سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام

0 4

 نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم مخلوق خلقه الله تعالى منذ خلق آدم وإلى يوم القيامة، وهو أفضل نبي وطئ الثرى بقدميه، إنه النبي الذي جعل الله عز وجل في سيرته وحياته من العبر والعظات، والقدوة والأسوة، ما يجعل كل ناظر فيها يستفيد منها، ويأخذ من نورها ودروسها نبراسا يستضيء به حياته، فهو القدوة العملية والأسوة الحسنة، قال الله تعالى عنه: {وإنك لعلى خلق عظيم}(القلم:4)، {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}(النجم:3 ـ 4)، {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}(الأحزاب:21)، {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(الحشر:7) .
قال ابن حزم في "الأخلاق والسير في مداواة النفوس": "من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء (الاقتداء والتأسي) به بمنه، آمين".

إنه صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع) رواه مسلم. قال النووي: "وهذا الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وسلم على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الآدميين وغيرهم". وهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم، قال الله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}(الأحزاب:40)، وقال: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات}(البقرة:253). قال السعدي: "فكل الأنبياء لو أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم".

إنه صلى الله عليه وسلم خليل الله، فعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) رواه مسلم. قال الشيخ ابن عثيمين: "الخليل هو الذي بلغ غاية المحبة". وهو صلوات الله وسلامه عليه صاحب الخلق العظيم، الذي ضرب القدوة والمثال وتفوق في كل مجال، في عباداته ومعاملاته، في أمانته وصدقه، وشجاعته وكرمه، وحلمه وزهده، وحكمته وعقله، وفي تواضعه ورحمته، وفي كل شيء، إنه صاحب الخلق الذي مدحه ربه قائلا: {وإنك لعلى خلق عظيم}(القلم:4).

إنه صلى الله عليه وسلم صاحب الكوثر، وهو نهر عظيم وعده الله به في الجنة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ غفا إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر}(الكوثر:1)، إلى آخرها، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة) رواه أبو داود وصححه الألباني. وهو صلى الله عليه وسلم أول من يبعث من الخلائق، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود صلى الله عليه وسلم.

إنه النبي الذي طويت له الأرض، وفتحت له أبواب السماء، وصعد إليها بروحه وجسده مع جبريل عليه السلام، في رحلة ومعجزة الإسراء والمعراج، التي قال الله عز وجل عنها: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}(الإسراء:1)، وقال: {أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى}(النجم: 12ـ 18). إنه صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة) رواه البخاري.. فحين يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، وتدنو منهم الشمس، حتى يبلغ عرقهم آذانهم، في يوم مقداره خمسين ألف سنة، فإذا بلغ الغم والكرب منهم ما لا طاقة لهم به، كلم بعضهم بعضا في طلب من يكرم على الله ويشفع لهم عند ربهم، فلم يتعلقوا بنبي إلا قال: نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، حتى ينتهوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيشفع حتى يقال له: (يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال: فيقال ليس لك ذلك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله) رواه البخاري.

إن أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق عامة والأنبياء خاصة، هي أفضلية قطعية وليست ظنية، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "ما خلق الله عز وجل ولا ذرأ من نفس أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال تبارك وتعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}(الحجر:72)".
وقال عبد الله بن مسعود: "إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمدا أكرم الخلق على الله، ثم قرأ: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}(الإسراء:79).
وقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: "إن أكرم خليقة على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فقيل له: رحمك الله فأين الملائكة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي وهل تدري ما الملائكة؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض، وخلق السماء، وخلق السحاب، وخلق الجبال، وخلق الرياح، وسائر الخلائق، وإن أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم صلى الله عليه وسلم".
وذكر ابن تيمية أثر عبد الله بن سلام رضي الله عنه ثم قال: "وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وهذا هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم"، وقـال: "وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاها عند الله، لا جاه لمخلوق أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته".
وقال القاضي عياض: "تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر وإجماع الأمة كونه صلى الله عليه وسلم أكرم البشر وأفضل الأنبياء".
وقال ابن كثير: "فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، قطعا جزما لا يحتمل النقيض".
وقال البجيرمي في حاشيته على الخطيب: " أفضل الخلق على الإطلاق نبينا إجماعا، ثم الخليل، ثم الكليم (موسى)، ثم عيسى، ثم نوح، ثم باقي المرسلين، ثم الأنبياء، ثم الرسل من الملائكة، ثم باقيهم، ثم صلحاء المؤمنين". وقال ابن عليش المالكي: "أجمع المسلمون على أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من باقي المخلوقين من الإنس والملائكة والجن، وشاعت أفضليته وذاعت وصارت كالمعلومات الضرورية حتى عند العوام".

فائدة:
قال النووي في شرح مسلم: "قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تفضلوا بين أنبياء الله) جوابه من خمسة أوجه :أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به. والثاني: قاله أدبا وتواضعا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول. والرابع: إنما نهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث. والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى، ولا بد من اعتقاد التفضيل، فقد قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}(البقرة:253)". قال السعدي في تفسيره لقول الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}: "يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه (بوحيه) وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين".

نعم، إن محمدا صلى الله عليه وسلم أعظم مخلوق وأفضل نبي، وليس هذا القول بدعة ولا كذبا أو مبالغة، بل هو مقتضى ظاهر الكثير من الأدلة والنصوص من الكتاب والسنة التي بينت عظم قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، ورفعة مكانته، وذلك من خلال الفضائل الجليلـة والخصائص الكريمة التي خصه الله عز وجل بها، مما يدل على أنه أعظم الخلق، وأفضل الأنبياء والرسل، وذلك من فضل الله عليه، قال الله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}(النساء:113). قال محمد بن الحسين: "قبيح بالمسلمين أن يجهلوا معرفة فضائل نبيهم صلى الله عليه وسلم، وما خصه الله عز وجل به من الكرامات والشرف في الدنيا والآخرة". 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة