الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          [ ص: 286 ] وقالت طائفة : الدية على أهل الإبل من الإبل ، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق الورق ، وعلى أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الغنم ألفا شاة ، وعلى أهل الحلل ألفا حلة - ولا تكون الدية إلا من هذه الأصناف .

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة : بمثل ذلك - وزادوا : أن الدية على أهل الطعام من الطعام .

                                                                                                                                                                                          فأما الذين قالوا : على أهل الذهب ألف دينار - : فروينا من طريق إسماعيل بن إسحاق أنا ابن أبي أويس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه في " كتاب السبعة " أنهم كانوا يقولون : الدية على أهل الذهب ألف دينار .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق إسماعيل أيضا أنا سليمان بن حرب أنا حماد بن زيد قال : قال مطر الوراق : ثبتت الدية في الإبل والدنانير والدراهم - وسقطت في البقر . قال أبو محمد رضي الله عنه : وقول السبعة مقصور على ابن أبي الزناد - وهو ضعيف ، أول من ضعفه مالك .

                                                                                                                                                                                          فمن العار والمقت على أصحابه أن يحتجوا برواية كان من قلدوه دينهم أول من أسقط روايته ، وأشار إلى تكذيبه .

                                                                                                                                                                                          وأما قول مطر ففي غاية السقوط ، ليت شعري ما الذي أثبت الدية في الدنانير ، والدراهم ، وأسقطها من البقر ؟ إن هذا لعجب - .

                                                                                                                                                                                          وهو قول أبي حنيفة ، وزفر ، ومالك ، والليث .

                                                                                                                                                                                          وأما اختلافهم في مقدار الدية من الورق - : فطائفة قالت : إنها اثنا عشر ألف درهم - : روينا ذلك من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن السبعة - ورويناه أيضا من طريق ابن أبي وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه أنه قال ذلك .

                                                                                                                                                                                          وصح عن عروة بن الزبير ، والحسن البصري - وهو قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق .

                                                                                                                                                                                          وأما الذين قالوا : عشرة آلاف درهم - : فروينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد قال : كتب عمر بن عبد العزيز في الدية عشرة آلاف درهم - .

                                                                                                                                                                                          وهو قول سفيان الثوري ، وأبي حنيفة ، وأصحابه ، وأبي ثور صاحب الشافعي .

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة : بل هي ثمانية آلاف درهم - على ما نورد بعد هذا - إن شاء الله عز وجل .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 287 ] وأما الذين قالوا : إن الدية أيضا تكون من البقر ، والغنم ، والحلل - : فكما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الدية من البقر مائتا بقرة ، كان يقال : على أهل البقر البقر ، وعلى أهل الشاء الشاء . ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، وقتادة ، قالا جميعا : الدية من البقر مائتا بقرة ، قال قتادة : الثنية فصاعدا - .

                                                                                                                                                                                          قال قتادة : على أهل الذهب الذهب ، وعلى أهل الورق الورق ، وعلى أهل الغنم الغنم ، وعلى أهل البز الحلل . وهذا إسناد في غاية الصحة عن الزهري ، وقتادة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن مكحول في الدية مائتا بقرة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار سمعت طاوسا يقول : دية الحمير في ثلاثمائة حلة من حلل الثلاث . وقال ابن جريج : قلت لعطاء : البدوي صاحب البقر ، والشاة ، أله أن يعطى إبلا إن شاء ، وإن كره المتبع ؟ فقال : المعقول له هو حقه ، له ماشية العاقل - كائنة ما كانت - لا تصرف إلى غيرها إن شاء . ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : على أهل الإبل الإبل ، وعلى أهل البقر البقر ، وعلى أهل الغنم الغنم ، وعلى أهل الحلل الحلل . ومن طريق وكيع أنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي : يعطي أهل المال المال ، وأهل الإبل الإبل ، وأهل الغنم الغنم - في البعير الذكر خمس عشرة شاة ، وفي الناقة عشرون شاة . ومن طريق وكيع أنا أبو هلال عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال : كنا نأخذ عن البقر خمس شياه ، وعن الجزور عشر شياه . وممن قال : تكون الدية من الإبل ، ومن الذهب ، ومن الفضة ، ومن الغنم ، ومن البقر ، ومن الحلل : الحسن البصري - وهو قول سفيان الثوري وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 288 ] قال أبو محمد رضي الله عنه : أما من اقتصر بالدية على الذهب والورق فقط ، ولم يرها في بقر ، ولا غنم ، ولا حلل ، فإنهم شغبوا في ذلك ، بأن قالوا : قد أجمعوا على الدية تكون من الذهب ، والفضة .

                                                                                                                                                                                          فصح بهذا أنها توقيف ، وأنها ليست أبدالا ، إذ لو كانت أبدالا لوجب أن تراعى قيمة الإبل - فتزيد وتنقص - ولم يجمعوا على أن الدية تكون من بقر ، أو من غنم ، أو من حلل ، ولم تجب أن تكون دية إلا ما أجمعوا عليه .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رضي الله عنه : هذا كذب بحت ، وما أجمعوا قط ، على أن الدية لا تكون من فضة ، ولا من ذهب ، ولا من غير الإبل ، وقد ذكرنا قول علي ، وزيد ، وابن مسعود ، وطاوس ، وعطاء ، وقولهما : إن الدنانير ، والدراهم في ذلك إنما تكون بقيمة الإبل زادت أو نقصت ، وقول الشافعي وغيره في ذلك .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية