الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                    ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ( 53 ) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ( 54 ) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ( 55 ) ) .

                                                                                                                                                                                                    يقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم ، وبأس الله أن يحل [ ص: 289 ] عليهم ، كما قال تعالى : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) [ الأنفال : 32 ] ، وقال هاهنا : ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ) أي : لولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبا سريعا كما استعجلوه .

                                                                                                                                                                                                    ثم قال : ( وليأتينهم بغتة ) أي : فجأة ، ( وهم لا يشعرون . يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) أي : يستعجلون بالعذاب ، وهو واقع بهم لا محالة .

                                                                                                                                                                                                    قال شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة قال في قوله : ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) ، قال : البحر .

                                                                                                                                                                                                    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين . حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد ، حدثنا أبي عن مجالد ، عن الشعبي ; أنه سمع ابن عباس يقول : ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) : وجهنم هو هذا البحر الأخضر ، تنتثر الكواكب فيه ، وتكور فيه الشمس والقمر ، ثم يستوقد فيكون هو جهنم .

                                                                                                                                                                                                    وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عاصم ، حدثنا عبد الله بن أمية ، حدثني محمد بن حيي ، حدثنا صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " البحر هو جهنم " . قالوا : ليعلى ، فقال : ألا ترون أن الله يقول : ( نارا أحاط بهم سرادقها ) [ الكهف : 29 ] ، قال : لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله ، ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله عز وجل .

                                                                                                                                                                                                    هذا تفسير غريب ، وحديث غريب جدا ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                    ثم قال تعالى : ( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) ، كقوله تعالى : ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) [ الأعراف : 41 ] ، وقال : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) [ الزمر : 16 ] ، وقال : ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ) [ الأنبياء : 39 ] ، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم ، وهذا أبلغ في العذاب الحسي .

                                                                                                                                                                                                    وقوله : ( ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) ، تهديد وتقريع وتوبيخ ، وهذا عذاب معنوي على النفوس ، كقوله : ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر . إنا كل شيء خلقناه بقدر ) [ القمر : 48 ، 49 ] ، وقال ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا . هذه النار التي كنتم بها تكذبون . أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون . اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) [ الطور : 13 - 16 ] .

                                                                                                                                                                                                    التالي السابق


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية