الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - ( مسألة ) : لا تكليف إلا بفعل . فالمكلف به في النهي : كف النفس عن الفعل .

            وعن أبي هاشم وكثير : نفي الفعل . لنا : لو كان - لكان مستدعى حصوله منه ، ولا يتصور ; لأنه غير مقدور [ له ] .

            وأجيب بمنع أنه غير مقدور [ له ] ، كأحد قولي القاضي . ورد بأنه كان معدوما واستمر . والقدرة تقتضي أثرا عقلا . وفيه نظر .

            [ ص: 430 ]

            التالي السابق


            ش - المسألة الثانية في أن المكلف به هل يشترط أن يكون فعلا أم لا ؟ فمذهب أكثر الأصوليين أنه لا تكليف إلا بفعل . والمصنف أقام الدليل على هذا . ومذهب الباقين أنه يجوز التكليف بغير فعل .

            فعلى المذهب الأول ، المكلف به في النهي كف النفس عن الفعل ، لا نفي الفعل ; لأن كف النفس فعل ونفي الفعل ليس بفعل .

            وقد نقل عن أبي هاشم وكثير من الأصوليين أن المكلف به في النهي نفي الفعل .

            والدليل على أن نفي الفعل لا يكون مكلفا به أنه لو كان نفي الفعل مكلفا به لكان نفي الفعل مستدعى حصوله من المكلف . والتالي باطل فالمقدم مثله .

            أما الملازمة فلأن التكليف طلب ، والطلب استدعاء الحصول ، فيكون المكلف به مطلوبا ، والمطلوب مستدعى حصوله .

            وأما انتفاء التالي فلأن استدعاء الحصول فرع تصور وقوعه من المكلف ، ولا يتصور وقوع نفي الفعل ; لأنه غير مقدور عليه; لأنه نفي محض ، والنفي المحض لا يكون مقدورا عليه . وإذا لم يكن مقدورا عليه لم يتصور وقوعه .

            أجيب عنه بأنا لا نسلم أن نفي الفعل غير مقدور عليه ، كما [ ص: 431 ] ذهب إليه القاضي أبو بكر في أحد قوليه . وهو أن نفي الفعل مقدور العبد ومكتسبه ، ولهذا يمدح المكلف بترك الزنا .

            ورد هذا الجواب بأن الفعل كان معدوما قبل وجود المكلف ، وبعده استمر العدم ، ولم يحصل بقدرته ; لأنه لو حصل بقدرته لكان له أثر في ذلك النفي ; لأن القدرة تقتضي أثرا عقلا ، ولا أثر للمكلف فيه ; لأن نفي الفعل بعد وجود المكلف على حاله قبل وجوده .

            ثم قال المصنف وفي هذا الرد نظر ; لأنا لا نسلم أن نفي الفعل غير مقدور للمكلف . وذلك لأن نفي الفعل وإن كان متحققا قبل وجود المكلف ، إلا أنه بعد أن وجد المكلف ودعاه نفسه إلى الفعل ولم يطعها وكف عن الفعل يتبع هذا الكف بقاء نفي الفعل ، وهو أثر قدرة المكلف ، فيجوز أن يكون نفي الفعل مكلفا به من هذا الوجه .




            الخدمات العلمية