مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

1 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد.

..

معلوم أن الإسلام عقيدة وعملا قام على دعامتين أساسيتين ، هما كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم ، والسنة في ذاتها تبيان للكتاب وتطبيق له.

وكان الرسول الكريم عليه صلوات الله تعالى بما أوتى من جوامع الكلم وبليغ القول يؤدى عن ربه ، تفصيلا لما أجمل من قرآن ، أو تصريحا عن أمر ألمح إليه الوحي ، أو إجابة عن تساؤل تحيرت فيه أفكار الناس ، أو تعبير عن إحساس عميق بحقائق هذه الحياة الدنيا ، وما هو كائن بعدها من أحداث.

. وكان لتعبيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نمط فريد ، جمع بين ملاحة العبارة وتآلف كلماتها ، وتجاذب أصواتها ، وشمول معناها ، وعمقه ودقته.

. بحيث تترك من آثارها في نفس السامع ، حقائق مستقرة ، مريحة.

توقظ المشاعر ، وتمتزج بالفطرة ، وتتغلغل في أعماقها.

كان لحديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نمط فريد ، اختص به عليه السلام.

جمع بين الإيجاز في اللفظ ، والوضوح المفعم بالإحساس ، والجمال في التعبير ، والحلاوة في الإيقاع.

ولم يكن لأحد من فحول الشعراء ، ومصاقع الخطباء ، ومشاهير البلغاء ، من القدرة ، أو الموهبة ، ما يعينه على أن ينسج على منواله في أحاديثه عليه الصلاة والسلام وأكثرها على البديهة.

فكيف بالذي قاله عليه السلام على الروية.

! وهيهات.

للذى تقدم من الشرح برغم عدم التدوين إبان حياته المباركة ، حفظ الناس كل ما قال.

وهذه ، فيما نعلم ، ظاهرة لم تحدث في تاريخ البشرية ، على امتداد أحقابها.

. لم يحدث أبدا أن حفظ جيل كامل معاصر لرجل.

. كل كلمة نطقت بها شفتاه.

. سمعت منه ، أو نقلت عنه.

ثم كان الحفاظ عليها صنو الحفاظ على الحياة.

إيثارا وحبا وتأثرا وحنينا.

على أن من حفظ.

إنما كان يشبع حاجة النفس العطشى.

وينشد راحتها ، غير قاصد بما يسمع ، أنه يسمع لينقل لغيره أو للأجيال عبر التاريخ.

ولا هو عامد إلى ذلك.

إنما كان يسمع ليروي غلة صادية ، وفطرة مشتاقة.

وهو في أعماقه عاجز عن التقليد ، عاجز عن الإعراض ، حتى لو أراد.

فكيف بحاله وهو المقبل المتلهف على الحكمة البالغة ، والعبارة الآسرة ، والمعنى الجليل.

كذلك كان أصحابه عليه السلام يحفظون عنه فيما يحفظون كلامه العادي.

على حين أنه مجرد أداء لمتطلبات حياته المباركة في حله وترحاله ، في حربه وسلمه ، في مأكله ومشربه ، في غضبه ورضاه ، في سروره وحزنه.

وأفضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ربه الكريم.

راضيا مرضيا.

وكلامه محفوظ غير مكتوب.

وكأنه عليه السلام أبي أن يترك بعد موته مع كتاب الله كتابا.

اللهم إلا شيئا لا يدخل في حكم التدوين.

وهو اتجاه صرح به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أيام خلافته حين اقترح بعضهم كتابة حديث رسول الله.

فأبي ذلك ولم يرتضه .

ومضى خير القرون ، ولم يدون الحديث ولا وضع فيه كتاب ، لكن كانت ، خلال ذلك ، أطلت الفتن برءوسها.

فطوت في أعاصيرها الهوجاء ، حيوات غاليات ، قتل عمر الفاروق الملهم ، وعثمان الحيي الكريم ، وعلى القوي الحكيم.

وطلحة الصالح المبشر ، والزبير الحوارى الشهيد.

وسواهم كثير.

ثم قتل ممن بعدهم الحسين بن علي ومعه أمة من الصالحين.

ووراء كل نصراء وأصحاب وشيعة وأحزاب.

وعلى امتداد عصر الراشدين.

وخاصة علي رضي الله عنه.

وعلى امتداد حكم الأمويين.

وخاصة أيام معاوية إلى عبد الملك.

وفى مطلع أيام العباسيين وخاصة أيام أبي عبد الله السفاح ، وأبي مسلم الخراساني.

في إبان تلك الأيام ، طورا طورا.

وفى مختلف الأنحاء من معمور الأرض والبلاد ، بلاد المسلمين ، على تباين الأجناس ، وتفرق الأهواء والقوميات والعصبيات.

والسياسة في خدمة المعركة.

والإثارة في خدمة السياسة ، والهوى مستحكم ، والشر مستطار ، والفتن يقظى بعد هجوع.

والحكم للسيف.

والغلب لمن كثر أعوانه.

. في هذا المضطرب عبر الأيام سعى الخصوم وراء الخصوم ، كل يعزز رأيه وحزبه.

العرب ، في الأغلب ، بالشعر والنثر والمأثور والخطابة.

والعجم ، في الأغلب ، بالكيد والوقيعة والسعاية والدعاية.

وكان من أفعل الكيد ، وأخبث الدعاية ، أن يصنع حديث على نمط مقارب لآخر صحيح ، في لفظه وجرسه ، وشكله وسمته.

وينسب إلى الرسول الكريم عليه السلام.

تمييزا لشخص على آخر ، أو إنباء بحادث له دلالة لم يكن وقع آنذاك ، ثمت وقع مؤخرا.

أو نصرة لرأي أو مذهب اختصم فيه الأخصام ، أو إشادة بمنقبة ، أو افتعال لمثلبة.

وجرى ذلك وشاع في ندرة وقلة أيام عمر وعثمان خاصة من يهود.

وفى غلبة وكثرة أيام علي ومعاوية ، خاصة من فرس.

وهاجت حمى وضع الأحاديث ونسبتها إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما تلا ذلك من أيام ، وجاءت تترى من كل صوب ، تزاحم الصحيح لتزيله وتستقر في الأذهان مكانه.

ومن ورائها الغرض الخبيث ، والكيد للإسلام ، وإحلال القشور في مواضع اللباب ، والتفاهات في ثوب المهمات ، والشرك في مواضع التوحيد ، والخرافات والترهات بدلا من الحقائق والبديهيات.

وتطور فن وضع الحديث مع الزمن ، وتدهور من أغراض الحرب والسياسة تبعا لخور النفوس وانحطاط الأغراض إلى أغراض أخر دون ما تحرج ولا تأثم ، حتى تجاوز الوضع حدود الخصومات والخلافات السياسية والمذهبية إلى التكسب به ، كاسترضاء الخلفاء والأمراء ، رغبة فيما في أيديهم من المال والضياع ، أو طلبا للرياسة والجاه وبعد الصيت ، والمباهاة عند العامة.

وانحطت الأغراض في الوضع والكذب علي رسول الله ، أكثر فأكثر حتى وصلت إلى حد الخبل والبلاهة وما يشبه كلام الصبيان.

إلى حد أنه لا يستعظم على كذاب أن يضع حديثا ويقيم له سندا يصل به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، يمدح به قبيلته أو بلدته ، أو نوع ثوبه ، أو طعاما يحبه ، أو شرابا يسيغه ، أو فاكهة يؤثرها على غيرها.

. إلى ما لا نهاية له من الخلط والتهريج ، بالعمد والنية السيئة والقصد في الأغلب ، وبالبلاهة والغباء والتعالم في الأقل.

وبشيء من الإيجاز يمكن تصور الموقف بالنسبة لتناقل الحديث وتفشى الوضع فيه.

مع تلخيص الأسباب المباشرة لنجاح الكذابين في وضع ما وضعوه من الأحاديث وإشاعتها بين المسلمين بالصورة الوبائية المعلومة لدى أهل الحديث على النحو التالي : أولا : انحراف المزاج الفكري والعاطفي للشعوب الأعجمية التي دخلت الإسلام في أعقاب الفتوح أو التي عاشت تحت حكمه على دينها ، والأفراد الذين تظاهروا بالإسلام تقية كبعض اليهود والمجوس.

ثانيا : مات الرسول الكريم ، وكان عدد من بقي بعد موته من أصحابه الذين رأوه وسمعوا منه زهاء مائة ألف أو يزيدون ، سمع منهم من التابعين وتابعي التابعين من لا يحصى كثرة من مختلف الأجناس وفى مختلف البقاع.

في غمرة هذه الكثرة ، وافتقاد ضابط الصحة للرواية في الزمان والمكان ، غافل الكذابون الناس ووضعوا ما شاءوا.

وتعذر ، بل استحال حصر ما وضعوه.

ثالثا : انتهز الكذابون فرصة كثرة ما رواه أمثال أبي هريرة من الأحاديث الصحيحة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهى كثيرة جدا ، فوضعوا من الأحاديث المكذوبة شيئا كثيرا نسبوه للنبي عليه الصلاة والسلام زورا عن طريق أبي هريرة ، ليتوه كثيرهم المكذوب في كثيره الصحيح ، وليشق تمييز صحيحه من سقيمهم ، وقد كان.

وعاش إلى جوار الوضاعين الشانئين وضاعون آخرون من طراز مختلف ، شأنهم أعجب ، وسلوكهم أغرب.

وضاعون صالحون غيورون على الإسلام.

يضعون الحديث ، ويزورون على الرسول ما لم يقل.

تقربا لله سبحانه وتزلفا إليه ، وما كأنهم أثموا ، ولا جاءوا ظلما من القول وزورا.

فهذا أبو عصمة نوح بن أبي مريم يتعقب سور القرآن واحدة واحدة ، فيلصق بكل سورة فضيلة ، ويرتب لها فائدة ، ويضع فيها حديثا ينسبه إلى الرسول زورا بعد أن يصنع له سندا ينتهي ، في غالب ما وضع ، إلى ابن عباس ، ثم إلى النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق عكرمة بن أبي جهل.

كما كان أحيانا يرفع إلى أبي بن كعب أو سواه.

والعجب منه ومن أمثاله.

لا يرى أنه وقع في إثم بما فعل ! اسمع إليه يدفع عن نفسه اللوم حين عوتب ، فيقول : لما رأيت اشتغال الناس بفقه أبي حنيفة ، ومغازي محمد بن إسحاق ، وأنهم أعرضوا عن القرآن ، وضعت هذه الأحاديث حسبة لله تعالى.

كذلك وهب بن منبه.

أسلم بعد يهودية ، وكان يضع الحديث في فضائل الأعمال.

وفعل مثل فعله عبد الملك بن عبد العزيز الذي أسلم بعد نصرانية.

ونشط وضاعون آخرون.

يضعون وينسبون ما وضعوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زورا.

في فضائل من أحبوا ، ومثالب من أبغضوا ، ثم زيفوا لها الأسانيد أيضا ، كيلا يتطرق إليها الشك ، أو ينكشف الزيف.

وأسرف في ذلك جماعات ، كأمثال : النقاش ، والقطيعي ، والثعلبي ، والأهوازي ، وأبي نعيم ، والخطيب.

وسواهم فيما وضعوا من مناقب وفضائل : أبي بكر الصديق ، وعمر ، وعثمان ، ومعاوية رضي الله عنهم.

وعلى الضد من هؤلاء قامت جماعات أخر تكيل الكيل كيلين ، فوضعت في مناقب على رضي الله عنه من الأحاديث المستغربة ما لا يدخل تحت حصر ، من أمثال : أحمد بن نصر الذراع ، وحبة بن جوين ، وبشر بن إبراهيم ، وعباد بن يعقوب ، وعبد الله بن داهر.

وما كان أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا على في حاجة إلى مديح أو إشادة من أمثال هؤلاء ، علم الله.

ونشط غير هؤلاء وهؤلاء آخرون من الزنادقة الذين لم يكونوا برئوا بعد من أثر المجوسية والمانوية والزرادشتية والمزدكية.

كان همهم وضع الحديث لبلبلة الأفكار وإفساد عقائد المسلمين.

لقد أحصى المحدثون لبعض فرق الزنادقة وحدهم زهاء أربعة عشر ألف حديث مكذوب على الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

وأفظع من ذلك وأشنع ما صنعه ثلاثة نفر فحسب هم : أحمد بن عبد الله الجويباري ، ومحمد بن عكاشة الكرماني ، ومحمد بن تميم الفريابي ، الذين وضعوا عشرة آلاف حديث وحدهم ونسبوها زورا إلى النبي الكريم ، ليضلوا بها عن سبيل الله.

ولم يكن هؤلاء الثلاثة فرسان حلبة خلت من أقران ، بل كان هناك ممن ساواهم ، بل بزهم وضاعون آخرون من أمثال : ابن أبي يحيى بالمدينة ، والواقدي ببغداد ، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام ، ومقاتل بن سليمان بخراسان.

لم تكن حركة الوضع ، وضع الأحاديث المكذوبة على الرسول الكريم ، حركة ارتجالية عفوية في كل الأحيان ، إنما تطورت إلى حركة مدروسة هادفة ، وخطة شاملة لها خطرها وآثارها.

كان من نتائجها المباشرة على العديد من أجيال المسلمين في العديد من أقطارهم ، شيوع ما لا يحصى من الآراء الغريبة ، والقواعد الفقهية الشاذة ، والعقائد الزائفة ، والافتراضات النظرية المضحكة التي أيدتها ، وتعاملت بها ، وروجت لها فرق وطوائف معينة ، لبست مسوح الدروشة والتصوف حينا ، والفلسفة حينا ، والعباد والزهاد أحيانا.

وجافت في غالب أحوالها السلوك السوي والفكر والعقل السليم ، فضلا عن مجافاتها الصارخة لكتاب الله سبحانه ، وهدى نبيه الكريم عليه الصلاة السلام إزاء ذلك ، وفى بوادر هذا الطوفان ، وقد أوشك القرن الثاني أن ينتصف ، قامت أول محاولة جدية لتخليص الأحاديث الصحيحة من مئات الألوف المزيفة.

تشوفت نفس أبي جعفر المنصور ، وكان امرءا تواقا إلى العلم ، حفيا بالعلماء ، إلى كتاب ينفض الزيف ويبقي على الصحيح.

تخير لهذه المهمة مالك بن أنس الأصبحي ، خيرة أهل الأرض في زمانه علما وتقى ، وإمام دار الهجرة ، وفقيه المسلمين ، وصفوة صلحاء أهل اليمن ، وبقية ملوك حمير.

شمر لها الإمام الجليل ، وواصل الليل بالنهار.

يجمع ويمحص ، ويحقق ويدقق.

حتى اجتمعت لديه مائة ألف حديث.

انتخب منها عشرة آلاف ونبذ التسعين ألفا.

حيث وضح لديه زيفها ، وقام عنده الدليل على وضعها.

ثم لم يزل خلال أربعين سنة دأبا يعرض ما انتخب على الكتاب والسنة ، ويقيسها بالآثار والأخبار ، حتى رجعت إلى خمس مائة حديث فقط ، هي كل ما صح لديه من العشرة الآلاف المنتخبة ، بل المائة ألف الأولى.

قال الهراس في تعليقه على الأصول : إن موطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف حديث ، ثم لم يزل ينتقى حتى رجع إلى سبع مائة.

وقال عتيق بن يعقوب : وضع مالك موطأه على نحو عشرة آلاف حديث ، فلم يزل ينظر فيه كل سنة ، ويسقط منه ، حتى بقي هذا.

فهذا الذي صنعه مالك وجمعه خلال قرابة نصف قرن ، يعد من خير القرون ، بلغ زهاء خمس مائة فحسب ، من مائة ألف.

ويا لها من نسبة.

ومالك بن أنس هو العلم ، ناهيك به ، فضل علم ، وفضل تقى ، وقرب عهد بعصر الرسالة ، وزمن الصحابة ، وموطن الدين ، ومسرح الإسلام.

كانت هذه المحاولة أول محاولة ناضجة ، مستكملة لعناصر البقاء ، لتصنيف الحديث النبوي وجمعه ، وتمييز صحيحه من سقيمه.

أما محاولات ابن شهاب الزهري على رأس المائة الأولى ، ثم ابن الماجشون عبد العزيز بن عبد الله ، وسعيد بن أبي عروبة ، أو الربيع بن صبيح.

فقد كانت مجرد إرهاصات لهذا الحدث الهام الذي يعد بحق نقطة التحول بين عصر الرواية والسماع ومطلع عصر التدوين.

فهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي ولاء ، جمع ست مائة ألف حديث أثناء اشتغاله بجمع كتابه.

صح لديه منها أربعة آلاف حديث يضاف إليها ثلاثة آلاف أخرى مكررة.

وجمع الإمام مسلم بن الحجاج القشيري ثلاث مائة ألف حديث أثناء اشتغاله بجمع كتابه.

صح لديه منها قرابة الستة آلاف أيضا ومثلها مكررا.

وبلغ ما اتفق عليه الشيخان ألفان وثلاث مائة وستة وعشرون حديثا.

أما جملة ما جمعه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فبلغ أكثر من جملة ما جمعه الشيخان أثناء حياتهما كلاهما.

أثبت منها في مسنده ثلاثين ألفا تزيد عشرة آلاف مكررة.

وهذا أبو داود الأزدي السجستاني ، يروي عنه محمد بن بكر بن داسة ، أنه سمعه يقول : كتبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس مائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعنى كتاب السنن ، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مائة ، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، ويكفى الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث : أحدها : " إنما الأعمال بالنيات.

. الخ ".

والثاني : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".

والثالث : " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ".

والرابع : " الحلال بين والحرام بين وبين ذلك مشتبهات.

الخ ".

ولو ذهبنا نستقصي الصحيح إلى الموضوع لهان الأمر ، فهذا هو الإمام مالك يثبت في موطإه ما يبلغ قرابة النصف في المائة من جملة ما جمعه.

وعند البخاري لا تكاد تبلغ نسبة ما أثبته في كتابه من الصحيح ، إلى جملة ما جمعه ، ولم يصح لديه فلم يثبته ، واحدا في المائة.

فكيف بالكثيرين سواهما ممن جمع وصنف.

. مع قرب الإمام مالك زمانا ومكانا لمهبط الوحي ، ودقة الإمامين البخاري ومسلم وصدق تحريهما للحق والصواب.

إزاء هذا الطوفان من الأحاديث الموضوعة ، هبت كتائب الحق من أهل الحديث ونقاده ، تتحرى حال الرواة من نقلة الحديث ، فتعدل وتجرح ، وتوثق وتضعف ، وتسلط الضوء على الأسانيد ، فتكشف من شأن رجال السند ما كان خافيا ، وتسبر من غوره ما كان مستورا.

حتى لم تعد هناك صفة لراو إلا عرفت ، ولا خبيئة فيه إلا كشفت ، ولا نادرة عنه إلا رويت ، ولا حادثة إلا دونت.

ما تعلق من ذلك بمذهبه وآرائه ، وما مس عقائده ودرجات حفظه ، وأقرانه وشيوخه.

كذلك ما اعتوره في مختلف أطوار حياته ومراحل عمره وشيخوخته من اجتماع الذاكرة أو الخلط والوهم ، ومن الأمانة في النقل أو التدليس ، حتى يخلص من كل ذلك إما إلى الاحتجاج به ، أو إلى تركه.

بعد تفنيد حاله من رقة دينه أو تقواه وخشيته.

وعلى عاتق هؤلاء ، عبر المائة الثانية وبعض الثالثة ، وضعت المسئولية كاملة ، فحملوا ما حملوا من هذه الأمانة ، ولم يهنوا ، ولم يضعفوا ، وتجردوا للذود عن الصحيح من حديث النبي الكريم وتمييزه من السقيم المصنوع.

وكان منهم قلة من الفقهاء ، وكثرة من المحدثين ، منهم سوى من ذكرنا : الشافعي ، والليث بن سعد ، والشعبي ، والزهري ، والأوزاعي ، وعمر بن عبد العزيز ، ومن أهل العلم بالحديث وعلله ونقد رجاله : ابن عدي ، وأبو حاتم بن حبان ، والسفيانان الثوري وابن عيينة ، والحمادان ابن سلمة وابن زيد ، وأبو زرعة ، وعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، ومسدد ، وهناد ، والفضل بن دكين ، وإسحاق بن راهويه ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأبو عاصم النبيل ، وابن المبارك ، وأيوب السختياني ، وشعبة بن الحجاج ، والدارمي ، والإمامان الجليلان يحيى بن معين ، وعلي بن المديني.

وسواهم كثير من أولي الفضل ، والسابقة في كشف مستور الوضاعين ، غيرة لله ولنبيه ودينه.

وكان منهم الحفاظ الذين كانوا أعجوبة الدهر وفخر الزمان.

ومنهم من غاص في العلل ، علل الحديث ، ومستور أحوال الرجال ، ولم يكن منهم إلا ذو فطنة وذكاء ومعرفة وإصابة وأمانة ، ومنهم من برع في الفقه ، وأوتي الحكمة ، ومنهم من امتحن فثبت للمحنة ، حسبة لله وإيثارا لما عنده.

. كنتيجة مباشرة لهذه النهضة وضعت للأحاديث والأسانيد قواعد وأسس وموازين ، وأصبح لكل سند بمجموع رجاله درجة من الصحة أو قابلية للطعن والتجريح ، وأصبح الشخص الواحد في رجال السند ، يضعفه أو يقويه ، ويخل به أو يقيمه.

وطبق ذلك على أسانيد المكثرين والمقلين من الرواية ، من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عاشر طبقة وما جاوزها.

فمثلا أصح ما أسند ، لدى نقاد الحديث وأهل الجرح والتعديل ، إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه لغاية أوائل المائة الثانية ما جاء من الأحاديث عن طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأصح ما أسند إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أحاديث ، ما كانت عن طريق الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن جده ، عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأصح ما أسند إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها من أحاديث ، ما كان من طريق عبد الله بن عمر ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأصح ما أسند إلى أبي هريرة رضي الله عنه من أحاديث ، ما كان جاء من طريق الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

من أمثال ما وضعوه في مناقب على رضي الله عنه من الأحاديث المكذوبة ، التي هي في مرتبة ، دون مراتب الغلو والإطراء الشركي ، التي غلوا بها فيه رضي الله عنه ، قول بعضهم : عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لما أسرى بي مررت على ملك جالس على سرير من نور ، وإحدى رجليه في المشرق ، والأخرى في المغرب ، وبين يديه لوح ينظر فيه ، والدنيا كلها بين عينيه ، والخلق بين ركبتيه ، ويده تبلغ المشرق والمغرب ، فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا عزرائيل تقدم فسلم عليه ، فتقدمت وسلمت عليه ، فقال : وعليك السلام يا أحمد ، ما فعل ابن عمك علي ؟ فقلت : وهل تعرف ابن عمي علي ؟ فقال : وكيف لا أعرفه وقد وكلني الله بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمك علي بن أبي طالب ، فإن الله يتوفاكما بمشيئته ".

خرجه الملاء في سيرته.

عن سلمان ، قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يقول : " كنت أنا وعلى نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزأين ، جزء أنا وجزء على ".

روي في المناقب.

وخرج الملاء أيضا في سيرته ، عن أبي الحمراء ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ليلة أسرى بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش الأيمن فرأيت كتابا فهمته ، محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به.

وعن ابن عباس ، قال : " كنا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا طائر في فيه لوزة خضراء ، فألقاها في حجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأخذها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقبلها ثم كسرها فإذا في جوفها دودة خضراء مكتوب فيها بالأصفر : لا إله إلا الله محمد رسول الله نصرته بعلي ".

خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.

عن الحسن بن علي ، قال : " كان رأس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجر علي وهو يوصى إليه ، فلما سري عنه قال : يا على ، صليت العصر ؟ قال : لا.

قال : اللهم إنك تعلم أن كان في حاجتك وحاجة نبيك ، فرد عليه الشمس.

فردها عليه ، وغابت الشمس ".

خرجه الدولابي.

وقد خرج الحاكمي ، عن أسماء بنت عميس ، مثله ولفظه ، قالت : " كان رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجر علي ، فكره أن يتحرك حتى غابت الشمس ، فلم يصل العصر ، ففزع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكر له علي أنه لم يصل العصر ، فدعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الله عز وجل أن يرد الشمس عليه ، فأقبلت الشمس لها خوار حتى ارتفعت قدر ما كانت في وقت العصر فصلى ثم رجعت ".

وخرج أيضا عنها أن علي بن أبي طالب ، دفع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد أوصى الله إليه أن يجلله بثوب فلم يزل كذلك إلى أن أدبرت الشمس ، يقول : غابت أو كادت تغيب ، ثم إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سري عنه ، فقال : أصليت يا علي ؟ قال : لا.

قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللهم رد الشمس على علي.

فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد ".

وعن أنس رضي الله عنه ، قال : " بينما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، في المسجد إذ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لعلى : هذا جبريل يخبرني أن الله عز وجل زوجك فاطمة ، وأشهد على تزويجها أربعين ألف ملك ، وأوحى إلى شجرة طوبى أن انثري عليهم الدر والياقوت ، فنثرت عليهم الدر والياقوت ، فابتدرت إليه الحور العين يلتقطن من أطباق الدر والياقوت فهم يتهادونه بينهم إلى يوم القيامة ".

أخرجه الملاء في سيرته.

عن مخدوج بن زيد الذهلي ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعلى : " أما علمت يا على أنه أول من يدعى به يوم القيامة بي ، فأقوم عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة ، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض ، فيقومون سماطين عن يمين العرش ، ويكسون حللا خضراء من حلل الجنة ، ألا وإني أخبرك يا على أن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة ، ثم أبشر ، أول من يدعى بك لقرابتك مني فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد تسير به بين السماطين ، آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل لوائي يوم القيامة ، وطوله مسيرة ألف سنة ، سنانه ياقوتة حمراء ، قبضته فضة بيضاء ، زجه درة خضراء ، له ثلاث ذوائب من نور ذؤابة في المشرق وذؤابة في المغرب ، والثالثة في وسط الدنيا ، مكتوب عليه ثلاثة أسطر : الأول : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سورة الفاتحة آية 1 .

الثاني : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة الفاتحة آية 2 .

الثالث : لا إله الله محمد رسول الله ، طول كل سطر ألف سنة وعرضه مسيره ألف سنة.

فتسير باللواء ، والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش ، ثم تكسى حلة من الجنة ، ثم ينادي المنادي من تحت العرش : نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك على ، أبشر يا على ، إنك تكسى إذا كسيت ، وتدعى إذا دعيت ، وتحيى إذا حييت ".

أخرجه أحمد في المناقب.

وفى رواية أخرجها الملاء في سيرته قيل : يا رسول الله ، وكيف يستطيع على أن يحمل لواء الحمد ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطى خصالا شتى صبرا كصبري ، وحسنا كحسن يوسف ، وقوة كقوة جبريل ؟ ".

وعن جابر بن سمرة ، أنهم قالوا : " يا رسول الله من يحمل رايتك يوم القيامة ؟ قال : من عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا ؟ علي بن أبي طالب ".

أخرجه نظام الملك في أماليه.

وأخرج المخلص الذهبي عن أبي سعيد ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسا نفرا من أصحابه ، ولم يكس عليا ، فكأنه رأى في وجه على ، فقال : يا على ، ما ترضى أنك تكسى إذا كسيت وتعطى إذا أعطيت ؟ ".

عن أبي الحمراء ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى يحيى بن زكريا في زهده ، وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ".

أخرجه القزويني الحاكمي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه ، وإلى نوح في حكمه ، وإلى يوسف في جماله ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ".

أخرجه الملاء في سيرته .

لئن كنا أسهبنا بعض الشيء ، في إيراد نمط من مزاج الوضاعين ، وإسرافهم المقبوح في الإطراء والمديح ، فإننا لم نعرج على ما وضعوه من أحاديث هي الشرك الصراح ، والكفر البواح ، والفتنة العمياء ، بتأليه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه.

فيما أوردنا عينة مما رموا به إلى إشراك علي رضي الله عنه في النبوة فحسب ، بحيث لا يقل نصيبه منها عن الشطر كاملا.

بل لقد وشت بهم شياطينهم فوضعوا أحاديث جعلوا لعلى رضي الله عنه فيها الشطر الأفضل.

والنبي تابع له ، وحاشاه.

قالوا : عن البراء ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " علي مني بمنزلة رأسي من جسدي ".

خرجه الملاء.

فماذا أبقوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفضل مع علي رضي الله عنه ؟ لقد جعلوا النظر إلى وجه على عبادة.

قالوا : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : " رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجه علي ، فقلت : يا أبت ، تكثر النظر إلى وجه على ، فقال : يا بنية ، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يقول : " النظر إلى وجه على عبادة ".

أخرجه ابن السمان في الموافقة.

وأخرج مثله الخجندي ، أيضا ، من طريق أخرى مطولا عن أنس.

وأخرج ابن أبي الفرات مثله أيضا مطولا عن جابر.

وأخرج أبو الخير الحاكمي مثله عن ابن لعلى والملاحظ كثيرا أنهم يضعون ما وضعوا وينسبون أكثره إلى عائشة وأبي بكر رضي الله عنهما ، أو أسماء بنت عميس ، وكانت تحت أبي بكر رضي الله عنهما.

يعنون بزعمهم ، وكذبوا ، أن الفضل ما شهدت به الأعداء.

ثم قعدت القواعد في مسائل النقد وعلل الحديث ، والجرح والتعديل ، والتوثيق والتضعيف ، وتقييم أحوال الرواة في الأسانيد ، ضبطا وعدالة ، واتصالا وانقطاعا ، وقبولا أو ردا.

حتى انكشف الصبح لذي عينين ، وتميز صحيح الحديث من سقيمه ، وأصيله من منحوله ، بفضل الله سبحانه الذي آلى على نفسه حفظ دينه ، ثم بفضل همة المخلصين من علماء الأمة وصلحاء البرية.

إذ تصدى فريق من حفاظهم للتأليف والإبانة عَنِ الثِّقَاتِ من الرواة ، واقتصر المؤلفون في كتبهم على العدول من أهل الثقة والأمانة ، والتثبت والحفظ والإتقان.

ومن متقدمي هذا الفريق : الإمام أبو حاتم بن حبان البستي.

وأبو الحسن أحمد بن عبد الله العجلي.

والخليل بن شاهين.

وسواهم.

وتصدى فريق ثان للتأليف والإبانة عن الضعفاء من الرواة ، تحذيرا للأمة منهم ، وتنبيها للباحثين من التعويل على نقلهم ، واقتصر المؤلفون في كتبهم على ذكر أسماء وأحوال المجروحين من أهل الغفلة والوهم والكذب ووضع الأحاديث ، زورا ، على رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ومن هذا الفريق الأئمة الحفاظ من أمثال : البخاري ، والنسائي ، وابن عمرو العقيلي ، والدارقطني ، وأبو عبد الله الضبي ، والذهبي في المتأخرين في كتابه ميزان الاعتدال الذي عقب عليه الحافظ ابن حجر بكتابه لسان الميزان وتهذيب التهذيب.

وتصدى فريق ثالث لوضع المعاجم في رواة الحديث عامة ، الثقات منهم والضعفاء.

فأبان الواحد منهم عن منزلة كل ، وتتبع حال أفراد السند ، طبقا لقواعد أحكمها أهل الدراية في أنفسهم.

حتى وضحت مراتب الرواة في العدالة بعد تتبع القرائن وتقصي الأخبار.

ووضحت أحوال الكذابين والوضاعين.

ومن هذا الفريق الأئمة الحفاظ من أمثال : الشيخ محب الدين بن النجار البغدادي ، والمزي الذي هذب كتابه الكمال في معرفة الرجال ، والذهبي الذي جاء في المتأخرين فاختصر تهذيب المزي ، وكذلك فعل ابن أبي المجد الحنبلي ، وابن الملقن الذي ألف عليه إكمال التهذيب ، والحافظ ابن حجر الذي اختصره في مختصر تهذيب الكمال.

وفى المتقدمين من علماء هذا الفن وأئمته كثرة لا يتسع المقام بنا لذكرهم جميعهم في هذه العجالة ، ولا إلى الإشارة إلى مؤلفاتهم.

ومن المتأخرين أهل الفضل والعلم والدراية كثيرون.

لنا إليهم رجعة إن شاء الله بعد حين.

بعد كل تلك المراحل الطويلة ، من كفاح العلماء في سبيل كشف الأكاذيب ، وفضح وسائل الوضاعين ، وتسليط الضوء على ما وضعوا.

كان لا بد من الوصول إلى نتائج محددة تماما ، تتوج كل هذه الجهود وتحقق جدواها وتحدد غايتها.

كانت ثمرة هذه الجهود كلها أن تحدد بالفعل كافة الأحاديث الموضوعة مقرونة بدليل الوضع ، شاهدا عليها ، وقرينة الكذب صارخة بها.

حتى لا يكون لمعتقد فيها حجة بعد بيان ، ولا عذر قبل إنسان.

وكان قطافها على يد فريق رابع أمين ، ناقد بصير ، تابع نتائج البحث في الأسانيد ونقد الرجال عبر السنين ، وبنى عليها الحكم لا بالنسبة للسند ، فقد كفاه كل فريق من الثلاثة مؤنتها ، ولكن بالنسبة للمتن في هذه المرة ، إذ هو بيت القصيد ، وغاية المقصود ، الذي بقبوله صحيحا والعمل به تتم الفائدة ، وتنزل البركة ، ويتحقق الخير.

وبقبوله مكذوبا والعمل به.

يجنى الخسار ويحل البوار.

تجرد لهذه المهمة أئمة أفذاذ كبار ، واصلوا الليل بالنهار ، فجمعوا الكثير مما لا يقع تحت حصر ، وفندوا علة كل حديث منها ثبت عندهم وضعه فرووه بسنده ، وأبانوا عن عواره وزيف نسبته إلى الرسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهذه خصوصية أخرى.

لم تحدث في دين من أديان السابقين.

لم يحدث أن تجردت طائفة من علماء أمة ، تعقبت على امتداد العصور وصايا نبي من أنبيائها ، تنفض عنها الزيف ، وتنفي عنها الخبث.

وتكشف انتحال المبطلين ، وتزوير المزورين.

بل لم يحدث أن هبت طائفة من علماء أمة تنفض التحريف والتبديل عن كتابها السماوي.

بصورة أو بأخرى ، مثلما حدث في أمتنا من هبوب علماء الإسلام في حماس وغضب وغيرة ، إزاء أحاديث غير سماوية نسبت باطلا للرسول عليه السلام ، وهى خصوصية أخرى لخير أمة أخرجت للناس.

ولئن كان في الكثير من بلاد المسلمين بعض خرافة.

. وبعض انحراف وصنمية.

فلعمري ، ليس يرجع السبب إلى تقصير من علماء الأمة ، عبر العصور وحاشاهم ، بل إلى قصور في مدارك العوام والمتعالمين ، وانصراف عن اللباب إلى القشور ، وحفول بالمظاهر دون الحقائق.

والله المستعان.

من هذا الفريق الرابع الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه الفوائد المجموعة للأحاديث الموضوعة ، والجوزجاني ، والقزويني ، في كتبهم الموضوعات ، والربيع في تمييز الطيب من الخبيث ، وزين العابدين العراقي في كتابه المغنى من حمل الأسفار في تخريج الإحياء.

كذلك منهم : العلامة محمد طاهر بن الفتني ، في كتابه تذكرة الموضوعات ، والعلامة شمس الدين السخاوي في كتابه المقاصد الحسنة ، والحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن القيسراني في كتابه تذكرة في الأحاديث الموضوعة.

ومنهم : الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي في كتابه الموضوعات الذي هو بين أيدينا الآن.

ابن الجوزي.

ولد الإمام الجليل أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي القرشي عام 510 وتوفى عام 597 ، وكان رحمه الله أعجوبة دهره وحجة زمانه علما وورعا وتقى ، وكان عديم النظير حفظا وجلالة ، وكان أكثر أهل عصره تصنيفا.

يؤدى ما يريد بالعبارة الرائعة ، والكلمة الرشيقة ، وأحيانا بالشعر الرقيق ، وكانت له مجالس للوعظ الذي كان غلب عليه تؤثر وتروى ، وكان أقرب فنونه قرابة إلى نفسه ، وأحبها إليه يتوسل بها عند ربه للمثوبة وادخار الأجر ، وفيها أجوبة بارعة محيرة تدل على ذكاء نادر.

من أحسن ما روى عنه أنه وقع نزاع بين أهل السنة والشيعة ببغداد في المفاضلة بين أبي بكر ، وعلي رضي الله عنهما ، ورضي المتنازعون بما يجيب به أبو الفرج فأقاموا شخصا سأله عن ذلك ، وهو في مجلس الوعظ على كرسيه.

فقال : أفضلهما من كانت ابنته تحته.

ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك.

فقال أهل السنة : هو أبو بكر لأن ابنته عائشة تحت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقالت الشيعة : هو علي بن أبي طالب لأن فاطمة بنت رسول الله عليه وسلم تحته.

وليس بعد هذا الجواب غاية ، في التلطف وحضور البديهة ورقة الخلوص من الحرج ، ولو عمد إليه امرؤ بعد الروية والفكر الطويل ، وإمعان النظر لما حصل مثله.

أما صفاء نفسه ونقاء قلبه ونيته وسلاسة فطرته.

فاسمع إليه يقول لابنه من رسالة طويلة له يستأنف وعظه ونصحه : وإياك أن تتشاغل بالتعبد من غير علم ، فإن خلقا كثيرا من المتزهدين والمتصوفة ضلوا طريق الهدى إذ عملوا بغير علم.

واستر نفسك بثوبين جميلين لا يشهرانك بين أهل الدنيا برفعتهما ، ولا بين المتزهدين بضعتهما.

وحاسب نفسك عند كل نظرة وكلمة وخطرة ، فإنك مسئول عن ذلك.

وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السامعون ، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الماء عن الحجر.

فلا تعظن إلا بنية ، ولا تمشين إلا بنية ، ولا تأكلن لقمة إلا بنية ، ومع مطالعة أخلاق السلف تنكشف لك الأمور.

. ثم يقول : وعليك بكتاب منهاج المريدين ، فإنه يعلمك السلوك فاجعله جليسك ومعلمك ، وتلمح كتاب صيد الخاطر فإنك تقع مواقعات تصلح لك أمر دينك ودنياك ، وتحفظ كتاب جنة النظر فإنه يكفى في تلقيح فهمك للفقه.

ومتى تشاغلت بكتاب الحدائق أطلعك على جمهور الحديث ، وإذا التفت إلى كتاب الكشف أبان لك مستور ما في الصحيحين من الحديث ، ولا تتشاغلن بكتب التفاسير التي صنفتها الأعاجم ، وما ترك المغنى وزاد المسير لك حاجة في شيء ، من التفسير.

وأما ما جمعته لك من كتاب الوعظ ، فلا حاجة لك بعدها إلى زيادة أصلا.

وفيها يقول بعد مطلعها : وقد علمت يا بنى أنى قد صنفت مائة كتاب.

فمنها التفسير الكبير في 20 مجلدا ، والتاريخ 20 مجلدا ، وتهذيب المسند 20 مجلدا ، وباقى الكتب بين كبار وصغار.

. يكون خمس مجلدات ، ومجلدين وثلاثة وأربعة ، وأقل وأكثر.

كفيتك بهذه التصانيف عن استعارة الكتب وجمع الهمم في التأليف ، فعليك بالحفظ ، وإنما الحفظ رأس المال ، والتصرف ربح ، وأصدق في الحالين في الالتجاء إلى الحق سبحانه ، فراع حدوده.

..

..

إلخ.

وقد صنف رحمه الله كتاب الموضوعات فأفاد به وأطاب وأوفى.

وإنه إن كان عاب عليه بعض أهل الحديث ، كابن الصلاح ، تساهله في وصم بعض الأحاديث بالوضع ، على حين أنها ليست إلا ضعيفة ، فإن لأبي الفرج رأى في ذلك معتبر ، ودليل حاضر في وصمها بالوضع ، ومبررات تقتضي صحة الاعتقاد بصواب رأيه.

برغم ذلك فإن كتاب الموضوعات يعد المرجع الأوفى في جملة مراجع الأحاديث الموضوعة.

لذلك أثار الكتاب دويا كبيرا وجدلا كثيرا خلال مئات السنين التي تلت عصر تأليفه.

من ذلك أن الحافظ جلال الدين السيوطي عقب عليه بكتاب أسماه النكت البديعات في الرد على الموضوعات.

ثم لخصه هو نفسه في كتاب آخر سماه اللآلئ المصنوعة في الأخبار الموضوعة أضاف إليه بعض زيادات.

وعلى الكتاب الأخير عقب الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن عراق بكتاب تنزيه الشريعة المرفوعة
عن الأخبار الشنيعة الموضوعة.

وقد اشتمل كتاب الموضوعات على أبواب أربعة أساسية ، عدا ما تضمنه من شرح مختلف القضايا الهامة ، والإيماءات الذكية المتعلقة بفنون الحديث.

وفيما يلي مشتملات الأبواب المذكورة : الأول : في ذم الكذب والكذابين.

الثاني : في حديث " من كذب علي.

. إلخ ".

الثالث : في الوصية بالعناية بانتقاد الرجال.

الرابع : فيما اشتمل عليه كتاب الموضوعات من الأحاديث الموضوعة.

وهذا الباب يحتوي على نحو خمسين كتابا ، مرتبة على نسق ترتيب كتب الفقه.

وهو من الكتب الهامة في مجموعة مؤلفات الإمام أبي الفرج ، كما يعد من أهم المراجع الإسلامية التي تنشر للمرة الأولى في تاريخ المكتبة العربية الإسلامية.

شأنه في ذلك شأن أكثر كتب هذا الإمام الجليل التي لم تر النور بعد ، وما أكثرها ، والتي لم يعرف الناس عنها سوى الأقل منها ، والقليل من أسمائها.

ويجهلون أكثرها.

أما مؤلفاته رحمه الله فنزيد عن 100 كتاب منها : التفسير الكبير 20 مجلدا المنتظم في تاريخ الأمم 20 مجلدا تهذيب السنن 20 مجلدا تلقيح فهوم الآثار ، على المعارف لابن قتيبة الوفا في فضائل المصطفى عجائب البدائع الذهب المسبوك في سير الملوك مختصر المنتظم في التاريخ فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن لقط المنافع في الطب وفراسة العرب المغنى في الفقه زاد المسير صولة العقل على الهوى أخبار أهل الرسوخ في الناسخ والمنسوخ المدهش في التاريخ وغرائب الأخبار شذور العقود في تاريخ العهود روح الأرواح المقيم والمقعد صيد الخاطر الأذكياء وأخبارهم المختار من أخبار المختار مثير عزم الساكن إلى أشرف الأماكن فضائل القدس تبصرة الأخبار تقويم اللسان مناقب عمر بن الخطاب مناقب عمر بن عبد العزيز مناقب أحمد بن حنبل جامع المسانيد والألقاب نتيجة الإحياء ، مختصر الإحياء التحقيق في أحاديث الخلاف الحدائق شرح مشكل الصحيحين دفع شبهة التشبيه والرد على المجسمة تلبيس إبليس الحمقى والمغفلين منهاج المريدين جنة النظر الكشف وسوى ذلك كثير.

رحم الله الإمام الجليل وأجزل له المثوبة والأجر ، وأسبغ عليه فواضل بره ورحمته ، بما جاهد في سبيل ربه الكريم ، وما لقى وعانى من مشقات.

. وجزى الله الأخ الكريم ، الناشر الهمام ، الشيخ محمد بن عبد المحسن.

خير الجزاء بما بذل وأنفق في التنقيب عن نفائس كتب السلف وكنوز المخطوطات ، إعلاء لكلمة الله ، وإظهار للدين الصحيح.

وصلى الله على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

غرة رمضان 1386 نوفمبر1966 عبد الرحمن محمد عثمان الموضوعات يجرى نشر هذه الطبعة وهى الأولى نقلا
عن النسخة الخطية الوحيدة بالجمهورية ، المحفوظة بالمكتبة الأزهريه.

بعد تصويرها بقسم التصوير بدار الكتب المصرية.

كذلك بعد تحقيق غامض ألفاظها وعباراتها ، واستقراء سقط النساخ.

فالخطأ والغامض من الكلمات والعبارات ، بالأصل المخطوط ، وضعناه بين شرطتين ووضعنا صوابه بعده بين أقواس معقوفة.

أما السقط فقد استدركناه استقراءا من مظانه في مراجعه المختلفة ، ووضعناه أيضا بسم الله الرحمن الرحيم أنبأنا الشيخ الإمام العالم الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي فيما كتب إلي من بغداد سنة خمس وتسعين وخمس مائة مائة أنه قال : الحمد لله على التعليم حمدا يوجب المزيد من التقويم ، والصلاة الكاملة والتسليم على محمد النبي الكريم ، المبعوث بالهدى إلى الصراط القويم ، المقدم على الخليل وعلى الكليم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ سورة التوبة آية 128 صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم ظهور الهول العظيم : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ { 88 } إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ سورة الشعراء آية 88-89 أيقظنا الله وإياكم قبل ذلك الحين ، لأخذ العدة ، وثبت أقدامنا إذا زعزعت الأقدام الشدة ، ورزقنا قولا وفعلا قبل انقضاء المدة ، وختم صحائفنا بالعفو قبل جفوف قلم الأجل وانتهاء المدة ، وبيض وجوهنا بالصدق يوم نرى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.

أما بعد : فإن بعض طلاب الحديث ألح علي أن أجمع له الأحاديث الموضوعة ، وأعرفه من أي طريق تعلم أنها موضوعة ، فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصا عند قلة الطلاب ، لا سيما لعلم النقل فإنه قد أعرض عنه بالكلية ، حتى أن جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة.

وكثيرا من القصاص يريدون الموضوعات ، وخلقا من الزهاد يتعبدون بها.

وها أنا أقدم قبل الشروع في المطلوب فصولا تكون لذلك أصولا ، والله الموفق.

فصل اعلم زاد الله إرشادك ، وتولى إسعادك ، أن الله عز وجل شرف هذه الأمة وفضلها على غيرها من الأمم ، فقال عز وجل : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ سورة آل عمران آية 110

السابق

|

| من 2360

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة