الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              فصل

              ولمانع مرتبة العفو أن يستدرك عليه بأوجه : أحدها : أن أفعال المكلفين من حيث هم مكلفون ; إما أن تكون بجملتها داخلة تحت خطاب التكليف ، وهو الاقتضاء أو التخيير ، أو لا تكون بجملتها داخلة ; فإن كانت بجملتها داخلة ، فلا زائد على الأحكام الخمسة ، وهو المطلوب ، وإن لم تكن داخلة بجملتها لزم أن يكون بعض المكلفين خارجا عن حكم خطاب التكليف ، ولو في وقت أو حالة ما ، لكن ذلك باطل ؛ لأنا فرضناه مكلفا ; فلا يصح خروجه ، فلا زائد على الأحكام الخمسة .

              والثاني : أن هذا الزائد إما أن يكون حكما شرعيا أو لا ; فإن لم يكن حكما شرعيا فلا اعتبار به .

              [ ص: 262 ] والذي يدل على أنه ليس حكما شرعيا أنه مسمى بالعفو ، والعفو إنما يتوجه حيث يتوقع للمكلف حكم المخالفة لأمر أو نهي ، وذلك يستلزم كون المكلف به قد سبق حكمه ، فلا يصح أن يتوارد عليه حكم آخر لتضاد الأحكام .

              وأيضا ; فإن العفو إنما هو حكم أخروي لا دنيوي ، وكلامنا في الأحكام المتوجهة في الدنيا .

              وأما إن كان العفو حكما شرعيا ; فإما من خطاب التكليف ، أو من خطاب الوضع ، وأنواع خطاب التكليف محصورة في الخمسة ، وأنواع خطاب الوضع محصورة أيضا في الخمسة التي ذكرها الأصوليون ، وهذا ليس منها ، فكان لغوا .

              والثالث : أن هذا الزائد إن كان راجعا إلى المسألة الأصولية ، وهي أن يقال : هل يصح أن يخلو بعض الوقائع عن حكم الله أم لا ، فالمسألة مختلف فيها ، فليس إثباتها أولى من نفيها إلا بدليل ، والأدلة فيها متعارضة ، فلا يصح إثباتها إلا بالدليل السالم عن المعارض ودعواه .

              وأيضا ; إن كانت اجتهادية فالظاهر نفيها بالأدلة المذكورة في كتب الأصول ، وإن لم تكن راجعة إلى تلك المسألة فليست بمفهومة ، وما تقدم من الأدلة على إثبات مرتبة العفو لا دليل فيه ، فالأدلة النقلية غير مقتضية للخروج عن الأحكام الخمسة ; لإمكان الجمع بينهما ، ولأن العفو أخروي .

              وأيضا ; فإن سلم للعفو ثبوت ، ففي زمانه عليه السلام لا في غيره ، ولإمكان تأويل تلك الظواهر ، وما ذكر من أنواعه فداخلة أيضا تحت الخمسة ; [ ص: 263 ] فإن العفو فيها راجع إلى رفع حكم الخطأ ، والنسيان ، والإكراه ، والحرج ، وذلك يقتضي إما الجواز بمعنى الإباحة ، وإما رفع ما يترتب على المخالفة من الذم وتسبيب العقاب ، وذلك يقتضي إثبات الأمر والنهي مع رفع آثارهما لمعارض ، فارتفع الحكم بمرتبة العفو ، وأن يكون أمرا زائدا على الخمسة ، وفي هذا المجال أبحاث أخر .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية