الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                              قوله تعالى: ورزق ربك خير وأبقى

                                                                                                                                                                                              قوله: "وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك " هذا خير الرزق كما سبق في حديث "خير الرزق ما يكفي " .

                                                                                                                                                                                              وفي "الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" .

                                                                                                                                                                                              وقد فسر طائفة من المفسرين قوله تعالى: ورزق ربك خير وأبقى بهذا، وقالوا: المراد: رزق يوم بيوم . في "صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنعه الله به " .

                                                                                                                                                                                              وخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع " . [ ص: 695 ] وفي "المسند" و"سنن ابن ماجه " عن أنس مرفوعا: "ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي قوتا" .

                                                                                                                                                                                              وفي الترمذي عن أبي أمامة - مرفوعا: "عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " .

                                                                                                                                                                                              وفي "سنن ابن ماجه " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى رجل يستمنحه ناقة فرده ثم بعث إلى آخر فبعث إليه بناقة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أكثر مال فلان - للمانع الأول - واجعل رزق فلان يوما بيوم - للذي بعث بالناقة" .

                                                                                                                                                                                              وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة - مرفوعا: "اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده " .

                                                                                                                                                                                              وفي الترمذي وابن ماجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه; فكأنما حيزت له الدنيا" .

                                                                                                                                                                                              وخرجه الطبراني وزاد في أوله: "ابن آدم، جمعت عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع " وزاد في آخره: "فعلى الدنيا العفاء" .

                                                                                                                                                                                              وقال عمر : كونوا أوعية الكتاب، ينابيع للعلم، وسلوا الله رزق يوم [ ص: 696 ] بيوم، وعدوا أنفسكم في الموتى، ولا يضركم أن لا يكثر لكم .

                                                                                                                                                                                              والكفاف من الرزق; هو ما ليس فيه فضل - بأن يكتفي به صاحبه من غير فضل . وجاء من حديث ابن عباس - مرفوعا: "إنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه " خرجه ابن أبي الدنيا .

                                                                                                                                                                                              والمراد أن من اكتفى من الدنيا باليسير وقنعت به نفسه فقد كفاه ذلك واستغنى له وإن كان يسيرا .

                                                                                                                                                                                              قال أبو حازم : إن كان يغنيك ما يكفيك فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك - وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك .

                                                                                                                                                                                              قال بكر المزني: يكفيك من الدنيا ما قنعت به ولو كف تمر وشربة ماء .

                                                                                                                                                                                              وقال الإمام أحمد : قليل الدنيا يكفي وكثير ما يكفي يغني، إن من اكتفى من الدنيا كفاه منها القليل، ومن لم يكتف لم يكفه الكثير، كما قال بعضهم، شعر:


                                                                                                                                                                                              حقيق بالتواضع من يموت . ويكفي المرء من دنياه قوت



                                                                                                                                                                                              وقال آخر:


                                                                                                                                                                                              يكفي الفتى خلق وقوت .     ما أكثر القوت لمن يموت



                                                                                                                                                                                              وقد مدح في هذا الحديث من صبر على كفاف عيشه وقنع به، فأما الراضي بذلك: فهو أعلى منزلة من الصابر القانع . وقد قيل: إن الفقير الراضي أفضل من الفقير الصابر والغني الشاكر بالاتفاق . [ ص: 697 ] وفي الحديث أنه - عليه السلام - كان يقول في دعائه: "رضني بما قسمت ،

                                                                                                                                                                                              وفي حديث آخر . "إذا أراد بعبده خيرا رضاه بما قسم له، وبارك له فيه " .

                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية