الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قال : الدرجة الثانية : وجد تستفيق له الروح بلمع نور أزلي . أو سماع نداء أولي ، أو جذب حقيقي . إن أبقى على صاحبه لباسه ، وإلا أبقى عليه نوره .

إنما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأول : لأن محل اليقظة فيه هو الروح ، ومحلها في الأول : السمع والبصر والفكر . والروح هي الحاملة للسمع والبصر والفكر . وهذه الأوصاف من صفاتها .

وأيضا فلعل وجد الروح سبب آخر . وهو علو متعلقه ، فإن متعلق وجد السمع والبصر والفكر : الآيات والبصائر . ومتعلق وجد الروح : تعلقها بالمحبوب لذاته . ولذلك جعل سببه " لمع نور أزلي " يعني شهودها لمع نور الحقيقة الأزلي . وهذا الشهود لا حظ فيه للسمع ولا للبصر ولا للفكر . بل تستنير به الأسماع والأبصار . لأن الروح لما استنارت بهذه اليقظة والإفاقة . ثم استنارت بنورها الأسماع والأبصار . لا سيما وصاحبها في هذه الحال إنما يسمع بالله ويبصر به . وإذا كان سمعه وبصره وبطشه بالله ، فما الظن بحركة روحه وقلبه وأحكامها ؟

وقوله " أو سماع نداء أولي " إن أراد به : تعرف الحق تعالى إلى عباده بواسطة الخطاب على ألسنة رسله - وهذا هو الخطاب الأزلي - فصحيح . وإن أراد به : خطاب الملك له : فليس بخطاب أزلي . وإن أراد ما سمعه في نفسه من الخطاب : فهو خطاب وهمي . وإن ظنه أزليا . فإياك والأوهام والغرور .

ونحن لا ننكر الوجود ، ولا ندفع الشهود . وإنما نتكلم مع القوم في رتبته وإنشائه ، ومن أين بدأ ؟ وإلى أين يعود ؟ فلا ننكر واعظ الله في قلب عبده المؤمن الذي يأمره وينهاه . ولكن ذلك في قلب كل مؤمن جعله الله واعظا له يأمره وينهاه ، ويناديه ويحذره ، ويبشره وينذره . وهو الداعي الذي يدعو فوق الصراط .

والداعي على رأس [ ص: 73 ] الصراط : كتاب الله . كما في المسند والترمذي من حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ضرب الله مثلا : صراطا مستقيما . وعلى جنبتي الصراط سوران . وفي السورين أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وداع يدعو على رأس الصراط ، وداع يدعو فوق الصراط . فالصراط المستقيم : الإسلام ، والأبواب المفتحة : محارم الله . فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر . والداعي على رأس الصراط : كتاب الله . والداعي فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مؤمن .

فما ثم خطاب قط إلا من جهة من هاتين : إما خطاب القرآن ، وإما خطاب هذا الواعظ .

ولكن لما كانت الروح قد تتجرد ويقوى تعلقها بالحق تعالى . بل قد تتلاشى بما سواه . وقد يقترن بذلك نوع غيبة من حسه ، ويقوى داعي هذا الواعظ . ويستولي على قلبه وروحه ، بحيث يمتلئ به ، فتؤديه الروح إلى الأذن ، فيخرج عن الأذن إليها . إذ هي مبدؤه . وإليها يعود ، فيظنه خطابا خارجا . وينضاف إلى ذلك نوع من ضعف العلم ومعرفة المراتب . فينشأ الغلط والوهم .

قوله " أو جذب حقيقي " يعني : أن من أسباب هذا الوجد جذبة حقيقية من جذبات الرب تعالى لعبده ، استفاقت لها روحه من منامها . وحييت بها بعد مماتها . واستنارت بها بعد ظلماتها . فالوجد خلعة هذه الجذبة .

قوله : إن أبقى على صاحبه لباسه ، وإلا أبقى عليه نوره

يريد بلباسه مقامه ، يعني إن أبقى عليه تحقق مقامه فيه ، وإلا أبقى عليه أثره . فمقامه يورثه عزا ومهابة وخلافة نبوة ، ومنشور صديقية . وأثره يورثه حلاوة وسكينة ، وأنسا في نفسه وأنسا للقلوب به ، وهوى الأفئدة إليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية