الخطوة، لم أكن أحبه لكن مررت بما تمر به ابنتي، ويشهد الله أني حاولت أن أساعده، وأقف معه، لكن ليس لديه استعداد ليتعالج سلوكياً، لذا عزمت على الانفصال، محتاجة للنصيحة جداً.

سؤالي: بماذا تنصحونني؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

جزاك الله خيرًا، وأشكرك على التواصل مع إسلام ويب.

قطعاً -أيتها الفاضلة الكريمة– نحن نسعى دائماً أن يعيش الأزواج مع بعضهما البعض، وأن يساند الناس بصفة عامة بعضهم البعض، خاصة للأزواج، والزواج كما تعلمين ميثاق غليظ، وهو مودة وسكينة ورحمة، وكنت أتمنى أن تكوني على اطلاع بحالة هذا الرجل قبل أن تتزوجي به، لكن هذا الأمر شائع جدّاً في مجتمعاتنا –أي موضوع إخفاء الحالة النفسية–، والناس لا تتحدث عنها خوفاً من الوصمة الاجتماعية، أو خوفاً من الرفض في حالة الزواج، أو التقدم للزواج.

أيتها الفاضلة الكريمة: أرجو أن تجدي لزوجك العذر وكذلك لأهله، بما أنهم لم يخطروك بعلته؛ لأن هذا أمر شائع، والأمر الثاني: قطعاً هذا الرجل حالته لم تكن بالسوء أو التدهور الذي جعل المرض يظهر عليه، وبما أن المرض لم يظهر عليه شكلاً ولا سلوكاً قبل الزواج وفي وقت الزواج، فهذا يدل أيضاً أن حالته يمكن احتواؤها ويمكن علاجها.

أنا لا أنصحك أبدًا بالانفصال، وفي ذات الوقت لا أتخذ لك قرارًا، فالقرار لك، لكن التناصح بين الناس هو من الأمور المطلوبة، ومن الأشياء التي تقتضيها المروءة، وفوق ذلك يحث عليه ديننا الحنيف؛ لذا أعتقد أن وجودك مع هذا الرجل سيكون -إن شاء الله تعالى- باب خير لك وله ولابنتك، وباب الخير يأتيك من خلال مساعدته والحرص على علاجه.

يجب أن يكون هناك شيء من المصارحة، وشيء من تملك الحقائق، اجلسي معه جلسة لطيفة وطيبة، وفي حدود الذوق والاحترام والتقدير الكامل، ودون أن تسببي له أي نوع من الحرج أو الإحراج، اسأليه عن طبيعة علته؟ متى بدأت؟ كيف بدأت؟ ما هي الخطوات العلاجية التي قام بها؟ وبعد ذلك أقنعيه بأن تذهبي معه إلى الطبيب، والطبيب سوف يشرح لك حالته بالتفصيل بعد أن يستأذنه، ومن ثم يكون لك أنت دور علاجي في أن تشجعيه على تناول علاجه في وقته، وأنا أبشرك بأن الأدوية النفسية الآن أصبحت متعددة، وهناك أدوية متميزة جدًّا تساعد الناس.

إذاً عليك مساندتك له، والحرص على علاجه، ودفعه دفعاً إيجابياً، دون أن تشعريه بنقص، ودون أن يشعر بأن هناك خللاً في العلاقة الزوجية، دفعه وتأهيله من خلال حثه على المشاركات الاجتماعية، أن يحرص في عمله، أن يهتم بنفسه، أن يمارس الرياضة، أن يحرص على صلاته، على الدعاء، على الأذكار، أن يكون له صحبة وخلة من الصالحين...؛ فمرضى الوساوس والأمراض المشابهة يحتاجون لهذا الدفع النفسي.

فيا أيتهَا الفاضلة الكريمة: وجهة نظري هي أن تصبري، ولا أقول لك أن تكوني سلبية في مواجهة هذا الأمر، نعم الصبر جميل وطيب، لكن الصبر الذي يُدعّم بخطوات إيجابية هو الذي نريده، والخطوات الإيجابية في مثل هذه الحالة هي مساعدته على العلاج، أعتقد أن ذلك سوف يكون موقفًا نبيلاً منك، وهذا هو الذي نتوقعه منك، وفي ذات الوقت أعتقد أن هذا الرجل يمكن أن يكون زوجاً صالحاً بشيء من الدفع الإيجابي والمعاملة الحسنة، وأن يكون هنالك مكاشفة ووضوح حول طبيعة علته، أعتقد أن هذا أمر جيد.

أما بالنسبة لكونك عشت بين والدين منفصلين: فأرجو أن تأخذي كل حالة على حدة، وأن تبني حياتك على أسس قوية، وأن تكوني حريصة على استمرار زواجك.

ربما يكون من الأفضل أيضاً أن تسألي أحد الدعاة حول هذا الموضوع، وأنا متأكد أن الجميع سوف يشجعك ويحفزك على الاستمرار معه وصون الزواج، لكن إذا أصبحت الأمور مستحيلة، وكان هناك ضرر واضح يقع عليك أو على ابنتك أو حتى على زوجك، فهنا يمكن أن يتفق الناس على آليات أخرى.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا.
-------------------------------------------------------------
انتهت إجابة: د. محمد عبدالعليم -استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان-،
وتليها إجابة: د. أحمد الفرجابي - مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-.
------------------------------------------------------------
نرحب بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك التواصل معنا، ونشكر -حقيقةً- للدكتور محمد الإجابة الجميلة الرائعة، ونؤكد -لابنتنا الفاضلة- أنه ينبغي أن تستجيبي لما طلبه الطبيب المختص، فهو الأعلم بالحالة، أما نحن فبدورنا نؤكد أن العلاقة الزوجية تعرف قيمتها في مثل هذه المواقف، وفي مثل هذه الظروف، وكم من رجل صبر على مرض امرأته يرجو ما عند الله -تبارك وتعالى-، وكم من امرأة صبرت على مرض زوجها ترجو ما عند الله -تبارك وتعالى-، والإنسان مأجور، وخاصة عندما تكون هناك طفلة بين الزوجين، فإن دواعي التضحية تزداد، والحياة الزوجية تضحية، والحياة كلها تحتاج إلى تضحيات، وإذا لم تضحي الزوجة من أجل زوجها، فمن أجل من ستضحي؟ وإذا لم يضحِّ الزوج من أجل زوجته فمن أجل من سيضحي؟!

وجود الناس وتشجيع الناس للمريض، والوقوف إلى جواره، وخدمته ومعاملته معاملة جيدة، هذا جزء كبير من العلاج في أي مرض، فكيف إذا كانت هناك أمراض نفسية، يؤثر فيها الدعم النفسي، ووقوف الزوج إلى جوار زوجته يؤثر تأثيراً كبيراً وتأثيراً عظيماً في ذلك.

نحن نتمنى أن يكون الفراق هو آخر الخيارات، ونتمنى أن تستكملي معه سائر المحاولات، وأعجبنا وأسعدنا أنه موجود في البيت، وأنه يحب ابنته – كما أشرت –، هذه إشارات طيبة جدًّا، وينبغي أن تعاونيه في لحظات ضعفه، وفي لحظات احتياجه فتكونين إلى جواره.

ولذلك لا تستعجلي أمر الفراق، فإن الإنسان لن يندم على الاستمرار، ولكنه يمكن أن يندم على الطلاق ويندم على الفراق، الذي نخشى بسببه أن تتردى حالة هذا المريض وهذا الأب، وفي النهاية ستكون الخسارة والندامة؛ لأنه والد لابنتك الصغيرة هذه، ونحن نحب أن نؤكد أنه إذا كان الإنسان قد عاش تجربة فاشلة، فإن عليه أن يبني تجارب جديدة، وينبغي أن يتخذ ردة فعل مساوية في القوة، لكنها مخالفة في الاتجاه، فليس فشل الآباء سبباً لفشل الأبناء، بل ينبغي أن يكون دافعاً لمزيد من النجاح ومزيد من الصبر، ومزيد من التأقلم مع هذه الحياة الزوجية.

وكنت أريد أن نعرف مزيداً من التفاصيل عن حالة هذا الرجل، وعن عبادته وطاعته لله -تبارك وتعالى-، وعن الفرص المتاحة، وعن دور أسرته، وتفهمهم لما يحدث له، إلى غير ذلك من الأشياء التي تعطينا الصورة كاملة، ولكن على كل حال، نحن أبداً لا يمكن أن ننصح بالفراق، ونتمنى أن يكون هناك تواصل مع الموقع لتوضحي بعد ذلك ما تحتاجينه، وستجدين الإجابات الوافية من الأطباء المختصين، والإرشادات الوافية أيضاً من إخواننا الشرعيين، الذين يهتمون بصلاح البيوت، وباستمرارها، فإنه لا يفرح بالفراق ولا يفرح بالطلاق سوى الشيطان، والطلاق يزداد سوءًا وألماً عندما يكون في ظرف مرض، عندما تتخلى الزوجة عن زوجها، أو يتخلى الزوج عن زوجته، ونحن نقدر ما ذكره الطبيب، ونقدر عدم علمك بهذا المرض، لكن بعد أن علمت فكوني الأفضل وكوني الأحسن، واعلمي أن العاقبة للصابرين، وأنه ما من امرأة صبرت واحتسبت ورجت الأجر عند الله -تبارك وتعالى- إلا كان لها الفوز، إلا كان لها النصر، إلا كان التأييد حليفًا لها، وأنت لن تخسري بانتظارك، ومحاولة العلاج والبحث عن حالته، ومحاولة معرفة تاريخ إصابته بالمرض، وتطورات المرض، كما أشار الطبيب، ونحن نؤيد هذه الفكرة، حتى تكوني على بيّنة قبل اتخاذ هذا القرار، الذي سيرى المجتمع ويرى الجميع أنك تركته في أحوج اللحظات إليك.

وعلى كل حال، الإنسان يقف إلى جوار أي إنسان مريض، ويتعاطف معه، فكيف إذا كان المريض هو الزوج؟ وكيف إذا كان المريض هو والد ابنتك؟ فلا تحملي نفسك فوق طاقتها، واعلمي أن الإنسان وإن عاش مع مريض، فإن عليه أن يتأقلم مع الوضع، وعند ذلك سيسهل عليه الاستمرار، ولو إلى حين حتى تتضح الرؤية، وحتى تكوني قد أديت ما عليك، وأعذرت إلى الله -تبارك وتعالى-، وارتاح ضميرك بأنك أديت واجبك كاملاً، وقبل ذلك إذا قامت الزوجة بواجبها، فإنا نتوقع للمريض (الزوج) الشفاءَ العاجل، أو الاستقرار في الحالة، والتحسن فيها، بحيث يصلح أن يقوم بمهامه كزوج.

وكنا نريد أن نرى حياته الأخرى، تصرفه، قيامه بمسؤولياته، وإنفاقه على البيت، ولكن على كل حال نحن لا نريد أن تستعجلي القرار؛ لأن القرار الصحيح ينبغي أن ننظر فيه إلى كافة الزوايا، وكافة الأبعاد وكافة الخيارات، وننظر في مآلات الأمور، وهذه من الأمور الأساسية لاتخاذ أي قرار صحيح.

نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات