الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاسترسال مع الوساوس يجلب المشقة والعناء

السؤال

أفيدونا أفادكم الله، إليكم نبذة عن وساوسي ثم أعرض عليكم سؤالي المتعلق تحديدا بغسل جنابة قمت به قبل أربعة أيام، علي أن أشير إلى أني منذ الطفولة حريصة على صلاتي، و لكن أصابتني وساوس في العبادة على مراحل متفرقة من عمري، منها وسوسة في الوضوء سببها تفكيري الدقيق وربط الأمور ببعضها، وأنه لو لم يصح وضوئي لن تصح صلاتي، ثم لن يحفظني الله بآيات التحصين لأني سأكون ممن لم يأخذ بأسباب حفظ الله له، هذا ما يدور في عقلي وأحاول التخلص منه بتذكير نفسي بأن الله سيحفظني برحمته وليس بصحة صلاتي ولكن تعود لي فكرة أني إذا لم أحرص على صحة صلاتي، فإن العين ستصيبني حتى لو تحصنت بالمعوذات، ثم أدخل في مخاوفي من العين، وأنها قد تؤدي إلى تعاستي أو مرضي أو فرقة بيني و بين زوجي لا قدر الله ومثلها من الأفكار المخيفة، وقاومت وسواس الوضوء بفضل الله، و أصبت بوسواس في عدد سجدات وركعات الصلاة وزال بفضل الله، وأؤكد أن الوسواس زاد تضييقه علي بعد أن تم عقد قراني لازدياد خوفي من العين والحسد فاشتد علي بعده وسواس في الطهارة، إن حبي للصلاة و تلاوة القرآن أصبح في الآونة الأخيرة يشوبه التركيز الشديد في أني أريد أن يحفظني الله بذلك من العين والحسد وهذا أمر يشق علي، ويجعل العبادة أصعب مما إذا كنت لا أريد بها سوى الجنة، بدون خوف من العين والحسد سأجد العبادة ستصبح خفيفة على القلب سهلة ميسرة ومتعلقة بالله، وبرجاء القبول والمغفرة منه كما كنت عليه قبل عام من الآن، وفي الأسبوع الماضي ونظرا للمشقة التي أجدها في الطهارة قررت أن أبحث عن الرخص في باب الطهارة والمتفرقة في مذاهب متعددة لآخذ بها مؤقتا إلى أن أتمكن إن شاء الله من إزالة النجاسات التي كنت أتركها دون تنظيف اعتقادا مني(وسوسةً)أن الأرض كانت متنجسة بالماء المبللة به قدمي بعد الاغتسال وهي فكرة خاطئة بالطبع، ولكني لم أبصر خطأها إلا بعد أن تركت نجاسات حقيقية تصيب الأرض والأثاث ظنا مني أن النجاسة انتشرت في البيت كله، فأخذت ببعض تلك الرخص حتى لو كنت غير مقتنعة بها، فشعرت بحماس شديد لمحاولة تذكر أماكن النجاسات و تنظيفها، وهذا ما أعمل عليه الآن، ولكن قبل عدة أيام و قبل صلاة الفجر تحديدا نويت قضاء صيام رمضان كتتمة لأيام قضاء الصوم التي بدأتها، و كان علي اغتسال جنابة، فقضيت حاجتي من البراز أكرمكم الله ثم غسلت المكان بالماء مع فركه باليد أكرمكم الله وأعزكم، ثم وضعت منديلا دون مسح لأرى ما إذا كان قد تبقى نجاسة، ولكني لم أجد شيئا واضحا في المنديل ولم أفتش فيه و لم أركز، فعدت للمرة الثانية وفركت المكان بيدي بالماء فركا جيدا جدا، ثم توكلت على الله بأن النجاسة لا بد وأنها قد زالت لا محالة وأنه لا داعي للتشكك وتصعيب الأمور، وأن الحفظ من الله سواء كانت عبادتي صحيحة أم ناقصة، وأثناء الأذان بدأت بالاغتسال وعممت بدني بالماء وركزت على أن يصيب الماء منطقة الدبر أعزكم الله تأكيدا على إزالة النجاسة، وتم الاغتسال وصليت الفجر وصمت ونمت بعد صلاالفجر، ولما استيقظت من النوم وقضيت حاجتي من البول أعزكم الله لم أسلم من الشك وقلت في نفسي هيا فلتمسحي بالمنديل على الدبر أعزكم الله وشاهدي بعينك طهارة المكان بعد أن غسلتيه في الفجر، ففعلت وليتني ما فعلت، وجدت بقعة بنية فاتحة جدا على المنديل، فقلت ربما قد خرج هذا اللون مع الريح بعد صلاة الفجر أو أثناء النوم، و قلت تذكري الفتاوى التي تشير إلى إضافة النجاسة إلى آخر وقت يمكن أن تحصل فيه، و بحمد الله شعرت براحة وإهمال لما شاهدته على المنديل وغسلت المكان و أتممت صيامي و صليت و لم أبال، ثم مضى يومان آخران قضيت فيهما صيام يومين من رمضان وقبل الأمس تذكرت ما حصل، فبدأ الضيق والإحباط والحزن والهم،الذي أصوغ منه لكم السؤال التالي: تنظيفي الشديد للدبر أكرمكم الله بعد قضاء حاجتي عن طريق فركه باليد أثناء جريان الماء بكمية ليست قليلة وتكرار ذلك الفرك و الدلك مرتين ثم توجيه الماء وتركه ينساب على المكان أثناء الاغتسال هل يعتبر كل ذلك قرينة على أن اللون البني الفاتح قد خرج بعد الاغتسال؟هل يمكن أن اللون البني قد يكون خرج مع الريح الذي خرج بعد صلاة الفجر أو خرج أثناء النوم هل يحدث ذلك؟ بعد أن وجدتها في المنديل مسحت مسحة أخرى فلم أجد شيئا فقد كانت قليلة فسهلت على نفسي واستبعدت أن تكون هذه البقعة الصغيرة قد بقيت وحدها أثناء إسالة الماء، فهي ليست جامدة أو ثخينة أما الآن فهم و ضيق، أسألكم إجابة واضحة دون إحالة حتى لا يجرني ذلك إلى ضيق و شك، هل علي إعادة الغسل والصلاة وإعادة قضاء الصوم أم عندكم مخرج يفرج الله به همي ولو عند أي مذهب من المذاهب الأربعة، إعادة الصلاة ستأخذ وقتا نظرا لبعض وساوس الطهارة التي أحاربها، وقضيت الصوم أثناء دوامي الجامعي الصيفي وكنت سعيدة بإنجاز ذلك واقترب رمضان وعندي اختبارات وأحمل هم الإعادة ولا حول ولا قوة إلا بالله؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فنسأل الله لك العافية مما ألم بك من الوساوس، والذي نحثك عليه وننصحك به وننصح به كل المبتلين بهذا الداء العضال هو الإعراض عن الوساوس وعدم الالتفات إلى شيء منها، بل مهما وسوس لك الشيطان بأن طهارتك باطلة أو صلاتك غير صحيحة أو أنك لم تستنجي الاستنجاء المجزئ فأعرضي عن ذلك كله، ولا تسترسلي مع هذه الوساوس فإن الاسترسال مع الوساوس يجلب من العناء والشقاء شيئا عظيما، وانظري للفائدة الفتوى رقم: 51601 ورقم: 134196.

وأما بخصوص مسألتك فإن غسلك صحيح وصلاتك صحيحة ولا يلزمك إعادة شيء من ذلك، فإننا لو فرضنا صحة ما ذكرته من أنك رأيت على المنديل شيئا وأن ذلك لم يكن من هذه الوساوس التي أنت مبتلاة بها فإن الأصل هو خروجه لاحقا، فإن الشيء إذا احتملت إضافته إلى زمنين إضيف إلى آخرهما كما ذكرنا ذلك في الفتوى رقم 137209، ثم إن إزالة النجاسة ليست شرطا في صحة الوضوء والغسل عند كثير من العلماء وانظري الفتوى رقم: 122713.

فعلى فرض أن هذه النجاسة اليسيرة جدا لم تكن أزيلت وهو فرض بعيد جدا فإن غسلك صحيح أيضا، وعلى فرض أنك صليت بعض الصلوات مع وجود هذه النجاسة فإن صلاتك صحيحة لكونك جاهلة بوجود النجاسة، واجتناب النجاسة إنما يشترط مع العلم والقدرة. وانظري الفتوى رقم: 111752.

وأما صومك فصحيح بكل حال ولا يلزمك إعادته لأنه لا تشترط لصحته طهارة لا من الحدث ولا من الخبث، واعلمي هداك الله أن الذي يجلب النفع ويدفع الضر هو الله تعالى، فتوكلي عليه واجتهدي في عبادته ولا تفكري في أمر العين والحسد ونحو ذلك فإن هذا كله يدفعه الله بالتوكل والاجتهاد في شكر النعم والإقبال على العبادة بإخلاص وصدق، قال تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ {إبراهيم:7}

فاطرحي عنك هذه الأفكار واشتغلي بما يصلحك في دنياك وآخرتك، وننبهك إلى أن الاستنجاء المجزئ يحصل بعودة خشونة المحل كما كانت، ويكفي في ذلك غلبة الظن ولا يشترط اليقين، وانظري الفتوى رقم: 132194، فعليك إذا استنجيت أن تطهري المحل حتى يغلب على ظنك زوال النجاسة ثم لا تفتشي عن شيء بعد هذا فإن ذلك من الوساوس، وأيضا فإنه لا يلزمك تطهير شيء من الأماكن أو الثياب إلا إذا علمت علما جازما أنه قد أصابته نجاسة، فإن الأصل هو بقاء الطهارة.

والله أعلم.


مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني