الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هجر الأخت أخاها لضربه إياها

السؤال

تشاجرت مع أخي السنة الماضية، وكان شجارا قويا، ووصل لضربي، ولم نعد نتكلم من حينها. أمي لا تكف عن نهري حول هذا الموضوع دائما، وقول: إني التي يجب أن أبادر، مع أنه هو المخطئ، وإني آثمة؛ لأني لم أتحدث معه منذ مدة طويلة، ولا تكف عن ذكر حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، مع أنه لم يحاول أن يعتذر مني مطلقا، فهل أنا آثمة بعدم حديثي معه؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فلا يجوز إيذاء المسلم بغير وجه شرعي، سواء كان الإيذاء بفعل، أو قول، أو غيرهما. فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا {الأحزاب:58}، وراجعي المزيد في الفتوى: 284695

فإن كان أخوك قد آذاك بضرب، أو كلام بغير وجه شرعي، فقد ارتكب معصية وإثما.

وكانت أمك على صواب فيما تأمرك به من السلام على أخيك، والكف عن هجرانه، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. متفق عليه.

وجاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال: قال الطبرى: فى حديث أنس، وأبى أيوب البيان الواضح أنه غير جائز لمسلم أن يهجر مسلما أكثر من ثلاثة أيام، وأنه إن هجره أكثر من ثلاثة أيام أثم، وكان أمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه؛ لأنه عليه السلام أخبر أنه لا يحل ذلك، ومن فعل ماهو محظور عليه، فقد اقتحم حمى الله، وانتهك حرمته. اهـ.

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، أي: هو أفضلهما، وفيه دليل لمذهب الشافعي، ومالك، ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة، ويرفع الإثم فيها، ويزيله، وقال أحمد، وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجرته. قال أصحابنا: ولو كاتبه، أو راسله عند غيبته عنه، هل يزول إثم الهجرة؟ وفيه وجهان، أحدهما لا يزول؛ لأنه لم يكلمه، وأصحهما يزول لزوال الوحشة، والله أعلم. اهـ.

وقال الصنعاني في سبل السلام: وقد فسر معنى الهجر بقوله: (يلتقيان - إلى آخره)، وهو الغالب من حال المتهاجرين عند اللقاء. وفيه دلالة على زوال الهجر له بِردِّ السلام، وإليه ذهب الجمهور، ومالك، والشافعي. اهـ.

فتبيّن مما سبق أنه لا يجوز لك الإصرار على هجران أخيك، واحذري من كيد الشيطان، ووسوسته بتزيين هجران أخيك، والحرص على الانتقام منه. ويزول هذا الهجران بالسلام، أو رد السلام، وراجعي للفائدة الفتوى: 27841.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني