الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمر جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة مع أنه أمي

السؤال

سورة العلق بدأت بـ "أقرأ" ورسولنا أمي، فهل مع جبريل ما يقرأ منه كلوح أو كتاب؟ وما معنى اقرأ في ذلك الموضع؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

ففي الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: أقرأ، قلت: ما أنا بقارئ... فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني. فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم. فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- فقال: "زملوني زملوني" الحديث.

وقول الملك لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: اقرأ: أمر بالقراءة، والقراءة نطق بكلام معين مكتوب، أو محفوظ عن ظهر قلب، كما قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ {النحل:98}. أي إذا نطقت بالقرآن الذي تحفظه.

وقد أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل بقوله: "ما أنا بقارئ" لأنه لم تسلم إليه صحيفة، فيطلب منه قراءتها، وهو أمي لا يعرف القراءة من الصحف، ولم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ، فتطلب منه قراءته.

وهنا يرد سؤال آخر، وهو: ما وجه قول جبريل عليه السلام "اقرأ"؟ فيقال: الأمر بالقراءة حقيقته: تحصيل الفعل في الحال أو في الاستقبال، وجبريل -عليه السلام- إنما أراد حصول القراءة من نبينا -صلى الله عليه وسلم- في المستقبل القريب، أي أن يقول ما سيملى عليه، فهو كما يقول المعلم للتلميذ: اكتب، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه.

وإنما كرر جبريل -عليه السلام- الأمر بالقراءة، تأكيداً لأهمية الأمر وجديته، وتهيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليتلقى هذا القرآن العظيم.

وقول عائشة -رضي الله عنها- في الحديث: فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. أي: رجع بالآيات التي سمعها من جبريل عليه السلام.

ويدل عليه -أيضاً- قول خديجة -رضي الله عنها- لورقة بن نوفل: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.

والحاصل أن معنى "اقرأ" في هذا الموضع: ردد وقل ما سيملى عليك، أفاده العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره المسمى التحرير والتنوير.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني