الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر إجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل ابن مخنف

لما أتى كتاب الحجاج إلى المهلب وابن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج ، زحفوا إليهم ، وقاتلوهم شيئا من قتال ، فانهزمت الخوارج كأنهم على حامية ، ولم يكن منهم قتال ، وسار الخوارج حتى نزلوا كازرون ، وسار المهلب وابن مخنف حتى نزلوا بهم ، وخندق المهلب على نفسه ، وقال لابن مخنف : إن رأيت أن تخندق عليك فافعل . فقال أصحابه : نحن خندقنا سيوفنا .

فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه ، فوجدوه قد تحرز ، فمالوا نحو ابن مخنف ، فوجدوه لم يخندق فقاتلوه ، فانهزم عنه أصحابه ، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه ، فقتل وقتلوا [ حوله ] ، فقال شاعرهم :

لمن العسكر المكلل بالصر عى فهم بين ميت وقتيل     فتراهم تسفي الرياح عليهم
حاصب الرمل بعد جر الذيول



هذا قول أهل البصرة .

فأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنه لما وصل كتاب الحجاج بمناهضة الخوارج ناهضهم المهلب وعبد الرحمن ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ومالت الخوارج إلى المهلب فاضطروه إلى عسكره ، فأرسل إلى عبد الرحمن يستمده ، فأمده عبد الرحمن بالخيل والرجال ، وكان ذلك بعد الظهر لعشر بقين من رمضان .

فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الرجال ، ظنوا أنه قد خف أصحابه ، فجعلوا بإزاء المهلب من يشغله ، وانصرفوا بجندهم إلى عبد الرحمن ، فلما رآهم قد قصدوه نزل ونزل معه القراء ، منهم : أبو الأحوص ، صاحب ابن مسعود ، وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة العبسي ، الذي قتل مع زيد بن [ ص: 433 ] علي ، وصلب معه بالكوفة ، ونزل معه من قومه أحد وسبعون رجلا ، وحملت عليهم الخوارج ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وانكشف الناس عنه ، وبقي في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه ، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب ، فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه ، فلم يتبعه إلا ناس قليل ، فجاء حتى دنا من أبيه ، فحالت الخوارج بينهما ، فقاتل حتى جرح . وقاتل عبد الرحمن ومن معه على تل مشرف ، حتى ذهب نحو من ثلثي الليل ، ثم قتل في تلك العصابة ، فلما أصبحوا جاء المهلب فدفنه فصلى عليه ، وكتب بذلك إلى الحجاج ، فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فترحم عليه ، وذم أهل الكوفة .

وبعث الحجاج إلى عسكر عبد الرحمن عتاب بن ورقاء ، وأمره أن يسمع للمهلب ، فساءه ذلك ولم يجد بدا من طاعته ، فجاء إلى العسكر ، وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب وهو يقضي أموره ، ولا يكاد يستشير المهلب . فوضع عليه المهلب رجالا اصطنعهم وأغراهم به ، منهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة .

وجرى بين عتاب والمهلب ذات يوم كلام أغلظ كل منهما لصاحبه ، ورفع المهلب القضيب على عتاب ، فوثب إليه ابنه المغيرة بن المهلب ، فقبض القضيب وقال : أصلح الله الأمير ! شيخ من أشياخ العرب ، وشريف من أشرافهم ، إن سمعت [ منه ] بعض ما تكره ، فاحتمله له فإنه لذلك أهل . ففعل ، فافترقا ، فأرسل عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب ، ويسأله أن يأمره بالعود إليه ، فوافق ذلك حاجة من الحجاج إليه فيما لقي أشراف الكوفة من شبيب ، فاستقدمه وأمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلب ، فجعل المهلب عليهم ابنه حبيبا .

وقال سراقة بن مرداس البارقي يرثي عبد الرحمن بن مخنف :

ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة     وأزد عمان رهن رمس بكازر
وضارب حتى مات أكرم ميتة     بأبيض صاف كالعقيقة باتر
وصرع عند التل تحت لوائه     كرام المساعي من كرام المعاشر
[ ص: 434 ] قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف     وأدبر عنه كل ألوث داثر
أمد ولم يمدد فراح مشمرا     إلى الله لم يذهب بأثواب غادر



وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة .

التالي السابق


الخدمات العلمية