الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأصل في الشوارع وموضع الأقدام أنها طاهرة

السؤال

أنا أكاد أجن من مسألة الطهارة يا شيخ فأرجو منك أن تشرح لي الطهارة في الصلاة لا أقصد بذلك الوضوء بل أقصد الطهارة في المنزل كيف يجب أن يكون المكان الذي يصلى فيه سأضرب مثلا كي يكون سؤالي واضحا مع أن المسألة ربما يراها البعض بسيطة هو أني قد رأيت شخصا قد وضع سجادة الصلاة في الشارع و كان يصلي عليها مع أن الشارع لا يعتبر من الأماكن الطاهرة بل نجسة فهل تقبل الصلاة بهذه الحالة وأضرب مثلا آخر أنت إذا كنت في طريقك للجامع ويوجد شخص أمامك جاريا إلى الجامع دخل الرجل قبلك وهو ليس على حالة وضوء ورجلاه نجستان أي ليستا طاهرتين ودخل إلى الجامع ليتوضأ ويصلي ثم أنت دخلت وراءه وأنت على حالة وضوء وطهارة ووضعت رجلك على المكان الذي وضع عليه الرجل الذي دخل قبلك في الجامع فهل ينتقض وضوؤك في هذه الحالة وأنت تعلم أن الرجل الذي دخل أمامك إلى الجامع ليتوضأ دخل برجليه النجستين أم لا تعتبر هذه نجاسة بما أن الرجل كانت رجلاه ناشفتين أي لا تحتويان على نجاسة رطبة لكنهما كانتا نجستين فوالله قد احترت كثيرا بأمر الطهارة وتركت صلاتي لهذا الأمر خوفا من ألا تقبل فأرجو منك يا شيخ شرحا مفصلا لهذا الأمر هل يعقل أن أضع سجادة الصلاة على مكان نجس و أصلي عليها من الجهة النظيفة للسجادة..

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فههنا قاعدة مهمة لا بد من أن تتنبه لها، وعدم علمك بها هو الذي أوجب لك هذا الإشكال، وهذه القاعدة هي أن الأصل في الأشياء الطهارة فيستصحب هذا الأصل حتى يحصل اليقين بخلافه، فالأصل في الشوارع أنها طاهرة ليست بنجسة، والأصل في رجل هذا الرجل الذي دخل المسجد غير متوضئ أنها طاهرة غير نجسة، وكونه غير متوضئ لا يعني أن رجله نجسة، وهذا الرجل الذي وضع سجادته في الشارع وصلى لم يضعها على مكان نجس، بل وضعها على مكان محكوم بطهارته إلا أن يحصل اليقين بوجود النجاسة، قال الخطيب الشربيني رحمه الله في مغني المحتاج: واحترز بالمتيقن نجاسته عما يغلب على الظن اختلاطه بها كغالب الشوارع فإن فيه وأمثاله كثياب الخمارين والأطفال والجزارين والكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسة قولين: أصحهما الطهارة عملا بالأصل فإن لم يظن نجاسته فطاهر قطعا..

فروع: ماء الميزاب الذي تظن نجاسته ولم تتيقن طهارته فيه الخلاف في طين الشوارع واختار المصنف –أي النووي- الجزم بطهارته. انتهى.

هذا مع التنبه إلى أن الصلاة على قارعة الطريق مكروهة لما فيها من أذية للمارة وعدم الخشوع، وقد ورد في النهي عن الصلاة على قارعة الطريق حديث فيه مقال، قال الماوردي مبينا وجه النهي عن الصلاة على قارعة الطريق: فَأَمَّا نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –أي عن الصلاة- عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ : إِيذَاءُ الْمَارَّةِ وَالْمُجْتَازِينَ، وَإِيذَاءُ الْمُصَلَّى بِهِمْ، وَقِلَّةُ خُشُوعِهِ بِاجْتِيَازِهِمْ، فَعَلَى هَذَا الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْكَرَاهَةِ. انتهى.

وعلى تقدير كون هذا الرجل وضع سجادته على موضع نجس، فإن صلاته صحيحة ما دام الموضع الذي يباشره ببدنه طاهرا، قال النووي في الروضة: فرع يجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلي وثوبه وتحته وفوقه طاهرا، فلو وقف بحيث يمسه في صلاته جدار أو سقف نجس بطلت صلاته، ولو صلى على بساط تحته نجاسة أو على طرف منه نجاسة أو على سرير قوائمه على نجاسة لم يضر سواء تحرك ذلك الموضع بحركته أم لا. انتهى.

وقال البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: ( وإن طين أرضا متنجسة ) وصلى عليها ( أو بسط عليها ولو كانت النجاسة رطبة ) شيئا طاهرا صفيقا... (بحيث لا ينفذ ) النجس الرطب ( إلى ظاهره وصلى عليه ) صحت مع الكراهة ( أو ) صلى ( على بساط باطنه نجس وظاهره طاهر أو في علوه أو سفله غصب أو على سرير تحته نجس أو غسل وجه آجر نجس وصلى عليه صحت ) صلاته لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مباشر لها. انتهى.

وأما مشيك وأنت متوضئ في الموضع الذي مشى عليه الرجل المذكور فلا حرج فيه بوجه، وذلك لأن الأصل في قدمه هو الطهارة كما مر، وعلى فرض نجاسة قدمه فإن النجاسة لا تنتقل إذا كانت جافة وكان ملاقيها جافا كذلك. وراجع الفتوى رقم: 116329.

ولو افترضنا أنها رطبة وانتقلت بالفعل إلى قدم الشخص الآخر فإن ذلك لا يبطل وضوءه فإن ملامسة النجاسة لا تأثير لها على الوضوء.

وبه يتبين لك أنه لا وجه لما أوردته من إشكال وأن الأمر أيسر من ذلك بكثير، فديننا دين سمح وشريعتنا حنيفية والله تعالى لم يجعل علينا في الدين من حرج، وأما تركك للصلاة فهو خطأ عظيم وجرم جسيم يجب عليك أن تبادر بالتوبة منه إلى ربك تعالى وأن تقضي ما تركته من صلوات في تلك المدة فإنها دين في ذمتك لا تبرأ إلا بقضائها كما قال صلى الله عليه وسلم: فدين الله أحق أن يقضى متفق عليه، وانظر الفتوى رقم: 130853في بيان خطر ترك الصلاة وعظم جرمه.

ونحذرك من الوسوسة في باب النجاسة وغيره من أبواب الدين فإن الوسوسة من أعظم أبواب الشر، وننصحك بالاجتهاد في تعلم ما يلزمك من أحكام الشرع لتكون على بصيرة من أمر دينك ولئلا ترد عليك أمثال هذه الإشكالات.

والله أعلم.


مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني