الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا اعتمر المكي دون الخروج لأدنى الحل لزمه دم

السؤال

ما حكم من أتى بالعمرة دون أن يذهب إلى الميقات؟ مع العلم أنه من أهل مكة و صلى الركعتين في بيته بنية العمرة دون أن يعلم.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فميقات المكي للعمرة هو أدنى الحل، لما ثبت في الصحيح من أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلى التنعيم حين أرادت العمرة بعد حجتها، فإذا كان هذا المكي قد ترك الخروج إلى أدنى الحل ـ التنعيم أو غيره ـ فقد ترك واجبا من واجبات العمرة، فيلزمه دم عند الجمهور يذبح ويوزع على فقراء الحرم، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: من ترك شيئا من نسكه أو نسيه فعليه دم.

قال النووي رحمه الله في شرح قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن أبي بكر:اُخْرُجْ بِأُخْتِك مِنْ الْحَرَم فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ. فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّة وَأَرَادَ الْعُمْرَة فَمِيقَاته لَهَا أَدْنَى الْحِلّ, وَلا يَجُوز أَنْ يُحْرِم بِهَا مِنْ الْحَرَم.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوج إِلَى الْحِلّ لِيَجْمَع فِي نُسُكه بَيْن الْحِلّ وَالْحَرَم، كَمَا أَنَّ الْحَاجّ يَجْمَع بَيْنهمَا فَإِنَّهُ يَقِف بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي الْحِلّ، ثُمَّ يَدْخُل مَكَّة لِلطَّوَافِ وَغَيْره هَذَا تَفْصِيل مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَهَكَذَا قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء أَنَّهُ يَجِب الْخُرُوج لإِحْرَامِ الْعُمْرَة إِلَى أَدْنَى الْحِلّ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَم وَلَمْ يَخْرُج لَزِمَهُ دَم، وَقَالَ عَطَاء : لا شَيْء عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِك: لا يُجْزِئهُ حَتَّى يَخْرُج إِلَى الْحِلّ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَقَالَ مَالِك : لا بُدّ مِنْ إِحْرَامه مِنْ التَّنْعِيم خَاصَّة، قَالُوا: وَهُوَ مِيقَات الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّة، وَهَذَا شَاذّ مَرْدُود، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِير أَنَّ جَمِيع جِهَات الْحِلّ سَوَاء، وَلا تَخْتَصّ بِالتَّنْعِيمِ.

وبه تعلم أن الواجب على هذا الرجل إن كان أحرم من مكة أن يذبح دما ويوزعه على فقراء الحرم، وأما إن كان خرج إلى الحل ولم يذهب إلى ميقات من المواقيت المحددة فليس عليه شيء لأن ميقات المكي هو أدنى الحل كما بينا، وكونه لم يكن يعلم لا أثر له في إسقاط الدم عنه، وإن كان يرجى ألّا يكون آثما لعدم تعمد المخالفة، فإن الواجبات إذا تركت فلا بد من جبرها بدم، وإن كان تركها نسيانا أو جهلا، لأثر ابن عباس المتقدم.

وسئلت اللجنة الدائمة عن جماعة أحرموا بالعمرة من كدى ـ مكان بمكة ـ ولم يخرجوا إلى التنعيم. فأجابت:
أخطأ هؤلاء الذين أحرموا بالعمرة من كدى، لأن كدى ليست من الحل، بل من الحرم، وليست كالتنعيم، ولا الجعرانة، لأن كلا من التنعيم والجعرانة من الحل، وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، ولم يعتمر من التنعيم، وإنما أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب مع أخته عائشة لتحرم بالعمرة من التنعيم، لأنها أقرب مكان من الحل إلى الحرم، ولو كان الإحرام بالعمرة داخل حدود الحرم جائزا شرعا لأذن لعائشة أن تحرم من مكانها بالأبطح، ولم يكلفها وأخاها الذهاب إلى التنعيم للإحرام منه بالعمرة، لما في ذلك من المشقة دون حاجة وهم على سفر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثما وقياس ـ كدى ـ على التنعيم والجعرانة غير صحيح، لأن الإحرام من المواقيت تعبدي وعمرتهم صحيحة، وعلى كل منهم ذبيحة لإحرامهم بالعمرة من الحرم. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني