شبهات والرد عليها

7-2-2013 | إسلام ويب

السؤال:
أحببت أن أكتب لكم نظرا للضيق الذي أشعر به فكل يوم يخرج علينا شيخ بفتوى ما أنزل الله بها من سلطان مما يجعل الإسلام عرضة للاستهزاء والطعن والعجيب أن هؤلاء الشيوخ يستدلون بأحاديث واردة في الكتب الصحاح كالشيخ الذي أباح السب والشتيمة بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، وآخر أباح سفك الدماء وقتال الناس من المخالفين بغير سبب بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وقاتل الناس بالسيف حتى يؤمنوا بالله!! وآخر أباح إرضاع الكبير ونكاح الميتة والاستمتاع بالرضيعة وغيرها من الفتاوى المثيرة للاشمئزاز، والمصيبة أن هذه الفتاوى أدت إلى إلحاد الكثيرين بعد إساءتهم للنبي عليه الصلاة والسلام ووصفه بأبشع الصفات وشتم الدين الإسلامي، كما أدت إلى شماتة الحاقدين على الإسلام، وسؤالي الآن: لماذا توجد مثل هذه الأحاديث المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في الكتب الصحاح!! فمثلا كيف لرسول الله أن يقدم على الانتحار؟ وكيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي نساءه وهن في الحيض؟ وكيف له صلى الله عليه وسلم أن يدعو أمته لشرب بول البعير؟ بل والأعجب من ذلك أن هناك أحاديث في صحيح البخاري تقول إن في القرآن نقصا وأن هناك الكثير من الآيات الضائعة وأن المعوذتين ليستا من القرآن وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي قرأتها وصعقت منها.. وطبعا أنا لا أطعن في صدق البخاري ومسلم وأعلم تماما الجهود التي بذلها علماء الحديث ـ رحمهم الله ـ في جمع الأحاديث، ولكن لا أرضى أن يطعن حديث في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أو يجعل الإسلام محلا للسخرية والاستهزاء، كما أنني أعلم أنه من شروط قبول الحديث موافقته للعقل وموافقته لخلق النبي صلى الله عليه وسلم، اعذروني على الإطالة ولكنني حقا أحتاج لمن يمد لي يد العون فأنا لا أقبل أبدا بأي أمر يشوه صورة الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم في نظري، أفيدوني أفادكم الله.

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فشكر الله لك غيرتك على دينك، وشرح صدرك للحق الذي يرضيه عنك.. وأما ما استشكلته فلا يخرج عن القاعدة المقررة من أنه لا يمكن أن يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح إلا في ذهن المرء، لا في واقع الأمر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل: لا يجوز أن يتعارض العقل الصريح والسمع الصحيح، وإنما يظن تعارضهما من غلط في مدلولهما أو مدلول أحدهما... والسمع الصحيح هو القول الصادق من المعصوم الذي لا يجوز أن يكون في خبره كذب لا عمدا ولا خطأ، والمعقول الصحيح هو ما كان ثابتا أو منتفيا في نفس الأمر، لا بحسب إدراك شخص معين، وما كان ثابتا أو منتفيا في نفس الأمر لا يجوز أن يخبر عنه الصادق بنقيض ذلك. اهـ.
وما ذكرته مما نسب للشريعة الإسلامية أو للسنة النبوية يجري على هذه القاعدة، فما صح منه نقلاً أسيء فهمه فأشكل، وما أشكل منه فعلا فإنه لا يصح نقلا، وإليك تفصيل ذلك:
أولا: استباحة السب والشتم ونسبة ذلك للسنة، سببه سوء الفهم، فإن المعروف المقطوع به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا حتى مع أعداء الله تعالى كاليهود، ومن ذلك حديث عائشة ـ  رضي الله عنها: أن يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله، وغضب الله عليكم، قال: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في. رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه، وبوَّب عليه باب: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا.

وأخرج في هذا الباب عدة أحاديث، منها حديث عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه.
فهذا هو خلق النبي صلى الله عليه وسلم الذي اشتهر به عند موافقيه ومخالفيه، وهذه هي صفته حتى في الكتب السابقة، فعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر.. رواه البخاري.
أما ما حفظ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك، فقد شرع لمصلحة راجحة في أحوال خاصة، ندركها بتأملها وإيضاح العلماء لها، كحديث: من تعزى بعزاء الجاهلية.. الذي سبق لنا بيان ما فيه والحكمة من ورائه، في الفتاوى التالية أرقامها: 71170، 113416، 55887.
ثانيا: القتل وسفك الدماء دون سبب، لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل المعروف عنه أنه عفا عن أناس وتألَّف آخرين بالإحسان إليهم، مع استحقاقهم للقتل، كما فعل بأهل مكة عام الفتح، وكما عامل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 192019، ورقم 6524.
وأما من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم، فقد كان ذلك عقوبة لهم على جرم يستحقون عليه القتل، كحال كعب بن الأشرف وأمثاله من أكابر المجرمين، وراجعي في ذلك الفتوى رقم: 8237.

وأما حديث: أمرت أن أقاتل الناس... فقد سبق لنا بيان معناه في الفتوى رقم: 112625، وما أحيل عليه فيها.
ثالثا: مسألة إرضاع الكبير، الصواب فيها أن رضاعه لا ينشر الحرمة، وحتى على القول بكونه ينشر الحرمة، فقد أسيء فهم معناه وفقهه، وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 32144، ورقم: 181673.
رابعا: مسألة نكاح الميتة، ليس فيه شيء مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف بين أهل العلم في حرمته وإنما اختلفوا في حكم فاعل ذلك من حيث العقوبة وإقامة حد الزنا عليه، وراجعي تفصيل ذلك في الفتوى رقم: 50413.
خامسا: مسألة الاستمتاع بالرضيعة، لم يثبت في خصوصها شيء من السنة أصلا، وقد سبق لنا بسط الكلام عليها في الفتوى رقم: 195133.
سادسا: موضوع همِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار، لو صح لكان مشكلا، لكنه لم يصح، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 128476.
سابعا: مسألة إتيان النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة من زوجاته وهي حائض، فهذا من الكذب القبيح، وإنما المسألة: مباشرتها وهي حائض، أي الاستمتاع بها دون وطء، وقد سبق لنا بيان ما يتعلق بذلك في الفتاوى التالية أرقامها: 108809، 111681، 122171.
ثامنا: مسألة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أمته لشرب بول البعير!! وهذا ليس بصحيح، وإنما أرشد  النبي صلى الله عليه وسلم إلى التداوي بألبان الإبل وأبوالها من أدواء معينة كالاستسقاء، وقد ثبت طبيا بالطرق العلمية في عصرنا هذه الفوائد العلاجية الكبيرة في ذلك، حتى إنه ليذكر كنموذج للإعجاز العلمي في السنة النبوية، وراجعي في ذلك فصل عجائب وأسرار العلاج بأبوال الإبل من كتاب قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه للدكتور عبد الله المصلح، وراجعي كذلك الفتوى رقم: 12472.
تاسعا: ما يتعلق بالمعوذتين مما روي عن عبد الله بن مسعود أو غيره، سبق لنا بيان خطئهم في اجتهادهم، وأنه لا مجال للتشكيك في قرآنية هاتين السورتين بعد النقل المتواتر، وراجعي في تفصيل ذلك الفتاوى التالية أرقامها: 33429، 168669، 169443، 74473.
عاشرا: مسألة فقد شيء من القرآن كقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ {الأحزاب:23}. فهذا معناه أنه لم يوجد مكتوبا إلا عند خزيمة بن ثابت الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين، وأما كون القرآن كله محفوظا في الصدور، منقولا بالتواتر، فهذا لا شك فيه، وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 49212، ورقم: 101315.

وهنا ننبه على أن العقول البشرية بضعفها وقصورها وضيق عطنها، لا يمكن أن تستوعب حِكَم التشريع، ولا أن تحيط بموارد الغيب، فلا يصح أن تُحكَّم العقول في ما يصح سنده ويتلقاه علماء الحديث بالقبول، وإلا فهذا التعارض المزعوم بين السنة والعقل قد ذُكر مثله أيضا مع القرآن، فهل نَردُّ القرآن كذلك لمخالفته بعض العقول السقيمة؟ وراجعي في ذلك الفتوى رقم: 137308.
ومن باب الفائدة نقول: إن من يفتش في أسانيد الأحاديث المخالفة للعقل بالفعل، يجدها واهية أو ضعيفة الأسانيد، وقد قال ابن القيم في رسالة المنار المنيف: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعا.. اهـ.
فذكر منها: تكذيب الحس له، كحديث: الباذنجان لما أكل له.
ومنها: أن يكون الحديث باطلا في نفسه فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، كحديث المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش.
ومنها: أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، كحديث عوج بن عنق الطويل.
ومنها: مخالفة الحديث صريح القرآن، كحديث مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة.
ومنها: ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل، مثل حديث: وضع الجزية عن أهل خيبر.
والله أعلم.

www.islamweb.net