الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في حكم هذه المسألة ، [ ص: 605 ] فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن ( عائشة رضي الله عنها . أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة )

ومن طريق عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، أخبرني عطاء ، عن ( ابن عباس أنه قال : إنما قال الله عز وجل : تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ولم يقل : تعتد في بيتها ، فتعتد حيث شاءت ) وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس ، فإن علي بن المديني قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن جريج ، عن ( عطاء قال : سمعت ابن عباس يقول : قال الله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) ولم يقل : يعتددن في بيوتهن تعتد حيث شاءت ) قال سفيان : قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا .

وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج ، أخبرني ( أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : تعتد المتوفى عنها حيث شاءت )

وقال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي أن ( علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن )

وذكر عبد الرزاق أيضا ، عن محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس وعطاء قالا جميعا : المبتوتة والمتوفى عنها تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان .

[ ص: 606 ] وذكر أيضا ، عن ابن جريج ، عن ( عطاء قال : لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت )

وقال ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ( عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا : المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت )

وذكر ابن أبي شيبة ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن ( حبيب المعلم ، قال : سألت عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها ، أتحجان في عدتهما ؟ قال : نعم . وكان الحسن يقول بمثل ذلك )

وقال ابن وهب : أخبرني ابن لهيعة ، عن حنين بن أبي حكيم أن ( امرأة مزاحم لما توفي عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أأمكث حتى تنقضي عدتي ؟ فقال لها : بل الحقي بقرارك ودار أبيك فاعتدي فيها )

قال ابن وهب : وأخبرني يحيى بن أيوب ، عن ( يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته ، وله بها دار ، وله بالفسطاط دار ، فقال : إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد ، وإن أحبت أن ترجع إلى دار [ ص: 607 ] زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع )

قال ابن وهب : وأخبرني عمرو بن الحارث ، عن ( بكير بن الأشج قال : سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى ؟ قال : تعتد حيث توفي عنها زوجها ، أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها ) وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم .

ولأصحاب هذا القول حجتان احتج بهما ابن عباس ، وقد حكينا إحداهما ، وهي : أن الله سبحانه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر ، ولم يأمرها بمكان معين .

والثانية : ما رواه أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد المروزي ، حدثنا موسى بن مسعود ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح قال : قال عطاء : ( قال ابن عباس : نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها ، فتعتد حيث شاءت ، وهو قول الله عز وجل : ( غير إخراج ) قال عطاء : إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت لقول الله عز وجل : ( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن ) قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى ، تعتد حيث شاءت )

وقالت طائفة ثانية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : تعتد في منزلها التي توفي زوجها وهي فيه ، قال وكيع : حدثنا الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن سعيد بن المسيب ( أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات ، أو معتمرات توفي عنهن أزواجهن )

[ ص: 608 ] وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج ، أخبرنا حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : ( كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجات ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة )

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن يوسف بن ماهك ، عن أمه مسيكة ( أن امرأة متوفى عنها زارت أهلها في عدتها فضربها الطلق ، فأتوا عثمان فقال : احملوها إلى بيتها وهي تطلق )

وذكر أيضا ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، ( عن ابن عمر أنه كانت له ابنة تعتد من وفاة زوجها ، وكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم ، فإذا كان الليل أمرها أن ترجع إلى بيتها )

وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ( أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها ، وأن زيد بن ثابت لم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلها )

وذكر عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة قال : ( سأل ابن مسعود نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن فقلن : إنا نستوحش ، فقال ابن مسعود : تجتمعن بالنهار ، ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها بالليل )

[ ص: 609 ] وذكر الحجاج بن المنهال ، حدثنا أبو عوانة ، عن منصور ، عن إبراهيم ( أن امرأة بعثت إلى أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها : إن أبي مريض وأنا في عدة أفآتيه أمرضه ؟ قالت : نعم ، ولكن بيتي أحد طرفي الليل في بيتك )

وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم ، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي أنه سئل عن المتوفى عنها : أتخرج في عدتها ؟ فقال : ( كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشد شيء في ذلك يقولون : لا تخرج وكان الشيخ - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - يرحلها )

وقال حماد بن سلمة : أخبرنا هشام بن عروة أن أباه قال : ( المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها إلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم )

وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم ، أخبرنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري ( أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفى عنها : لا تبرح حتى تنقضي عدتها )

وذكر أيضا ( عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء وجابر ، كلاهما قال في المتوفى عنها : لا تخرج )

وذكر وكيع ، عن الحسن بن صالح ، عن المغيرة ، ( عن إبراهيم في المتوفى عنها : لا بأس أن تخرج بالنهار ، ولا تبيت عن بيتها )

وذكر حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ( أن امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة فنقلها أهلها ، ثم سألوا ، فكلهم يأمرهم أن ترد [ ص: 610 ] إلى بيت زوجها قال ابن سيرين : فرددناها في نمط ) ، وهذا قول الإمام أحمد ، ومالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة رحمهم الله وأصحابهم ، والأوزاعي ، وأبي عبيد ، وإسحاق .

قال أبو عمر بن عبد البر : وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز ، والشام ، والعراق ، ومصر .

وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك ، وقد تلقاه عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول ، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار ، وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول ، ولم يعلم أن أحدا منهم طعن فيه ، ولا في رواته ، وهذا مالك مع تحريه وتشدده في الرواية .

وقوله للسائل له عن رجل : أثقة هو ؟ فقال : لو كان ثقة لرأيته في كتبي : قد أدخله في " موطئه " وبنى عليه مذهبه .

قالوا : ونحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة ، ولكن السنة تفصل بين المتنازعين .

قال أبو عمر بن عبد البر : أما السنة فثابتة بحمد الله ، وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة ؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري قال : ( أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة رضي الله عنها وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية