الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      بشر المريسي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة ، أبو عبد الرحمن المريسي [ ص: 234 ] المتكلم شيخ المعتزلة ، وأحد من أضل المأمون وقد كان هذا الرجل ينظر أولا في شيء من الفقه ، وأخذ عن القاضي أبي يوسف ، وروى الحديث عنه ، وعن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وغيرهم ، ثم غلب عليه علم الكلام ، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه ، وقال الشافعي : لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك بالله أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام . وقد اجتمع بشر بالشافعي عندما قدم الشافعي بغداد .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقال القاضي ابن خلكان : جرد القول بخلق القرآن ، وحكي عنه أقوال شنيعة ، وكان مرجئيا ، وإليه تنسب المريسية من المرجئة ، وكان يقول : إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ، وإنما هو علامة الكفر ، وكان يناظر الإمام الشافعي ، وكان لا يحسن النحو ، وكان يلحن لحنا فاحشا ، ويقال : إن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة . وكان يسكن درب المريس ببغداد ، والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر . قال : ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة . قلت : ثم راج بشر المريسي عند المأمون وحظي [ ص: 235 ] عنده ، وقدم في حضرته ، ونفق سوقه الكاسد ، واستجيد ذهنه البارد .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ولما توفي في ذي الحجة من هذا العام أو الذي قبله في قول - صلى عليه رجل من المحدثين يقال له : عبيد الشونيزي . فلامه بعض المحدثين ، فقال لهم : ألا تسمعون كيف دعوت له في صلاتي ؟ قلت : اللهم إن عبدك هذا كان ينكر عذاب القبر ، اللهم فأذقه من عذاب القبر ، وكان ينكر شفاعة نبيك فلا تجعله من أهلها ، وكان ينكر رؤيتك في الدار الآخرة فاحجب وجهك الكريم عنه . فقالوا له : أصبت . وهذا الذي نطق به بعض السلف حيث قالوا : من كذب بكرامة لم ينلها .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي هذا العام توفي :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      عبد الله بن يوسف التنيسي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ويحيى بن عبد الله البابلتي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      راوي [ ص: 236 ] السيرة عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق مصنفها ، وإنما تنسب إليه فيقال : سيرة ابن هشام لأنه هذبها وزاد فيها ونقص منها ، وحرر أماكن ، واستدرك أشياء .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان إماما في اللغة والنحو ، وكان مقيما بمصر ، وقد اجتمع به الشافعي حين وردها ، وتناشدا من أشعار العرب شيئا كثيرا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكانت وفاته بمصر لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة ، قاله ابن يونس في " " تاريخ مصر " " . وزعم السهيلي أنه توفي في سنة ثلاث عشرة كما تقدم فالله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية