الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      [ ص: 217 ] عبيد الله : عن نافع ، قال : ما أعجب ابن عمر شيء من ماله إلا قدمه ، بينا هو يسير على ناقته ، إذ أعجبته ، فقال : إخ إخ ، فأناخها ، وقال : يا نافع ، حط عنها الرحل ، فجللها وقلدها وجعلها في بدنه .

                                                                                      عمر بن محمد بن زيد ، عن أبيه : أن ابن عمر كاتب غلاما له بأربعين ألفا ، فخرج إلى الكوفة ، فكان يعمل على حمر له ، حتى أدى خمسة عشر ألفا ، فجاءه إنسان ، فقال : أمجنون أنت ؟ أنت هاهنا تعذب نفسك ، وابن عمر يشتري الرقيق يمينا وشمالا ، ثم يعتقهم ; ارجع إليه ، فقل : عجزت . فجاء إليه بصحيفة ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ! قد عجزت ، وهذه صحيفتي ، فامحها . فقال : لا ، ولكن امحها أنت إن شئت . فمحاها ، ففاضت عينا عبد الله ، وقال : اذهب فأنت حر . قال : أصلحك الله ، أحسن إلى ابني . قال : هما حران . قال : أصلحك الله ، أحسن إلى أمي ولدي . قال : هما حرتان .

                                                                                      رواه ابن وهب عنه .

                                                                                      عاصم بن محمد العمري : عن أبيه ، قال : أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف ، فدخل على صفية امرأته ، فحدثها ، قالت : فما تنتظر ؟ قال : فهلا ما هو خير من ذلك ، هو حر لوجه الله . فكان يخيل إلي [ ص: 218 ] أنه كان ينوي قول الله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

                                                                                      وقال ابن شهاب : أراد ابن عمر أن يلعن خادما ، فقال : اللهم الع ، فلم يتمها ، وقال : ما أحب أن أقول هذه الكلمة .

                                                                                      جعفر بن برقان : عن ميمون بن مهران ، عن نافع : أتي ابن عمر ببضعة وعشرين ألفا ، فما قام حتى أعطاها .

                                                                                      رواها عيسى بن كثير ، عن ميمون وقال : باثنين وعشرين ألف دينار .

                                                                                      وقال أبو هلال : حدثنا أيوب بن وائل ، قال : أتي ابن عمر بعشرة آلاف ، ففرقها ، وأصبح يطلب لراحلته علفا بدرهم نسيئة .

                                                                                      برد بن سنان : عن نافع قال : إن كان ابن عمر ليفرق في المجلس ثلاثين ألفا ، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم .

                                                                                      عمر بن محمد العمري ، عن نافع قال : ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان ، أو زاد .

                                                                                      [ ص: 219 ] إسنادها صحيح .

                                                                                      أيوب : عن نافع ، قال : بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف ، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء .

                                                                                      معمر : عن الزهري ، عن حمزة بن عبد الله ، قال : لو أن طعاما كثيرا كان عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلا ، فعاده ابن مطيع ، فرآه قد نحل جسمه ، فكلمه ، فقال : إنه ليأتي علي ثماني سنين ، ما أشبع فيها شبعة واحدة . أو قال : إلا شبعة . فالآن تريد أن أشبع حين لم يبق من عمري إلا ظمء حمار .

                                                                                      إسماعيل بن عياش : حدثني مطعم بن المقدام قال : كتب الحجاج إلى ابن عمر : بلغني أنك طلبت الخلافة وأنها لا تصلح لعيي ولا بخيل ولا غيور . فكتب إليه : أما ما ذكرت من الخلافة فما طلبتها ، وما هي من بالي ، وأما ما ذكرت من العي ، فمن جمع كتاب الله ، فليس بعيي . ومن أدى زكاته ، فليس ببخيل . وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري .

                                                                                      هشيم : عن يعلى بن عطاء ، عن مجاهد ; قال لي ابن عمر : لأن يكون نافع يحفظ حفظك ، أحب إلي من أن يكون لي درهم زيف . فقلت : [ ص: 220 ] يا أبا عبد الرحمن ، ألا جعلته جيدا ! ! قال : هكذا كان في نفسي .

                                                                                      الأعمش وغيره ، عن نافع ، قال : مرض ابن عمر ، فاشتهى عنبا أول ما جاء ، فأرسلت امرأته بدرهم فاشترت به عنقودا ، فاتبع الرسول سائل ، فلما دخل ، قال : السائل السائل . فقال ابن عمر : أعطوه إياه . ثم بعثت بدرهم آخر ، قال : فاتبعه السائل . فلما دخل قال : السائل السائل . فقال ابن عمر : أعطوه إياه ، فأعطوه ، وأرسلت صفية إلى السائل تقول : والله لئن عدت لا تصيب مني خيرا ، ثم أرسلت بدرهم آخر ، فاشترت به .

                                                                                      مالك بن مغول عن نافع ، قال : أتي ابن عمر بجوارش فكرهه ، وقال : ما شبعت منذ كذا وكذا .

                                                                                      إسماعيل بن أبي أويس : حدثنا سليمان بن بلال ، عن جعفر بن محمد ، عن نافع : أن المختار بن أبي عبيد كان يرسل إلى ابن عمر بالمال ، فيقبله ، ويقول : لا أسأل أحدا شيئا ولا أرد ما رزقني الله .

                                                                                      الثوري : عن أبي الوازع : قلت لابن عمر : لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم . فغضب ، وقال : إني لأحسبك عراقيا ، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه .

                                                                                      [ ص: 221 ] أبو جعفر الرازي : عن حصين ، قال ابن عمر : إني لأخرج وما لي حاجة إلا أن أسلم على الناس ، ويسلمون علي .

                                                                                      وروى معمر ، عن أبي عمرو الندبي ، قال : خرجت مع ابن عمر ، فما لقي صغيرا ولا كبيرا إلا سلم عليه .

                                                                                      قال عثمان بن إبراهيم الحاطبي رأيت ابن عمر يحفي شاربه ، حتى ظننت أنه ينتفه . وما رأيته إلا محلل الأزرار وإزاره إلى نصف ساقه . وقيل : كان يتزر على القميص في السفر ، ويختم الشيء بخاتمه ، ولا يكاد يلبسه ، ويأتي السوق ، فيقول : كيف يباع ذا ؟ ويصفر لحيته .

                                                                                      وروى ابن أبي ليلى ، وعبد الله بن عمر ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يقبض على لحيته ، ويأخذ ما جاوز القبضة .

                                                                                      قال مالك : كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت ، عبد الله بن عمر ، مكث ستين سنة يفتي الناس .

                                                                                      [ ص: 222 ] مالك : عن نافع : كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج ، فكنت أجلس إلى هذا يوما ، وإلى هذا يوما ، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سئل عنه ، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يفتي .

                                                                                      قال الليث بن سعد وغيره : كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله . فكتب إليه : إن العلم كثير ، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس ، خميص البطن من أموالهم ، كاف اللسان عن أعراضهم ، لازما لأمر جماعتهم ، فافعل .

                                                                                      منصور بن زاذان : عن ابن سيرين ، أن رجلا قال لابن عمر : أعمل لك جوارش ؟ قال : وما هو ؟ قال : شيء إذا كظك الطعام فأصبت منه سهل . فقال : ما شبعت منذ أربعة أشهر ، وما ذاك أن لا أكون له واجدا ، ولكني عهدت قوما يشبعون مرة ، ويجوعون مرة .

                                                                                      وروى الحارث بن أبي أسامة ، عن رجل : بعثت أم ولد لعبد الملك بن مروان إلى وكيلها تستهديه غلاما ، وقالت : يكون عالما بالسنة ، قارئا لكتاب الله ، فصيحا ، عفيفا ، كثير الحياء ، قليل المراء . فكتب إليها : قد طلبت هذا الغلام ، فلم أجد غلاما بهذه الصفة إلا عبد الله بن عمر ، وقد ساومت به أهله ، فأبوا أن يبيعوه .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية