الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      قال أبو زرعة عبد الأحد بن أبي زرارة القتباني : سمعت مالكا يقول : أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز ، وقالوا : إن أبانا توفي وترك مالا عند عمنا حميد الأمجي فأحضره عمر ، فلما دخل قال : أنت القائل

                                                                                      : حميد الذي أمج داره أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع     أتاه المشيب على شربها
                                                                                      وكان كريما فلم ينزع

                                                                                      قال : نعم ، قال : ما أراني إلا سوف أحدك ، إنك أقررت بشرب الخمر ، وإنك لم تنزع عنها ، قال : أيهات ! أين يذهب بك ؟ ألم تسمع الله يقول : والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله وأنهم يقولون ما لا يفعلون . [ ص: 119 ] فقال : أولى لك يا حميد ، ما أراك إلا قد أفلت ، ويحك يا حميد ! كان أبوك رجلا صالحا ، وأنت رجل سوء ، قال : أصلحك الله ، وأينا يشبه أباه ؟ كان أبوك رجل سوء ، وأنت رجل صالح . قال : إن هؤلاء زعموا أن أباهم توفي وترك مالا عندك ، قال : صدقوا ، وأحضره بختم أبيهم ، وقال : أنفقت عليهم من مالي ، وهذا مالهم . قال : ما أحد أحق أن يكون هذا عنده منك ، فقال : أيعود إلي وقد خرج مني ؟ ! .

                                                                                      العطاف بن خالد : حدثنا زيد بن أسلم قال لنا أنس : ما صليت وراء إمام بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشبه صلاة برسول الله من إمامكم هذا - يعني عمر بن عبد العزيز - قال زيد : فكان عمر يتم الركوع والسجود ، ويخفف القيام والقعود .

                                                                                      قال سهيل بن أبي صالح : كنت مع أبي غداة عرفة ، فوقفنا لننظر لعمر بن عبد العزيز ، وهو أمير الحاج ، فقلت : يا أبتاه ! والله إني لأرى الله يحب عمر ، قال : لم ؟ قلت : لما أراه دخل له في قلوب الناس من المودة ، وأنت سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : إن الله قد أحب فلانا فأحبوه الحديث . [ ص: 120 ] وعن أبي جعفر الباقر قال : لكل قوم نجيبة له وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز ، إنه يبعث أمة وحده .

                                                                                      روى الثوري ، عن عمرو بن ميمون قال : كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة .

                                                                                      معمر ، عن أخي الزهري قال : كتب الوليد إلى عمر - وهو على المدينة - أن يضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير فضربه أسواطا ، وأقامه في البرد ، فمات . قلت : كان عمر إذا أثنوا عليه ، قال : فمن لي بخبيب رحمهما الله .

                                                                                      قلت : قد كان هذا الرجل حسن الخلق والخلق ، كامل العقل ، حسن السمت ، جيد السياسة ، حريصا على العدل بكل ممكن ، وافر العلم ، فقيه النفس ، ظاهر الذكاء والفهم ، أواها منيبا ، قانتا لله ، حنيفا زاهدا مع الخلافة ، ناطقا بالحق مع قلة المعين ، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملوه وكرهوا محاققته لهم ، ونقصه أعطياتهم ، وأخذه كثيرا مما في أيديهم ، مما أخذوه بغير حق ، فما زالوا به حتى سقوه السم ، فحصلت له الشهادة والسعادة ، وعد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين ، والعلماء العاملين .

                                                                                      مبشر بن إسماعيل ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران قال : أتينا عمر بن عبد العزيز ، ونحن نرى أنه يحتاج إلينا ، فما كنا معه إلا تلامذة . وكذلك جاء عن مجاهد وغيره . وفي " الموطأ " بلغني أن عمر بن عبد العزيز [ ص: 121 ] حين خرج من المدينة ، التفت إليها ، فبكى ، ثم قال : يا مزاحم أتخشى أن نكون ممن نفته المدينة .

                                                                                      ابن إسحاق ، عن إسماعيل بن أبي حكيم : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : خرجت من المدينة وما من رجل أعلم مني ، فلما قدمت الشام نسيت .

                                                                                      معمر ، عن الزهري قال : سمرت مع عمر بن عبد العزيز ليلة ، فحدثته ، فقال : كل ما حدثته الليلة فقد سمعته ، ولكنك حفظت ونسينا .

                                                                                      عقيل ، عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن الوليد أرسل إليه بالظهيرة ، فوجده قاطبا بين عينيه ، قال : فجلست وليس عنده إلا ابن الريان ، قائم بسيفه ، فقال : ما تقول فيمن يسب الخلفاء ؟ أترى أن يقتل ؟ فسكت ، فانتهرني ، وقال : ما لك ؟ فسكت ، فعاد لمثلها ، فقلت : أقتل يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، ولكنه سب الخلفاء ، قلت : فإني أرى أن ينكل ، فرفع رأسه إلى ابن الريان ، فقال : إنه فيهم لنابه .

                                                                                      عن عبد العزيز بن يزيد الأيلي قال : حج سليمان ، ومعه عمر بن عبد العزيز ، فأصابهم برق ورعد حتى كادت تنخلع قلوبهم ، فقال سليمان : يا أبا حفص ! هل رأيت مثل هذه الليلة قط ، أو سمعت بها ؟ قال يا أمير المؤمنين ! هذا صوت رحمة الله ، فكيف لو سمعت صوت عذاب الله ! ؟ .

                                                                                      وروى ابن عيينة عن رجل : قال عمر بن عبد العزيز : ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله .

                                                                                      عبد العزيز بن الماجشون حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال عمر : إنا كنا نتحدث ، وفي لفظ : يزعم الناس أن الدنيا لا تنقضي حتى [ ص: 122 ] يلي رجل من آل عمر ، يعمل بمثل عمل عمر ، قال : فكان بلال ولد عبد الله بن عمر بوجهه شامة ، وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز ، أمه هي ابنة عاصم بن عمر . رواه جماعة عنه .

                                                                                      جويرية ، عن نافع بلغنا أن عمر قال : إن من ولدي رجلا بوجهه شين ، يلي فيملأ الأرض عدلا ، قال نافع : فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز .

                                                                                      وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع قال : كان ابن عمر يقول : ليت شعري ! من هذا الذي من ولد عمر ، في وجهه علامة ، يملأ الأرض عدلا . تفرد به مبارك بن فضالة عنه ، وهو صدوق .

                                                                                      ضمرة بن ربيعة ، عن السري بن يحيى ، عن رياح بن عبيدة قال : خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة ، وشيخ متوكئ على يده ، فقلت في نفسي : هذا شيخ جاف ، فلما صلى ودخل ، لحقته فقلت : أصلح الله الأمير ، من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك ؟ فقال يا رياح ! رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : ما أحسبك إلا رجلا صالحا ، ذاك أخي الخضر ، أتاني فأعلمني أني سألي أمر الأمة ، وأني سأعدل فيها .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية