الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يوم القيامة سينصف الله تعالى المظلوم ممن ظلمه

السؤال

عزيزي الشيخ أحبك الله ووسع في رزقك، وسؤالي هنا: قرأت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري يقول فيه: من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه، أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ـ فهل لمن عمل له سحر لمدة ثلاثة أشهر، ونوع هذا السحر الشعور بآلام مستمرة طوال اليوم إلى موعد النوم، وفي بعض الأحيان يتم إيقاظي وبث الألم داخل جسدي ثم جعلي أنام وأشياء كثيرة تعرضت لها بسبب هذا الانتقام بالسحر وأتلقى الآلام المبرحة إذا لم أتسامح حيث أصبحت المسامحة إجبارية وبالقوة حيث إن هذا السحر الذي أنا فيه منذ ثلاثة أشهر وقبلها كنت مسحورا لمدة تقرب من خمس سنوات وعشرة أشهر ولم يأذن الله لي بالشفاء فأصبت بحالة نفسية شديدة جزمت فيها أن لا أسامح من جعلني أشعر بالآلام بواسطة السحر سواء من
السحرة القدماء الذين لهم فترة خمس سنوات وعشرة أشهر أم من الساحر الذي له فترة ثلاثة أشهر الذي أعلمته بأنني متعب جدا من تلك السنوات التي سبقت قبل أن يأتي، لكنه لم يرحمني وقد أخبرته بأنني كنت متسامحا إلى بعد الحدود وأنني سوف أتسامح معه بشرط أن لا يعذبني كثيرا، لكن دون جدوى، فهو لا يريد أن يتركني وشأني بعد مضي هذه الفترة ـ ثلاثة أشهر ـ فبكيت كثيرا من هذا الظلم ولم أقصر أبدا مع من سحرني من النصائح الدينية والتذكير بيوم القيامة، لكن المشكلة أنني سمعت منهم بعد أن تلقيت منهم ضربا يوصل إلى درجة البكاء أن العقوبة التي ظلمني بها بإحداث الآلام المتنقلة في جسدي بجميع أنواعها واختلاف قوتها عن طريق السحر عقابها يكون مقسما يوم القيامة بمثل ما ذكرت لك في حديث البخاري في أول الصفحة، فقلت أريد أن أسألك هل من سحرني لفترة ثلاثة أشهر يعطيني الله من حسناته بمقدار ظلمه لي ولو تبقى له رصيد من الحسنات تدخله الجنة فإن الله سوف ينجيه
من ظلمه لي؟ وهل الله سبحانه وتعالى يعطيني من حسناته بمقدار ظلمه لي بناء على نقص في حسناتي أي أنني بدونها أعذب في النار؟ أم أن هذه الحسنات إجبارية حتى لو كان الله سبحانه وتعالى مقدرا لي دخول الجنة وأن فضل هذه الزيادة من الحسنات التي أتت من هذا الظالم الذي ظلمني سبب لرفعي منزلة في الجنة أعلى من التي كانت مقدرة لي من قبل أن يحصل لي هذا الظلم بسبب الساحر؟ فلو أخبرني الله تعالى بأن لي منزلة أعلى في الجنة بسبب هذا الساحر الذي ظلمني وقلت لله أنا سوف أرضى بما قدرت لي من منزلة في الجنة ولا أريد المنزلة الأعلى التي سوف تعطيني إياها بسبب هذه الحسنات الإضافية التي أعطيتني إياها من جراء ظلم الساحر لي، وذلك لأنني أريد من الله أن يعذبه بالألم بمثل ما عذبني في الدنيا، لقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً.
{النساء: 30}.
وقوله تعالى: إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ.
فهل معنى هذه الآيات أن الظالم سوف يصلى النار مباشرة وينتقم منه الله تعالى؟ أم أن الله الجبار لابد أن ينظر إلى رصيده من الحسنات فإذا أعطيت لي ولم يبق شيء له سوف يصليه الله النار؟ لأنه ربما كان محظوظا ذا حسنات كثيرة، وهذا ما كنت أسمعه منه دائما أنه سوف يتوب ـ وفعلا تاب توبة نصوحا ـ وإذا قال الله لي: لا ـ من محبتي لك يجب أن تأخذ هذه المرتبة العليا من الجنة بشكل إجباري، فهل بإمكاني أن أدعو الله وأقول له إنني ظلمت من الساحر وأنت تقول يا جبار إن دعوة المظلوم مستجابة وأنك تنصرها ولو بعد حين فأريد أن تغير طريقة انتقامك من الساحر بأن تعذبه بالألم بدلا من أن تأخذ من حسناته وأن تعطيه من سيئاتي إن لم يبق له شيء من حسناته ليعطيني إياه، فهل تتوقع من الله أن يستجيب لطلبي له في ذلك اليوم الموعود أم لا؟ أرجو أن تدعو الله أن يهديهم ويتركوني في حالي وإلا تدعو الله لي أن يعطيني خاصية التحكم في طريقة الجزاء لهم، بل أريدها من نفسي وذلك على حسب طلبهم، لأنهم يخافون منك ومن دعاء الصالحين.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فنسأل الله تعالى أن يحفظك ويشفيك وجميع مرضى المسلمين.

وسبق أن بينا حكم السحر وفاعله وأنه جريمة من أعظم الجرائم وكبيرة من أكبر الكبار يستحق صاحبها العقاب في الدنيا والآخرة وانظر الفتاوى التالية أرقامها:1653، 133797، 77374، وما أحيل عليه فيها.

كما بينا كيفية علاجه والتخلص منه في الفتويين رقم: 2244 ورقم: 10981.

وسبق أن بينا حرمة الظلم وأن الله تعالى حرمه على نفسه وجعله محرما بين عباده، وانظر الفتويين رقم: 94603 ورقم: 21295.

والحديث الذي ذكرت حديث صحيح ـ كما أشرت ـ والقصد منه هو التنفير من الظلم والتحذير منه وحث الظالم على التوبة ورد الحقوق إلى أهلها قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار، ويكون التعامل بالحسنات.

وليس معناه إهمال الظالم أو عدم القصاص منه، فالله سبحانه تعالى العدل الحكم يقول في محكم كتابه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ.

{الأنبياء: 47}.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.

{هود: 102}.

متفق عليه.

ويقول صلى الله عليه وسلم: إنه إذا كان يوم القيامة يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

رواه الإمام أحمد، وصححه الأناؤوط.

وإذا كان هذا في البهائم فكيف في الآدميين؟.

ولذلك، فإن عليك أن تطمئن وتستيقن بأنك ستنال حقك كاملا غير منقوص إذا لم تعف عنه برضاك وطيب نفسك، ولا داعي لما ذكرت من الاحتمالات، فإن الله تعالى حكيم عدل خبير وتفاصيل أمور يوم القيامة من الغيب الذي لا يمكن الكلام فيه إلا بتوقيف من الشارع.

والمقطوع به هو أن الله سينصف المظلوم ممن ظلمه، ولكننا نجهل كثيرا من تفاصيل ذلك.

كما أن المسلم ينبغي أن لا يحمله شيء من أمور الدنيا على الرضا بالدرجات الدنيا من الجنة، فإن في الجنة درجات لا يدخلها أصحابها إلا بعد عذاب شديد.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني