الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القسم الثاني

من أقسام الأخذ ، والتحمل‏ : القراءة على الشيخ .

وأكثر المحدثين يسمونها ( ‏عرضا‏ ) من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرئ‏ . ‏

وسواء كنت أنت القارئ ، أو قرأ غيرك وأنت تسمع ، أو قرأت من كتاب ، أو من حفظك ، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه ، أو لا يحفظه لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره‏ . ‏

ولا خلاف أنها رواية صحيحة ، إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

واختلفوا في أنها‏‏ مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة ، أو دونه ، أو فوقه ؟

فنقل عن أبي حنيفة ، و‏‏ابن أبي ذئب ، وغيرهما‏ ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه‏ ، وروي ذلك عن مالك أيضا‏ . ‏

وروي عن مالك ، وغيره‏ : أنهما سواء‏ ، وقد قيل‏ : إن التسوية بينهما [ ص: 138 ] مذهب معظم علماء الحجاز ، والكوفة ، ومذهب مالك وأصحابه ، وأشياخه من علماء المدينة ، ومذهب البخاري ، وغيرهم‏ . ‏

والصحيح‏ : ترجيح السماع من لفظ الشيخ ، والحكم بأن القراءة عليه مرتبة ثانية‏ . ‏ وقد قيل‏ : إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

وأما العبارة عنها عند الرواية بها فهي على مراتب‏ : أجودها وأسلمها أن يقول : ( ‏قرأت على فلان ، أو قرئ على فلان ، وأنا أسمع ، فأقر به‏ ) فهذا سائغ من غير إشكال‏ . ‏

ويتلو ذلك ما يجوز من العبارات في السماع من لفظ الشيخ مطلقة ، إذا أتى بها هاهنا مقيدة ، بأن يقول ( ‏حدثنا فلان قراءة عليه ، أو‏ : أخبرنا قراءة عليه‏ ) ونحو ذلك . ‏

وكذلك ( ‏أنشدنا قراءة عليه‏ ) في الشعر‏ . ‏

وأما إطلاق ( ‏حدثنا ، وأخبرنا‏ ) في القراءة على الشيخ ، فقد اختلفوا فيه على مذاهب‏ :

[ ص: 139 ] فمن أهل الحديث من منع منهما جميعا ، وقيل‏ : إنه قول ابن المبارك ، ويحيى بن يحيى التميمي ، وأحمد بن حنبل ، والنسائي ، وغيرهم‏ . ‏

ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك ، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق ( ‏حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبأنا‏ ) ‏‏ . ‏ وقد قيل‏ : إن هذا مذهب معظم الحجازيين ، والكوفيين ، وقول الزهري ، ومالك ، وسفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد القطان ، في آخرين من الأئمة المتقدمين ، وهو مذهب البخاري صاحب الصحيح في جماعة من المحدثين‏ . ‏

ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضا أن يقول ( ‏سمعت فلانا‏ ) ‏‏ . ‏

والمذهب الثالث‏ : الفرق بينهما في ذلك ، والمنع من إطلاق ( ‏حدثنا ) ، وتجويز إطلاق ( ‏أخبرنا ) ، وهو مذهب الشافعي ، وأصحابه ، وهو منقول عن مسلم صاحب الصحيح ، وجمهور أهل المشرق‏ . ‏

وذكر صاحب ( كتاب الإنصاف‏ ) ‏محمد بن الحسن التميمي الجوهري المصري‏ : أن هذا مذهب الأكثر من أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد ، وأنهم جعلوا ( ‏أخبرنا ) علما يقوم مقام قول قائله‏ : " أنا قرأته عليه ، لا أنه لفظ به لي‏ " . ‏ قال : " وممن كان يقول به من أهل زماننا ‏أبو عبد الرحمن النسائي‏ ، في جماعة مثله من محدثينا‏ " . ‏

قلت‏ : وقد قيل‏ : إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين [ ص: 140 ] ابن وهب بمصر‏ . ‏

وهذا يدفعه أن ذلك مروي عن ‏ابن جريج ، و‏‏الأوزاعي ، حكاه عنهما ‏الخطيب أبو بكر‏ ، إلا أن يعني أنه أول من فعل ذلك بمصر ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

قلت‏ : الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث ، والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف‏ ، وخير ما يقال فيه‏ : إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين ، ثم خصص النوع الأول بقول " ‏حدثنا " لقوة إشعاره بالنطق ، والمشافهة ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب ما حكاه ‏الحافظ أبو بكر البرقاني‏ ، عن ‏أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي‏ ، أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان‏ : أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري صحيح البخاري‏ ، وكان يقول له في كل حديث : " ‏حدثكم الفربري " ، فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر‏ : أنه إنما سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه ، فأعاد ‏أبو حاتم‏ قراءة الكتاب كله ، وقال له في جميعه : " أخبركم الفربري‏ " ‏‏ ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

التالي السابق


الخدمات العلمية